الإبداع/ الكتابة بلا قواعد.
1 الجملة الأولى/ الفقرة الأولى هي الأكثر صعوبة، يُراد منها أن تكون لافتةً وتفعل فعلها السحري في القبض على المتلقي. هل كل شيء في الرواية يجب أن يتعلق حقاً بالجملة الأولى؟، السرد جميعه بالغ الصعوبة، لأن كل سردية يُراد منها أن تتجاوز ما سبقها. ليس على مستوى إنتاج الكاتب وحده، ولكن أن تختلف عن جميع السرديات التي سبقتها، وأن تتجاوزها. لا أدري من اخترع عبارة: “كان يا ما كان في سالف العصر والأوان”. لكن من المعلوم أنها ليست عربية فحسب، فجل الثقافات لديها صياغات مشابهة: “كان هناك مرّة/ حدث في زمن بعيد/ كان في يوم من الأيام.. إلخ”. إذ من الواضح أنها الحيلة الشعبية الإنسانية التي تم التواطؤ على تعميمها في الحكايات الشفوية من أجل تجاوز معضلة بداية السرد. هنا، لا يمكن معرفة أسباب استمرار مثل هذه الصياغة في كونها مشوّقة لكل تلك القرون المتتابعة! في روايته: “كلبي الهرم.. كلبي الحبيب” يبدأ “أسامة الدناصوري” بهذه العبارة: “أخيرًا وجدتُ ولاعتي الزرقاء (في الحقيقة، لقد وجدتها في الصباح، ولكن يبدو أنني ما زلتُ مغرمًا بالجمل الكبيرة التي تقبض على المستمع أو القارئ، وتثبّته، لكى يكون كلُّه آذانًا مصغية)”، فهو هنا يعي مأزق الجملة الأولى، لكنه لا ينساق في الاستجابة لتوقعات القراء، بل يسخر من الفكرة بمجملها. أولغا توكارتشوك في روايتها: “جرّ محراثك فوق عظام الموتى” تبدأ بهذا التنبيه: “الآن انتبهوا”. فيما يبدأ ميخائيل بولغاكوف روايته “المعلم ومارغريتا” بتحذير ينتهي بعلامة تعجّب: “لا تتحدثوا أبداً إلى أغراب!”، ولزمن طويل بقيت هذه الرواية، كما أفكّر، روايتي المفضّلة. وفي “أرصفة وجدران” يبدأ محمد زفزاف بهذه العبارة: “إن العالم يبدو لي في بعض الأحيان مهترئاً”، أما عبدالرحمن منيف فيبدأ “النهايات” بفقرة عن القحط: “القحط. القحط مرّة أخرى! وفي مواسم القحط تتغير الحياة والأشياء، وحتى البشر يتغيرون”. تنبيهات مقتضبة أو عناوين فرعية بسيطة، ثم سرد تفصيلي هادئ بلا افتعال أو مبالغات. 2 كرة الثلج التي تتعلق بخطورة الجملة الأولى وأهميتها تتعاظم، حتى إن كاتبا أرسل إليّ مسوَّدة تجربته الأولى لتحريرها وقد وضع لها ثلاث عبارات افتتاحية، وطلب منّي ترجيح العبارة التي أَعتقدُ أنها ستشكّل شصّاً فعّالاً يصطاد به القراء. كنت سأقترح عليه أن يبدأ بـ “كان يا ما كان”، الاقتراح الإنساني العام الذي جنّب أصحاب السرديات الشفهية قلق البدايات، لكنني لم أفعل. على كلّ، لم أتصور أنني سأكتب كل هذا لأقول لكم إنني في تبوك الليلة، لم أخطّط للحديث عن التخييل كما في كتب النقد. كنتُ قد بدأتُ ورقتي هذه بعبارة: التخييل هو عِماد الإبداع، ليتني كنتُ أدرك جوهره الحقيقي، فكتابتي السردية، في ثلاث روايات سابقة، وحتى في بعض أجزاء من ثلاثية “سيرة افتراضية”، كلها كانت تتعمد التجريب من ثلاثة أبواب متفرقة: التخييل كما أفهمه/ الأجناس الأدبية كما أبشّر بزوالها/ الرواية كما يُراد لها، للأسف، أن تكون إجرائية. هذا كل شيء. بخصوص التخييل، فإنني سأعود إلى عبارة: “كان ياما كان”، كان الزمن الماضي، و”ياما” التوليفة الشعبية التي تعني مجتمعة: “ما أكثر ما كان” أو “ما أَعجبه”، فأخرج بمعرفتي الأولى بخصوص كتابة رواية: هي زمن، لكن بشروطه هو، زمنٌ بين دفتي كتاب، من سبع ساعات كما في “جمهورية أهريمان” إلى 180 سنة كما في “منازل الموت”. بينما في “الرواقي” هناك زمن يمتد حتى بعد صدور الرواية ذاتها، فقد كتبتُ في صفحاتها الأخيرة: “بعد أسابيع من صدور “الرواقي” جاءتني بعض تعليقات القراء، كان جُلها يستحق أن يُطبَع ويُحتَفظُ به. منها ما دار حول المعلِّم؛ ... إلا أن الكثير من رسائل القراء كان يدور حول قصة مريم. لا أدري كيف ألقيتُ بمريم في كتابي، ربما كانت هي من تسرَّبَ إليه دون علمي”. نعم، هناك روايات لا زمن لها، فكان تعني الماضي فقط، أي اللحظة المطلقة التي انقضت، اللحظة التي تشبه حديث أمبرتو إيكو عن بعض الرموز السيميائية التي يتم استهلاكها كثيرا حتى لا تعني شيئا. “كان” تعني أن شيئا ما حدث، أو أنه لم يحدث قطّ، وأن عدم حدوثه يستحق السرد كما لو أنه حدث بالفعل. لكن هناك سرديات كثيرة تتنصل من “كان” ودلالاتها، كسردية “أسئلة اليدين” لنجوى العتيبي، والتي تنطلق من الممكن الذي لا وثوق بحصوله، فتخرج بقارئها عن “كان” وتقذفه في الاحتمالات: “لعل الـعـالـم يـقـتـرب مـن رؤوس الـبـشـر وقـت الـنـوم، لـعـلّـه يـكـون كـظـلّ شـجـرة، يمـتـدّ عـلـى رأس أحـدهـم حـتـى يتعذر الـنـعـاس، وحتى يـحـدث ذلـك؛ تـبـدأ الأسـئـلـةُ الخـاصـة بـالـتـشـكّـلِ عـبـر قـلـق الأطـراف: إصـبـعٌ يـحـكّ الـذقـنَ، وأقـدامٌ تـسـيـر قـلـيـلاً ف الـغـرفـة”. ومع كل هذا، فإن البدايات بعمومها يجب أن تنطلق من بناء الأرضية الصالحة للتخييل، ففي رواية “المعلم ومارغريتا” لبولغاكوف، مثلاً، هناك أربعة عشر صفحة هي مجمل صفحات الفصل الأول يتقاطع فيها زائر غريب/ الفيلسوف بشاعر روسي وصديقه الصحفي: “في أصيل يوم من أيام الربيع لم يُعرف لحرّه مثيل، ظهر في بتريرشيي برودي في موسكو ذات مرّة مواطنان”، بداية تتلمس التوصية التي كانت عنونا للفصل الأول: “لا تتحدثوا أبدا إلى أغراب!”. ثم جاء الغريب، الذي سنفترض بداية أنه لم يكن مواطناً، والذي جلس على مقعد قريب من المواطنَين، ثم لاحقا سيمرر بولغاكوف، حين يتبادل الغريب الحديث مع المواطنَين الروسيين، ثقة ذلك الزائر لموسكو من أن المسيح وُجِد فعلاً، ثم ترد عبارةٌ يذكر فيها الغريب أنه تحدث على الفطور مع الفيلسوف الألماني كانط، الذي عاش قبل مائة عام من زمن الرواية، ثم سينتهي الفصل بثقة الغريب حول ما يخبرهما به عن المسيح: “لا حاجة إلى أية براهين، أجابه البروفيسور، وأردف يقول بصوتٍ خافت، وقد اختفت لكنته لسبب لم يدرياه: الأمر في غاية البساطة، في بردة بيضاء..”. لينتهي الفصل الأول. ثم وبجملة: “في بردة بيضاء” يأخذنا بولغاكوف إلى فلسطين في بداية القرن الأول الميلادي، إذ يجعلها مفتتح الفصل الثاني لسرد قصة ابتلاء المسيح: “في بردة بيضاء ذات بطانة حمراء بلون الدم، وفي مشية فرسان متثاقلة، خرج حاكم اليهودية بيلاطس البنطي”. ليستمر بنا الفصل الثاني كاملا ونحن لسنا على ثقة من هُوية الراوي، هل هو الراوي العليم الذي بدأت به الرواية، أم البروفيسور/ الغريب الذي اقتحم، في القرن الميلادي العشرين، جلسة المواطنَين الروسيين في الفصل الأول من الرواية. لاحقا وفي الفصل الثالث حين نعود إلى الآن في موسكو، وحين يشكك المواطنان في رواية الغريب، ويتهامسان حول إمكانية أن يكون مجنوناً، نجد تصريحا واضحا منه إذ يخبرهما كشاهد عيان بما يستدل به على صدق روايته حول صلب المسيح: “القضية أني شخصيا حضرت هذا كله”. نعم، حدث هذا بعد 35 صفحة من الرواية حيث بدأت تتشكل ملامح المعلم، ولكن ما الذي فعله بولغاكوف في 35 صفحة سابقة توزعت على فصلين؟. ببساطة، كان يشتغل على التهيئة للتخييل، وليس على عباراتٍ افتتاحية مشوقة لتكون شصا يصطاد به القارئ. لهذا؛ وكنتيجة حتمية لعمل بولغاكوف الجاد، سيصبح كل شيء مقبولا في الرواية: سيطير البشر، وسيختفون من مدينة ليظهروا في مدينة أخرى، وسيتحول القط إلى رجل، وسنطوف مع “مارغريتا” محلّقين فوق شوارع موسكو، وسنعيش داخل رواية متكاملة، معقولة جدا رغم فنتازيتها الواضحة. فنحن لم نعد خارج الرواية، لقد عمل بولغاكوف على جرّنا إلى داخل عالمه السحري، لم تعد تحكمنا قوانين العالم الواقعي بل قوانين الواقع المُتخيّل بين دفتي كتاب. لقد أصبحنا في قلب “الصدق المنطقي”، وليس صدق الواقع الذي نعيشه. 3 “كلما شاهد مجنوناً أو هامشياً سأل نفسه: من منّا على ثقة أن هذا الشخص لن يكون المُخلِّص؟!”. هذه هي مدينة جدة، لا نهائية. اليوم؛ مع سقوط المطر النادر الحضور هنا، كنتُ أضع جملتي الأخيرة في حكاية لم أكن على ثقة أنني عشتُ أحداثها”، هكذا بدأتُ كتابة رواية “الرواقي” 2008م، إذ لم يكن الحديثُ شائعاً عن البدايات المدهشة، أو على الأقل لم أكن على علم بذلك. بالعموم، لم أكن أقصد كتابة شيء صادم منذ البداية، ولم أفكر في اختراع “شصّ” لاصطياد القراء، ولا في إدهاشهم منذ اللحظة الأولى. تالياً، وبعد عشر سنوات من الرواقي، بدأتُ كتابة دوستوبيا “جمهورية أهريمان” 2018م بحلم بسيط، بينما جاءت بداية “منازل الموت” 2025م على هيئة حوار بين أخ واخته حول جارهم غريب الأطوار: “بدأ الأمر بمزحة، القابض على كوب القهوة، هكذا أسميته، وأضفت وأنا أقف أمام النافذة بجوار فريدة: كان الهنود الحمر يختارون صفات حركية لأسماء أبنائهم وقادتهم العِظام”. كانت فتنتي كبيرة بالرهان على التخييل، أي الرهان على القارئ الذي لا يحتاج إلى خدع وحركات بهلوانية ووعود واهية وعبارات صادمة. أتذكر لقاءً تلفزيونياً مع المخرج الأردني “مصطفى العقاد”، رحمه الله، ربما عُرض في الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، وتحدّث فيه عن معايير نجاح أفلام الرعب، ولعله قال قريبا من هذه العبارة: “الرهان ليس على بشاعة المشاهد ودمويتها، بل في العمل منذ البداية على أن يشعر المشاهد بتعاطف مع بطل الفيلم، ثم لاحقاً سيكون أي تهديد للبطل، مهما كان بسيطاً، تهديداً شخصياً للمشاهد ذاته”. 4 في المحصّلة، لا يمكن تعلُّم وتعليم كتابة السرد، فالجميع يسرد بطبيعته ويقص القَصص، تعليم الكتابة الإبداعية يعني تأطير الكتابة الأدبية في جنس أدبي بأطر محددة؛ تُملي على الكاتب ما يجب عليه اتباعه، كما تُوجّه القارئ ناحية طريقة التلقي المناسبة. كنت قد قلتُ بأنني دخلت إلى عالم السرد من ثلاثة ابواب متفرّقة، لكن يبدو أنها كانت تشكّل مدخلاً وحيداً، ألا وهو التجريب. فمن المؤكد أنني كتبتُ بالمجمل بداعٍ وجوديٍّ، إذ رأيت الحياة مملة على نحو لا يُطاق، وقررت منح صوتٍ لمن يُسكتهم الآخرون. كل هذا في ضوء إيماني الراسخ بأن العمل يبقى عملًا بغض النظر عن النتيجة، ومهما كان مسمى المؤلف منسوباً إليَّ، فهو ليس مكافأة ولا منحة ولا امتيازاً، إنّه بقايا العمل المضني الذي يستمر، والذي لا سبيل إلى تركه، بل لا بد من المضيّ قدمًا والكتابة بتجرد تام، بصوت الكاتب وحده، وعدم الاهتمام بالكتابة لإرضاء الآخرين، مهما كان نظام الحياة يعصف بذلك الصوت الفريد. إنني على ثقة، ولعل هذا من سوء الحظ، أن المهارات التي تجعل الكاتب ناجحًا لا يمكن تعليمها ولا تعلمها أبداً. ما عليك سوى الكتابة بتبسيط قد لا يمكن الوصول إليه بسهولة. أيضاً، وصلتُ إلى قناعة أنك حين تكتب وأنت تفكر في التكريم أو الجوائز أو الامتيازات فإنك تتجه نحو الفشل. قرأتُ مرة، ربما ضمن “مراجعة ما” حول رواية دون كيخوت: إنها الأكثر شهرة وانتشارا لأن كاتبها لم يكن يفكر فيما سيلي كتابتها، لا في الشهرة ولا في الامتيازات ولا حتى في الخلود. ختاما، كتبتُ السرد بعد كتابة الشعر وممارسة الكتابة النقدية بسنوات طويلة، موقنا أن القواعد الأساسية لكتابة السرد خاصة، والكتابة بصفة عامة، يمكن اختصارها في عدم وجود قواعد، وأن أي عمل، وليس الكتابة وحدها، بحاجة إلى المثابرة والتجريب لا الإلهام، وأن القراءة حطب الإبداع، لا يمكن إيقاد نارٍ بلا حطب، كما لا يمكن إشعال الحطب بدون شرارة، تلك الشرارة التي أعتقد أنها الشغف حين يتعلق الأمر بالفنون. نعم، الشغف لا أكثر ولا أقل. *قُدّمتْ في أمسية “حوار حول التخييل والسرد” بنادي حباك الثقافي – مدينة تبوك. الثلاثاء 23 ديسمبر 2025م