دراسة فاطمة الوهيبي العابرة للثقافات ..

أساطير الظل وامتداداتها.. تأملات في كتاب موسوعي معاصر .

في عالم الدراسات الثقافية والأنثروبولوجية، يبرز كتاب (الظل: أساطيره وامتداداته المعرفية والإبداعية) للدكتورة فاطمة عبد الله الوهيبي كعمل موسوعي يتجاوز الحدود التقليدية للبحث الأكاديمي، ليغوص في أعماق الرموز الإنسانية التي تشكل وعينا الجماعي، صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 2008، وشهد طبعة ثانية عام 2014، كما ترجم إلى الفرنسية وفاز بجائزة الملك عبدالله العالمية للترجمة في نسخته الفرنسية، مما يعكس أهميته العالمية. تتسم الكاتبة بمنهجية تجمع بين الدراسات الثقافية، الأنثروبولوجيا، الفلسفة، والنقد الأدبي، مستندة إلى مصادر متنوعة من التراث العربي الإسلامي، والأساطير العالمية، والفكر الغربي. يركز الكتاب على مفهوم (الظل) ككيان معرفي وجمالي وميتافيزيقي، يتجاوز كونه غياباً للنور، ليصبح انعكاساً له وامتداداً معرفياً يعبر عن ثنائيات الوجود البشري: الأفقي (الحركة والزمن) والعمودي (الأصل والفرع). يبدأ الكتاب بتمهيد يتسم بالعمق الشعري والفلسفي، حيث تعيد الوهيبي خلق الظل ككيان متعدد الأبعاد ، تنطلق من الحقيقة البصرية: لا ظل بلا ضوء، ثم تنتقل إلى تفسيره كانعكاس وامتداد للنور، مستشهدة بمصادر متنوعة مثل الكلمة البابلية (مم ) ، والجذر الهندو-أوروبي الذي يربط بين النهار والإله، ورموز النور في الأوبانيشاد، والنور المحمدي في التصوف الإسلامي ، تبرز الثنائية في الآية القرآنية: “ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ…” (سورة الفرقان)، حيث تقلب المعادلة لتجعل الظل أصلاً والشمس دليلاً عليه، مرتبطاً بنقصان تدريجي يفضي إلى القبض ، تربط ذلك باسمي الله الباسط و القابض ، وابن عربي الذي يرى في استواء الشمس غياب الظل في الذات ، هنا، يصبح الظل مرادفاً للوجود الإنساني: مده حياة، وقبضه موت وعود إلى النور الأعظم ، تمتد الوهيبي إلى الأساطير الهندية والإيرانية والمصرية، مؤكدة كونية فكرة (الشمس عين الله) و (الكل ظل الله)، كما تربط بأفلاطون في مثل الشمس والكهف، وابن عربي في نور على نور، يتميز التمهيد بكثافته، حيث يلخص الكتاب في صفحات معدودة، محولاً الظل إلى محور للتفكير البشري عبر العصور. في الفصل الأول، (الظل في الميثولوجيا ) ، تستعرض الوهيبي الدلالات اللغوية والأسطورية في التراث العربي، حيث يرتبط الظل بالروح والحياة، كما في (ضحا ظله ) للموت ، تربط بأسطورة (الهامة)، الطائر الذي يمثل روح القتيل، ثم تمدد النقاش إلى مقارنات أنثروبولوجية مع جيمس فريزر في الغصن الذهبي، حيث يُخشى الاقتراب من المياه لئلا تلتهم الحيوانات الظلال، تشمل أسطورة (ملتهم الظلال) في كتاب الموتى المصري، والـ (كا) و (البا) في التراث المصري القديم ، تمتد إلى قبائل البامبارا والزولو، والـمانا في بولينيزيا، والثقافة التاوية حيث يرتبط الظل (بالين) مقابل (اليانغ)، يختتم الفصل بربط الأساطير بالعلم الحديث، مثل الهالة الكهرومغناطيسية، مؤكداً أن التراث يحس بسر الطبيعة قبل العلم ، يبرز الفصل المنهجية المتينة في بناء جسور بين الثقافات، محولاً الظل إلى رمز كوني للثنائية: سالب (الموت) وموجب (الخلق). الفصل الثاني، (الظل في المدونة التراثية والدينية)، يشكل قلب الكتاب، مستعرضاً ورود الظل في القرآن والسنة والفرق الإسلامية ، يبدأ بلغويات ضحى وابن منظور، رابطاً بالموت والخلود في (شجرة الخلد) ، يفسر آيات مثل (كيف مد الظل) كدليل على الخلق الإلهي، يستعرض الفصل أحاديث مثل (سبعة يظلهم الله في ظله)، ونصوص المغيرية والإسماعيلية في (الهفت والأظلة)، حيث الظل أول مخلوق ، ويختتم بابن عربي والتوحيدي، حيث الظل وجود إضافي مرتبط بالإنسان الكامل ، ويعكس الفصل عمق البحث، مدعواً إلى إعادة قراءة التراث بمنظور فلسفي. في الفصل الثالث، (الظل في الفلسفة)، يتطور المفهوم من أفلاطون في مثل الكهف، حيث يُعد الظل رمزاً للوهم والانعكاس السلبي الذي يعيق الوصول إلى الحقيقة المثالية، إلى نيتشه الذي يجعله رمزاً للقلق الوجودي والثقافة الإنسانية في سيرورتها، مروراً بهايدجر الذي يربطه باللاشيء والانسحاب في عصر التقنية، ودريدا الذي يراه غياباً منظماً للحضور (كغياب الأم في الكتابة)، وصولاً إلى باشلار الذي يحوله إلى عنصر إيجابي في أحلام اليقظة والإبداع الشعري. تبرز الدكتورة فاطمة الوهيبي في هذا الفصل قدرة الظل على التطور من سلبي إلى ديناميكي، مستندة إلى روابط دقيقة مع التراث العربي والصوفي، مما يجعله جسراً بين الفلسفة الغربية والشرقية. أما الفصل الرابع، (الظل وفلسفة الهوية الثقافية) تقارن بين (مديح الظل) و(ماكينة الإبصار)، فتقدم مقاربة ثقافية عميقة من خلال قراءة كتابين رئيسيين: مديح الظل ، لجونيتشيرو تانيزاكي الذي يدافع عن الظل كعنصر جمالي شرقي يمنح العمق والسكون والزمن المسجل في المادة، مقابل الإبهار الغربي بالضوء الساطع والسرعة، وماكينة الإبصار لبول فيريليو الذي ينتقد التقنيات الحديثة للإبصار (الكاميرا، الإعلام، الحرب بالصور) التي تمحو الظل وتؤدي إلى تخدر الحواس وفقدان الثقة في العين الطبيعية ، تربط الوهيبي بين الكتابين بذكاء، فالأول هجاء للإبهار، والثاني هجاء لمحو الظل، مما يؤكد أن الظل مصدر للهوية الثقافية يقاوم تسارع الحداثة. في الفصل الخامس، (الظل في علم النفس: يونغ نموذجاً)، يصبح الظل نمطاً أولياً أساسياً في البنية النفسية، يمثل الجانب المكبوت والمرفوض (الدوافع المظلمة، الضعف، العاطفة)، مقابل القناع (البرسونا) الاجتماعي. تربط الوهيبي الظل بالأنيما (العنصر المؤنث في الرجل) والأنيموس (العنصر المذكر في المرأة)، مستلهمة من يونغ الذي يرى في مواجهة الظل واندماجه مفتاح التكامل الذاتي والنضج النفسي، مع إشارات إلى تأثره بالسيمياء والميثولوجيا الصينية (الين واليانغ)، يحذر الفصل من مخاطر الكبت، ويؤكد أن الظل ليس نقيضاً سلبياً فحسب، بل مصدر غنى إبداعي، خاصة في الرواية والأحلام. يأتي الفصل السادس، (الظل واللغة والكتابة)، كحلقة ربط بين الوجودي واللغوي، في الجزء العربي الإسلامي، تربط الوهيبي الظل بالأصل الإلهي (كما عند المغيرية وجابر بن حيان وابن عربي)، حيث تُعد اللغة والحروف ظلالاً للأسماء الإلهية والوحي. أما في الثقافة الغربية، فيناقش الفصل مفاهيم مثل السيمولاكروم (بودريار)، ووحدات الظل عند دريدا، والكتابة كظل تائه (ميرلوبونتي، كريستيفا)، مما يجعل الظل أداة تفكيكية للثنائيات (الحضور/الغياب، الأصل/النسخة)، يبرز الفصل التشابه والاختلاف بين التراثين، محولاً اللغة إلى ظل للغيبي. الفصل السابع، (الظل في الأدب الروائي)، يستعرض استثمار الظل كرمز للانشطار النفسي والموت في روايات عالمية وعربية، يبدأ بـ«بيتر شليمل» لشاميسو (بيع الظل للشيطان)، ثم «البومة العمياء» لصادق هدايت (الظل والكتابة والانتحار)، مرورًا بدوستويفسكي (القرين)، وستيفنسون ( دكتور جيكل ومستر هايد)، وصولاً إلى روايات عربية مثل (الطين ) لعبده خال و(حارسة الظلال ) لواسيني الأعرج ، تربط الوهيبي الظل بالقرين والشبح، مستلهمة فرويد (الغربة الموحشة) ويونغ، مؤكدة أنه رمز للقلق الوجودي والصيرورة. في الفصل الثامن، (الظل في الشعر: نماذج وتجليات)، يغوص في الأبعاد الأسطورية والصوفية والنفسية، في الشعر العالمي: منطق الطير للعطار، الطيور ظلال السيمرغ ، دانتي في الكوميديا الإلهية ، الظل دليل الروح ، وشعراء غربيون مثل بودلير وفاليري (الظل والليل واللاوعي) ، في الشعر العربي: أدونيس (الظل والصوت والصدى)، محمود درويش (الظل والهوية)، زهير أبو شايب (امتداد إلهي)، وإبراهيم نصر الله (كعب أخيل) ، يبرز الفصل الظل كأداة إبداعية عابرة للثقافات. الفصل التاسع، (الظل ثنائيات ومحاور)، يركز على أسطورة نرسيس وإيكو كمدخل للثالوث (الظل / المرآة / الماء)، رابطاً الظل بالصدى والأنوثة والعتمة، تستعين الوهيبي بدريدا (الشبح والأثر) والتراث العربي (الهامة، الطيف)، محولة الظل إلى رمز للانشطار الذاتي والزمن والموت. أخيراً، الفصل العاشر، (أنطولوجيا الظل)، يقدم خاتمة تأملية تحلل هوية الظل الشبحية وبنيته الداخلية، مستلهماً جيلبير دوران (النظام النهاري والليلي)، تصنف الوهيبي معاني الظل إلى طبقات (واقعي، رمزي، أخلاقي، ماورائي)، وترى فيه تحولاً من التناهي إلى اللاتناهي، مرتبطاً بالموت والعودة إلى الأصل، يؤكد الفصل أن الظل ليس غياباً، بل حضوراً متعالياً يجمع التناقضات في نسق متماسك. بهذه الطريقة، يكتمل الكتاب كعمل موسوعي يعيد قراءة الظل كمرآة للوجود الإنساني عبر العصور والثقافات. يتميز الكتاب بمنهجه المقارن العابر للثقافات، الذي يحوّل الظل إلى مرآة صادقة تعكس أعماق الوجود الإنساني ، ومع ذلك، فإن الحجم الضخم للعمل، وثقله المعرفي، وامتداده الواسع عبر صفحات كثيرة، إلى جانب المساحة المحدودة المتاحة للعرض والنقد، قد ظلمت (إلى حد ما) بعض ما يحتويه من غنى وتفاصيل دقيقة ، فالكتاب ليس مجرد دراسة يُقرأ مرة واحدة، بل هو عمل يستحق القراءة المتأنية والإعادة مرات عديدة، لأن كل قراءة جديدة تكشف طبقة أخرى من طبقاته، وتضيء زاوية لم تُلاحَظ من قبل ، إنه ،بلا شك إضافة نوعية إلى المدونة العربية، يدعو الباحثين والقرّاء المهتمين بالرموز الثقافية والإنسانية إلى العودة إليه مراراً، ليستخرجوا من ظلاله حضوراً عميقاً للمعنى والجمال.