قراءة في كتاب (وأنا بُرّ..وأنا دُخن) لعبد الرحمن موكلي..

حين يتكلّم الطعام.

«وأنا بُرّ… وأنا دُخن» سيرة المكان كما تُكتب من المطبخ لا يكتب عبدالرحمن موكلي في كتابه «وأنا بُرّ… وأنا دُخن» عن الطعام، بقدر ما يكتب عن الطريقة التي يسكن بها الإنسان مكانه. فالمرسة، الأكلة الشعبية الجنوبية، ليست هنا طبقًا يُؤكل، بل ذاكرة تُستعاد، ولغة تُفكَّك، وطقسًا يُعاد تأويله، حتى يتحول الطعام من مادة استهلاك إلى مادة معنى. هذا كتاب لا يدخل من باب الوصفة، بل من باب الثقافة حين تختبئ في اليومي، وحين تمرّ عبر الأيدي قبل أن تصل إلى الكلام. من التنور إلى السوق، ومن الحبوب إلى الاسم، ينسج موكلي نصًا لا يطلب الإعجاب، بل يطلب التمهّل. نص خارج التصنيف منذ صفحاته الأولى، يعلن الكتاب رفضه للتجنيس المريح. ليس رواية، ولا سيرة ذاتية، ولا بحثًا أنثروبولوجيًا بالمعنى الأكاديمي. إنه كتابة من منطقة وسطى، حيث تتجاور الذاكرة الشخصية مع التأمل الثقافي، ويغدو الصوت الفردي أداة لقراءة الجماعة. موكلي لا يكتب من موقع الباحث البعيد، بل من داخل التجربة. ذاكرة الطفل الذي يراقب المطبخ، ويتبع السوق، ويشمّ النار، تتحول إلى عدسة واعية تقرأ المكان، وتفكك اللغة، وتعيد ترتيب العلاقات بين الطعام، والمرأة، والمدينة، والزمن. الذاكرة هنا ليست حنينًا، بل مخزن معرفة. المرسة: من المائدة إلى البنية الثقافية المرسة، في هذا الكتاب، ليست أكلة بسيطة. هي بنية مركبة: حبوب (بر، دخن، خضير)، موز، عسل، سمن، نار، وزمن. كل عنصر يدخل في علاقة مع الآخر، ليشكّل شبكة دلالية تتجاوز المطبخ إلى الاقتصاد، وإلى فكرة الوفرة والندرة، وإلى علاقة الإنسان بأرضه وموسمه. التكرار المقصود في وصف المقادير وطرق التحضير ليس إسهابًا، بل إصرار على أن ما يبدو عاديًا هو في الحقيقة طقس، وأن الطقس لا يُفهم دون العودة إليه مرة بعد أخرى. المرسة هنا ليست حدثًا عابرًا، بل ممارسة متكررة تحفظ الذاكرة من التآكل. المرأة: اليد التي تحفظ المعنى من أكثر ما يمنح الكتاب ثقله هو تمركز المرأة في قلبه. فالمرسة «من صنع النساء»، لا بوصفها جهدًا منزليًا، بل بوصفها معرفة دقيقة: معرفة المقادير، والنار، والتوقيت، واللمسة الأخيرة. يتوقف الكاتب طويلًا عند الفعل اللغوي «مرس»، ويقارنه بأفعال أخرى ارتبطت بأكلات شعبية مثل «فتّ» و«عصد» و«عرك». هنا تتحول اللغة إلى وثيقة ثقافية: المرس فعل لطيف، دائري، يقوم على اللمس والاحتواء، لا على الكسر والعنف. بهذا التفكيك، يقدّم الكتاب قراءة ضمنية للأنوثة بوصفها مركز إنتاج المعنى، لا هامش العمل اليومي. السوق: حيث يتشكّل الطعام وتتشكل المدينة يحضر سوق الثلاثاء في صبيا بوصفه قلب النص النابض. السوق هنا ليس مكان بيع وشراء فحسب، بل فضاء للتبادل الاجتماعي والثقافي، ومرآة لعلاقة المدينة بالتجارة والهجرة وتعدد الأصول. يدافع موكلي عن فكرة أن المرسة نتاج مدينة، لا قرية. مدينة مفتوحة، محكومة بالسوق لا بالقبيلة، وبالتنوع لا بالانغلاق. ومن هنا تصبح صبيا نموذجًا لمدينة جنوبية تشكّلت من التداخل البشري، وقادرة على الابتكار، حتى في الطعام. المرسة، بهذا المعنى، ليست فقط أكلة جنوبية، بل أكلة مدينية. الطعام والطقس: من العيد إلى الذاكرة الجمعية يولي الكتاب مساحة واسعة للمرسة في الأعياد والمناسبات. مرسة العيد ليست وجبة تُقدَّم، بل علامة كرم، وامتحان سمعة، وذاكرة جماعية تتداولها البيوت. يقرأ موكلي عادة تقديم الأكلات الحلوة في بداية الوجبة – على خلاف ثقافات أخرى – بوصفها أثرًا ثقافيًا عميقًا، يعود إلى طقوس قديمة مرتبطة بالحصاد والخصب. بهذا الربط، يضع الكتاب الطعام داخل زمن أطول من اللحظة، دون أن يصطدم بالمقدس، بل عبر قراءة الطبقات الثقافية المتراكمة. الاسم والأسطورة: جرأة السؤال في أكثر مقاطع الكتاب إثارة للجدل، ينفتح النص على تأويلات لغوية وتاريخية لاسم «جازان»، رابطًا إياه بالآلهة القديمة، وباللغات السامية، وبالطرق التجارية القديمة على البحر الأحمر. هذه المقاطع لا تُقدَّم كيقين، بل كاحتمالات، وكتمرين على التفكير خارج السردية الجاهزة. هنا يتقدّم الكتاب خطوة أبعد من التوثيق، إلى التخيّل المعرفي، دون ادعاء الحسم. الكتابة بوصفها اعترافًا ما يميّز هذا العمل أيضًا هو وعيه بذاته. الكاتب يعترف بالتعب، وبالاستطراد، وبالتكرار. لا يتخفّى خلف سلطة النص، بل يكشف هشاشته، ويجعل فعل الكتابة جزءًا من الموضوع. هذا الاعتراف يمنح النص صدقًا نادرًا، ويحرره من الادعاء، ويقرّبه من القارئ. ما الذي يبقى؟ في المحصلة، «وأنا بُرّ… وأنا دُخن» ليس كتاب طعام، ولا كتاب حنين، بل كتاب ذاكرة ثقافية. كتاب يقول إن ما يبقى من الأمكنة ليس مبانيها، بل أطعمتها، وأسواقها، وطقوسها الصغيرة. إنه نصّ يذكّرنا بأن الحضارات لا تُحفظ في الأرشيفات وحدها، بل في المطابخ، وفي الأسواق، وفي يدٍ تعجن… كي لا يضيع المعنى.