فنان تشكيلي يوظف أعماله للتوعية البيئية..

مشعل العمري: ألتقط موادي من الشارع والفن يعيد تعريف الأشياء التالفة .

في عالم الفن، هناك من يرى الجمال حيث لا يراه الآخرون، ويمنح الأشياء التالفة والمهملة حياة جديدة ومعنى مختلفًا. الفنان التشكيلي مشعل العمري يصنع من هذه الرؤية تجربة فنية فريدة، تجمع بين الإبداع والحس البيئي والاجتماعي. على مدار مسيرته الطويلة، قدّم العمري أربعة معارض شخصية، وشارك في أكثر من عشرين معرضًا جماعيًا، قبل أن يكرّس تجربته الأخيرة في معرضه الجديد للبحث عن الجمال في المواد المهملة وتحويلها إلى أعمال فنية تنبض بالدهشة والرمزية. في هذا الحوار، يستعرض الفنان رحلته مع الفن منذ الطفولة، ويكشف عن تجربته الحالية مع “المهمل”، مستعرضًا فلسفته الفنية وأهدافه الطموحة في توظيف الفن للتوعية البيئية وإعادة تعريف ما هو تالف ليصبح أغلى وأثمن *حدثنا أولا عن بدايتك مع الفن . متى بدأت رحلتك معه؟ -الفن بالنسبة لي كهواية شخصية بدأ معي من المدرسة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية وكنت دائما احد المتميزين بين الطلاب وحصلت على بعض الجوائز اثناء مرحلة الجامعة. *هل كان ارتباطك بالفن على سبيل الهواية فقط؟ -نعم كان هواية فقط وتوقفت عنه لفترة طويلة بعد التحاقي بالعمل في المجال المصرفي نتيجة لصعوبة التوفيق بين الهواية والوظيفة ومن ثم الارتباط بالعائلة لاحقاً. **ومتى عدت لممارسة الفن بجدية؟ -تقريباً وانا على مشارف الأربعين من عمري وبعد الاستقرار العائلي والوظيفي بدأت مواصلة رحلة الفن مرة اخرى وكنت ارسم اللوحات في اوقات الفراغ والإجازات وعشت مايقارب ٢٦ سنه بين الرسم والقراءات والندوات الفنية وورش العمل والمعارض. وبعد تقاعدي من العمل بعمر ٥٩ سنه أنشأت مركز سيزان للفنون بجده لاقامة المعارض والتدريب عام ٢٠١٠ م ولكني اضطريت إلى اغلاقه بعد تعثر مالي وأيضا بسبب سفري للخارج كمرافق لابنتي المبتعثه بنهاية عام ٢٠١٣ م. *ما هو الهدف الذي تتمنى تحقيقه في مجال الفن التشكيلي؟ -بلاشك يقال اجمل اللوحات لوحة لم ترسم بعد ولذلك طموحي الفني لايتوقف واتمنى الاستمرار بالفن حتى آخر لحظة من العمر ولكن على المستوى الشخصي يمثل اعادة افتتاح مركز سيزان للفنون الجميلة مرة اخرى هدف مهم ويشغلني باستمرار اما على المستوى العام أسعى للتوعية البيئية بما يمكن من احترام الانسان للبيئة والمحافظة عليها. *ما هو المهم في تجربة «المهمل» وما رسالتك التي اردت تقديمها في معرضك الأخير؟ -بالنسبة للتجربة الحالية لاتعتمد على الرسم وانما تجربة موازية لرسم اللوحات الذي هو هوايتي وعملي الاصلي. وتعتمد بشكل أساسي على التصميم والتخيل وتجميع أشياء من توالف ومهملات ونفايات مختلفة وتجميعها في تكوين فني بحيث تخلق الجمال من القبح او العدم. وعادة أمارسها عند المرور بحالات الملل من الرسم كفترات استراحة واعادة تنشيط للذهن. *وكيف تصف تجربتك الجديدة في المعرض الأخير؟ وما الذي يسعى فنك لإبرازه في الأشياء التالفة والمُهملة؟ -للفنان عين ترى ما لا يراه سواه؛ عين تلتقط الجمال في قلب التالف والمهمل، وتعيد إليه الحياة والمعنى. فتغدو القطع المتروكة على قارعة الطريق، والأشياء التي فقدت قيمتها في نظر الناس، خامة ثمينة في يد الفنان تتحوّل إلى عمل فنّي ينبض بالدهشة والرمزية. *ما الفكرة الأساسية وراء هذه التجربة الفنية؟ حدثنا عن استخدام المواد المهملة وتحويلها إلى أعمال فنية؟ -تقوم تجربتي الفنية في المعرض الأخير على مبدأين متكاملين، الأول: حماية البيئة من آثار التلوث والضرر الذي يصنعه الإنسان، عبر جمع بقايا المواد الضارة بالتربة وإنقاذها من أن تظل عبئا على الأرض. والثاني: استدامة نفع الأشياء، إذ يُعاد تدويرها وتوظيفها في مجال الفن بعد أن تنتهي وظيفتها الأصلية، فتولد من جديد في صورة أعمال تشكيلية تحمل رسالة جمالية وإنسانية وبينية. وقد كانت شرارة هذه الرحلة الفنية الأولى في لحظات المشي المسائي، حين اعتادت عيني تتبّع الأرضية المزدحمة بقطع البلاستيك، وبقايا الحديد، وبقايا الإنارة والسباكة المهملة، التي لم تعد صالحة للاستعمال. تلك القطع التي التقطتها من الشوارع لتصبح نواة مجموعتي الفنية الخاصة؛ موادّ انتزعتها من مصير الإهمال لتخضع لفكرتي وتشارك في صناعة الجمال. وفي المرسم، تبقى هذه المواد حبيسة الانتظار أيّامًا وأحيانًا سنوات، حتى تلوح الفكرة فجأة؛ فتبدأ رحلة بناء اللوحة أو المجسّم: من اختيار الألوان وأحجام القطع، إلى نسج العلاقات بينها في تكوين فنيّ يضفي عليها روحًا جديدة. ورغم أنّ معرفتي التقنية بفنون الريليف وبأسرار هذا التكوين لم تكن عميقة في البداية، إلا أنّ الفن بطبيعته إلهامٌ واستغراقٌ وشغف. هو حالة من النشوة والتذوّق الخالص، تستولي على الفنان في لحظة صفاء، فيصنع من هذه القطع عملا فنيًّا يدهش الناظر وينقله إلى عوالم غرائبية وسحرٍ خاص.