حكايتان من المقعد الخلفي.
تكمُن صعوبةُ الحياة في قَصَص النَّاس؛ فإنَّك حين تسمعها تؤمن أنَّه كما للحياة وجهٌ جميل فإنَّ لها وجهًا مؤلـمًا كئيبًا، ويُسهم في ذلك عدَّة أسباب؛ منها غيابُ التَّخطيط السَّليم الواقعي المرتبط بحياة الانسان اليومية، وغيابُ الخُطط البديلة في حالة وجود تحدِّيات؛ وهذا مـمَّا قد يتسبَّب في مواقفَ قد تكون مؤلمةً أو مُحطِّمة تزيد من كآبة الانسان فتَسرِقُ ضحكتَه وجميعَ إيجابياته، وتُضخِّم السَّلبياتِ فتزيد مُعاناتَه، وحتَّى لا أُمِلَّ القارئَ الكريم سوف أَعرِض قصَّتَين لشابَّين مِن سائقي أحد التطبيقات حصلتا معي. القصَّة الأولى: استدعيتُ سائقًا من شركة توصيل ليُقِلَّني إلى المطار، وحين وصلت السَّيَّارة إلى بيتي نزلتُ أحمل حقائبي وتوقَّعت كالعادة أن يَنزلَ السَّائقُ ليُساعدَني، لكنَّه لم يفعل.. استغربتُ الموقفَ وحملتُ حقائبي ووضعتُها في حقيبة السَّيَّارة ثمَّ ركبتُ بجانبه، وفي أثناء الطَّريق بدأ بيْننا حديثٌ وُدِّي عن العمل وصُعوباته وأخذتُ أنصحه بأن يَستثمرَ شبابَه في العمل ليضمنَ مستقبلًا مريحًا. كنتُ أظنُّه شخصًا سليمًا، لكنَّني اكتشفتُ في أثناء الحديث أنَّه مِن أصحاب الهِمَم، وهنا فَهِمتُ لماذا لم يَنزل لمساعدتي عند وصوله إلى بيتي. زاد هذا الأمرُ فضولي فسألتُه عن قصَّته فذكر أنَّه من المنطقة الشَّرقية ثمَّ انتقل إلى الرِّياض لأنَّ الفُرَصَ فيها أفضلُ، ولأنَّه يحاول بناءَ نفْسه رغم قِلَّة المال؛ فقلتُ له: افتحْ مشروعًا صغيرًا؛ فأنت مِثالٌ للشَّابِّ السُّعودي المكافح، فردَّ بأنَّه لا يَـملِك رأسَ المال، فاقترحتُ عليه طلب قرضٍ مِن بنك التَّنمية، فأخبرني أنَّ البنك يشترط كَفيلًا، وهو لا يجد مَن يَكفُله؛ لأنَّ النَّاسَ تخشى الالْتزاماتِ الماليةَ للكفالة.. وصلتُ إلى المطار ودعوتُ له بالتَّوفيق. القصَّة الثَّانية: في يومٍ آخَرَ طلبتُ سيَّارةُ تُقِلُّني إلى مَوقعٍ مُعيَّن، وما إنْ وَصَلَتِ السَّيَّارةُ حتَّى لاحظتُ السَّائقَ السُّعودي يجلس خلف الـمِقْوَد بملامحَ هادئةٍ، وحين هممتُ بركوب السَّيَّارة استوقفني منظرٌ داخل المركبة؛ فعند قدميَّ تراكمتْ قواريرُ المياه الفارغة وبعضُ الصُّحون البلاستيكية المستخدَمة، وكانت رائحةُ الدُّخان الكثيف تملأ المكان... جلست وربطتُ الحِزامَ ثمَّ ألْقيتُ تحيَّةَ الاسلام، وقلتُ له بابتسامةٍ خفيفة تُخفِّف الموقفَ: “اللهُ يُعينك… يبدو أنَّك مُدخِّنٌ شَرِهٌ”. الْتفتَ إليّ بنبرةٍ مُحبِطة تَحمل شيئًا مِن الانكسار وقال: “واللهِ - يا أخي- وَدِدتُ أنْ أَترُكَه فما استطعتُ، “ثمَّ صمت قليلًا وكأنَّه يبحث عن بدايةٍ مناسبة لقصَّته، ثمَّ واصَل بصَوتٍ منخفض: “أنا مِن القصيم وجِئتُ إلى الرِّياض لأنَّ الفُرصَ هنا أكبرُ.. أُحاول أبْني نفْسي، وأحيانًا أنام في السَّيَّارة، وأحيانًا في شُقةٍ مخدومة، لكنَّها غالية”. لم يتوقَّفْ عند ذلك، بل أضاف في حُزنٍ واضح: “حتَّى عَلاقتي بعائلتي ليست على ما يرام”. نظرتُ إليه وقلتُ له: “طَيِّب.. لِـمَ لا تبحث عن وظيفة؟ أنت شابٌّ، وما زالت الحياةُ في بدايتها”.. هزَّ رأسه وقال: “الرَّواتبُ ضعيفةٌ لا تكْفي، وأنا عندي شيءٌ أُحِبُّه أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخَرَ.. سألتُه: “ما هو؟” فقال بثقة: “ميكانيكا السَّيَّارات عِشقي.. أَفُكُّ براغي سيارةٍ كاملة ثمَّ أُعيدُها مِثلَ ما كانت.. هذي هِوايتي مُنذ صِغَري”. سُعِدتُ بإجابته، وقلتُ: “عظيمٌ! لماذا لا تعمل في الصِّناعية تَتعلَّم أسرارَ الـمِهنة ثمَّ تَفتح ورْشتَك الخاصَّةَ؟ فقال: “الصِّناعيةُ صعبةٌ، وإذا كنتَ سُعوديًّا تصبح أصعبَ.. أغلبُ الذين يشتغلون هناك أجانبُ؛ أمَّا السُّعوديُّ فيشعُر بأنَّه مُحارَبٌ”. قلتُ له: “طيِّب، افتحْ ورشةً بنفْسك”.. ضَحِكَ ضِحكةً قصيرةً مليئةً بالـمَرارة وقال: “ما عندي رأسُ المال”. قلتُ: “ اطلُب قرضًا من بنك التَّنمية فقد يساعدونك”.. ردَّ بحسرة: “ يطلبون كفيلًا وما عندي أحدٌ، والنَّاسُ في هذا الزَّمان يخافون أنْ يَكفَلوا أحدًا؛ خصوصًا وأنَّ الكفيلَ يكون غارمًا”. وواصَلْنا الحديثً طويلًا عبْر شوارع الرِّياض المزدحمة. كان صَوتُه ينساب بين الحُزن والبحث عن مَخرَج وبين رغبةٍ صادقة في أن يعيشَ حياةً أفضلَ. وأخيرًا بلغتُ وِجْهتي فنظرتُ إليه وقلتُ: “ كتب اللهُ لك التَّوفيقَ… لا تَتوقَّفْ، واستمرَّ في البحث.. الحياةُ لا تخلُو مِن فُرَصٍ” فابتسم وشكرني. أغلقتُ البابَ خلْفي، وغادرتُ السَّيَّارةَ وأنا أدعو في داخلي أن يجدَ هذا الشَّابُّ طريقًا يليق بعزيمته. هاتَان القصَّتان نموذجٌ لقصصٍ كثيرة من الكفاح والبحث عن فُرَصِ عمل، أو مُحاوَلةِ فتح مشروعاتٍ خاصَّة، ولكن يقف في طريقهم حجرَ عَثرَةٍ شرطُ الكفيل في بنك التَّنمية؛ لذلك أقول: يجب أنْ يكُونَ هناك حلٌّ لمشكلة الكفيل؛ كأنَّ تكُونَ الدَّولةُ هي الكفيلَ لهؤلاء الشَّباب وتُتابعَهم وتستثمرَ معهم فتُشاركَهم الأرباحَ من خلال فريقِ عمل؛ وبهذا تَعمَل الدَّولةُ والشَّبابُ السُّعودي في إطارٍ من الجِدِّيَّة وتَضمن الاستثمارَ الإيجابي، والنَّتيجةُ الـمرجُوةُ شبابٌ يلتحق بسُوق العمل في مِهنةٍ قد تكون نادرةً مثل الـمِهَن الخاصَّة بالسَّيَّارات، ودعمُ التَّوجُّه لتقليل العمالة الأجنبية، والاستثمارُ في المال والبشَر. إنَّ البحثَ عن أفكارٍ وحلول لهؤلاء الشَّباب يساعد في تحقيق طُموح الدَّولة، ويوفِّر وظائفَ ذاتَ دخلٍ مناسب للمُواطن، كما يحقِّق مُستهدفاتِ رؤية 2030، ويواكب التَّطوُّرَ ويصنع الـمُعجِزاتِ، ويخلُق بيئةَ عملٍ سعوديةً جاذبةً تسعى لتوطين الـمِهَن بجميع أنواعها.