حضور مؤجل.. كرة القدم في الأدب الأفريقي

كلّما تعمّقتُ في البحث عن آداب وفنون القارة الأفريقية، ازددتُ يقينًا بحقيقتين متلازمتين. الأولى أن هذه القارة تمتلك ثراءً ثقافيًا هائلًا، يتجلّى في آداب شديدة العمق والتنوّع، تتقاطع مع التاريخ والذاكرة والجسد والطقوس والحياة اليومية، وتنهض بأسئلة الهوية والانتماء، والحلم والنجاة. تنطلق هذه الآداب من وعيٍ بتبعات الاستعمار وإرثه المأساوي، لكنها لا تختزل التجربة فيه، بل تعبّر عنه عبر اليومي والمعاش، حيث يظهر الانتصار واللعب، كما تظهر الهزيمة والمقاومة، ضمن واقع معقّد ومتغيّر. أما الحقيقة الثانية، فتتمثّل في الفجوة الواضحة في تسليط الضوء على هذا الإرث في السياق العربي؛ إذ يظل حضور الأدب والفن الأفريقيين محدودًا مقارنة بغيرهما، فكثير من الأعمال المهمّة غير مترجمة أو يصعب الوصول إليها، خصوصًا تلك الصادرة عن آداب جنوب الصحراء. أرجّح أن سبب هذا الغياب يعود إلى ميلٍ نحو مركزية ثقافية ما تزال تحجب مساحات ثرية ثقافيًا في العالم. تُعدّ كرة القدم إحدى أكثر الظواهر حضورًا وتأثيرًا في أفريقيا المعاصرة، بما تنطوي عليه من أبعاد ثقافية واقتصادية واجتماعية. فهي ليست رياضة للمترفين، بل حلمًا فرديًا للكادحين والمهمّشين، ومسارًا جماعيًا تتّسع دائرته من المحلي إلى العابر للأوطان، حيث تُعاد صياغة صورة بلدان كاملة عبر سردية كرة القدم، بما تتيحه من موارد اقتصادية وثقافية، وما تصنعه من حضور دولي وشبكات اهتمام وتفاعل تتجاوز نطاق الملعب. وعلى الرغم من هذا الحضور الاجتماعي، فإن تمثيلات كرة القدم في آداب القارة تظل نادرة مقارنةً بثقلها في الواقع؛ فخلال بحثي وجدت أن الأعمال الروائية الجادّة التي جعلت من كرة القدم محورًا سرديًا تكاد تقتصر على عددٍ محدود من النصوص، اتخذت من اللعبة مادةً ذات دلالة. وأذكر منها في هذا السياق روايتين تنتميان إلى الأدب الأفريقي الفرنكوفوني: Le Briseur de jeu، ويمكن ترجمة عنوانها إلى العربية بـ (مُفسِد اللعبة) أو (كاسر اللعبة) ، للكاتب الكاميروني أوجين إبوديه (Eugene Ebode)، الصادرة عام 2000، وLe Ventre de l’Atlantique (جوف الأطلسي) للكاتبة السنغالية فاتو ديوم (Fatou Diome) ، الصادرة عام 2003. وتأتي الرغبة في الكتابة عنهما لأننا نعيش هذه الأيام منافسات كأس الأمم الأفريقية 2025 في المغرب؛ فتبدو هذه اللحظة مواتية لقراءة العلاقة المركّبة بين اللعبة والمجتمع كما تتجلّى في هذين العملين، اللذين يكشفان كيف تتمثّل كرة القدم بوصفها مرآة للهوية، والطبقة الاجتماعية، وتوتّرات الواقع، وتطلّعات الهجرة. ويمكن اعتبار هذه القراءة أيضًا دعوةً للناشرين العرب إلى ترجمة مثل هذه الأعمال. ما بعد الصافرة: تُعدّ رواية Le Briseur de jeu (مُفسِد اللعبة) من الأعمال اللافتة في توظيف كرة القدم بوصفها محورًا يكشف توتّرات المجتمع. فمع أن الأدب الأفريقي عرف حضورًا متفرّقًا لمشاهد كروية أو لشخصيات لاعبين، فإنه افتقر طويلًا إلى عملٍ يجعل من اللعبة بنيةً دلاليةً قائمة بذاتها لا مجرّد خلفية عابرة، وهو ما ينجزه إبوديه في هذا النص. إذ يستخدم الكاتب فكرة المباراة النهائية، بما تحمله من توتّر وأجواء مشحونة، بوصفها عدسةً لقراءة الانقسامات الاجتماعية والعنف الشعبي، وما يختبئ تحت سطح اللعبة من صراعات غير مرئية. تُروى القصة على لسان لاعب كرة قدم كاميروني معتزل، يستعيد بعد خمسة عشر عامًا ذكرى مباراة جمعت فريقين من الشمال والجنوب، ويستحضر معها الأيام التي سبقتها، حيث عاش اللاعبون تحت ضغط هائل من الجمهور والقيادات الرياضية، بفعل ما أُسقط على المباراة من رهانات تتجاوز حدود الرياضة. ويتقدّم النص عبر تفكيك تلك الأيام وما حفّ بها من توتّر وتدخّلات، وصولًا إلى نهاية مأساوية تكشف هشاشة التوازن بين اللعب والعنف. وبهذه الطريقة، يوظّف إبوديه ذاكرة اللاعب المعتزل، لا بدافع الحنين، بل كأداة نقدية لتعرية واقع الفساد والقضايا الشائكة في البلاد، مع عقد مقارنات مباشرة بين لعبة النفوذ ولعبة الكرة، كاشفًا عن تشابه آليات الهيمنة والضغط في المجالين، وعن كيفية تحول اللعبة إلى مسرح تتشكّل فيه مصائر الأفراد تحت ضغط الجماهير. أحلام الهجرة ومآسيها: أمّا على صعيد الثمن الإنساني للهجرة وهوية الشتات، فتغدو كرة القدم في رواية Le Ventre de l’Atlantique (جوف الأطلسي) علامةً مزدوجة على الانتماء والاغتراب معًا؛ إذ تصوّر الكاتبة الشغف باللعبة بوصفه وعدًا بالعبور وخلاصًا متخيَّلًا، يخفي في طيّاته كلفةً إنسانية لا يراها الحالمون. تفتتح الكاتبة الفصل الأول بمشهد تحلّق سكان جزيرة نيوديور في السنغال لمتابعة مباراة كرة قدم بين هولندا وإيطاليا في نصف نهائي بطولة أمم أوروبا عام 2000. ويتمحور المشهد حول ماديكي، شقيق سالي راوية العمل، المولَع بكرة القدم والمتماهي مع لاعبه المفضّل مالديني، فيما يشاهد بحماس لا يخلو من التوتر هذه الحرب على أرض الملعب: «هذه الحرب على العشب تتطلّب أعصابًا من فولاذ، وليس من السهل التماسك طوال تسعين دقيقة، وخصوصًا في اللحظات الأخيرة من المباراة، حين تصبح كل حركة مصيرية.» * تصوّر الكاتبة ذروة التوتّر وانتظار الحسم عندما تتّجه المباراة إلى ركلات الترجيح، لكن انقطاع الكهرباء إثر عاصفة مفاجئة يتدخّل ليقطع مسارها، بتعطّل جهاز التلفاز وحرمان ماديكي من معرفة النتيجة. تتواصل الأحداث لاحقًا في هذا العمل بتوظيف كرة القدم وسيلةً لكشف هموم المتعبين، عبر سعي الكاتبة إلى تفكيك وهم شقيقها الحالم بالهجرة، ومحاولة إقناعه—من خلال التجربة المعاشة والسرد المضاد للحلم الأوروبي—بأن كرة القدم ليست سوى أفقٍ متخيَّل يُسقَط عليه الخلاص، لكنه لا يتحقّق دائمًا، مظهرةً عبر قصص عدة، الوجه القبيح لوهم الهجرة وما يرافقه من استغلال وخيبات ووعود قد لا تتحقّق. اللعبة التي لا تتوقف: هذان العملان لا يمجّدان كرة القدم ولا يدينانها، بل يوظّفانها بوصفها مساحة رمزية تتكثّف فيها قضايا أفريقيا المعاصرة، وتُقال عبرها ما تعجز عنه الخطابات المباشرة: عن العنف، والطموحات، والوعود التي قد تتحطّم على صخرة الواقع. ومن هنا أستدعي نصًا لمحمود العدوي في كتابه «إحدى عشرة قدمًا سوداء»، الذي يتتبّع فيه حضور كرة القدم في أفريقيا بوصفها ممارسة اجتماعية وثقافية تشكّلت داخل سياقات الاستعمار والسلطة والهامش، حين يشبّه كرة القدم بالحياة نفسها: «كرة القدم، لو نظرت إليها جيدًا، ستجدها لا تختلف كثيرًا عن الحياة. فالجميع ينزل إلى الملعب يريد الفوز، لا أحد يقبل بالخسارة قبل أن تحدث، ولكن حينما تحدث، وهذا أمر واقعي، لا يمكن الفرار منه، نجد أناسًا يتقبلونها وأناسًا آخرين يرفضون ذلك. ولكن ما بين هؤلاء وهؤلاء، لا تتوقف اللعبة، ولا يتوقف المشاهدون المهووسون عن إحراز الهدف من أنصاف الفرص، ولا يتوقف المدافعون البؤساء عن ارتكاب الأخطاء. إنها اللعبة التي لا تتوقف، إلا حينما يحرز أحدهم هدفًا أو يرتكب أحدهم خطأ، وغير ذلك لا يتوقف أحد عن الركض. هي الحياة، متعبة، ولكنك لا تستطيع أن تمنع نفسك من عشقها والتمسك بها حتى النفس الأخير.» ختامًا، هذا المقال ما هو إلا محاولة لفتح نافذة على أدب أفريقي يقرأ الحياة عبر سرديات متنوّعة لفهم الإنسان، أعمال لم تُنقل بعد إلى العربية، وتنتظر أن تجد طريقها إلى القارئ. المراجع...................................................... Eugene ebode، Le Briseur de jeu، editions Moreux، 2000. Fatou Diome، Le Ventre de l’Atlantique، editions Anne Carriere، 2003. •محمود العدوي، إحدى عشرة قدمًا سوداء: عندما يلعب المضطهدون كرة القدم، دار الطليعة الجديدة * مكة المكرمة