حين تتحول الحكايات إلى مستقبل «وطن».
لم تكن تلك الحصة درسًا عابرًا في جدولٍ دراسي مزدحم، بل كانت نافذة وعي، ومساحة إلهام، وحديثًا صادقًا عن النجاح حين يولد من الحلم، ويترعرع في وطنٍ يؤمن بأبنائه وبناته. دخلتُ الفصل وأنا أعلم أن شيئًا مختلفًا سيحدث، لكنني لم أكن أدرك أنني سأخرج محمّلة بالفخر، موقنة بأنني كنت شاهدة على بدايات قصص لم تُكتب بعد. في تلك الحصة، استعرضنا قصص نجاحٍ لسيداتٍ سعوديات لم يصلن إلى القمة صدفة، بل سِرن إليها بثبات، مستندات إلى علمٍ وطموح، ومدعومات بوطنٍ صنع للنجاح بيئة، وللطموح مسارًا. توقفنا عند نماذج مشرّفة مثل لبنى العليان التي مثّلت حضورًا قياديًا اقتصاديًا سعوديًا مؤثرًا، ومشاعل الشميمري التي حلّقت بالعلم إلى آفاق هندسة الطيران والصواريخ، وغيرهنّ من السيدات السعوديات اللواتي أثبتن أن التميّز لا يحدّه مجال ولا يقف عند سقف. لم تكن هذه القصص بعيدة عن طالباتي في المرحلة الثانوية، بل كانت قريبة من أحلامهنّ، تشبه أسئلتهنّ الصامتة، وتلامس طموحاتٍ بدأت تتشكّل بهدوء. رأيت في أعينهنّ دهشة الاكتشاف، وكأن كل واحدة تقول في سرّها: يمكنني أن أكون أنا القصة القادمة. لم نكن نقرأ سيرًا ذاتية، بل كنّا نفتح نوافذ على الممكن. وكان الوطن حاضرًا في كل حكاية؛ حاضرًا في فرص التعليم، وفي برامج الابتعاث، وفي تمكين المرأة، وفي فتح مسارات القيادة والعمل، وفي ترسيخ الثقة بقدرات الفتاة السعودية. لقد جاءت رؤية السعودية 2030 لتؤكد أن تمكين المرأة ركيزة أساسية للتنمية، فحوّلت الطموح إلى واقع، والحلم إلى مشروع، والقدرة إلى إنجاز. وخلال الحصة، لمستُ أثر ذلك في وجوه طالباتي. لم يعد النجاح فكرة بعيدة، بل احتمالًا واقعيًا، وطريقًا يمكن أن يبدأ من هذا الفصل. كانت مشاركاتهنّ صادقة، ناضجة، تعبّر عن وعيٍ مبكر بدورهنّ القادم، وإدراكٍ بأن الوطن الذي صنع نماذج مضيئة، قادر — بإذن الله — أن يحتضن طموحاتهنّ ويصنع منهنّ امتدادًا مشرقًا لتلك المسيرة. في تلك اللحظة، لم أعد أروي لهنّ قصص النجاح، بل صرت أستمع إلى بذورها وهي تنمو. أيقنت أن يومًا ما، وفي فصلٍ آخر، سأروي قصص طالباتي أنفسهنّ، سأقول: مررن من هنا، جلسن على هذه المقاعد، وكنّ يحلمن فقط… ثم صدّقن الحلم، فصار حقيقة. كانت حصة استثنائية؛ لأنها لم تخرج عن المنهج فحسب، بل دخلت إلى العمق، وربطت الطموح بالهوية، والنجاح بالوطن، والمعرفة بالثقة. وأنا اليوم أكتب بفخرٍ لا يخفيه الحبر: طالباتي لسن مجرد أسماء في كشوف، بل قصص نجاحٍ قيد التكوين، وسيدات مستقبل يصنعنه بعلمهنّ، ويحتضنه وطن آمن بهنّ وآمنّ به. وفي ختام هذه الحكاية، أسأل الله لطالباتي توفيقًا لا ينقطع، ونورًا في الطريق، وقلبًا لا يملّ الحلم، ولا يرضى بأقل مما كُتب له من خير. أسأله أن يحقق لهنّ أحلامهنّ بأمره، وأن يجعل خطواتهنّ ثابتة، وقلوبهنّ مطمئنة، وأن يكتب أسماءهنّ في صفحات النجاح حيثما كنّ. وأنا على يقينٍ أن يومًا سيأتي، سأقف فيه لأروي قصصهنّ، لا بوصفهنّ طالباتٍ مررن من فصل، بل سيداتٍ صنعن أثرًا، وتركْن بصمة، وحققن ما آمنّ به يومًا. ورسالتي لكل طالبة في ميدان التعليم: إن كان في داخلك حلم، فتمسّكي به، واعملي له، وامنحيه وقتك وصبرك، فالأحلام لا تضيع حين تُحمَل بجدّ، ولا تخذل صاحبتها حين تُطارد بثقة. هذا الوطن آمن بك، سيري بقلب مؤمن متوكل على الله عزوجل يحسن الظن به ثم آمني بنفسك، وامضي.