حـارس العنـب.

نتمرن كل مرة للإجادة، للمضي في تعبيرات مجازية متتالية، لسباق تتابع لأنانا الخاصة، ولأنفسنا المتشظية في أنانا الكلية بين العائلة والأصدقاء وروحنا الجماعية لنار صحراء تهب معنا في الصيف وتنجينا شتاء، للرملة وصقيع الفجر، تتحدانا الحياة، ونسابق معها الهبوب، نفلح مرة ونتراجع مرات، لكن للأمام دوما. حين نكتب عن “الآخرين” فينا فإننا نتحدث عن أنفسنا بالنيابة، ونسرد حكاية “عنا” فيهم، للوقود الذي يشتعل خفية، وينطق في منامنا وفلتات الشهقات الأخيرة، تارة للداخل وأخرى للأفق الحي الذي نسبح فيه بأعيننا، للمجازات المتاخرة وغرقنا الطفيف في الماء البارد. نستفيق وأعيننا تتفتح ببطء لننظر “فينا” “فيهم”، ونتدفق هبوطا نحو أحلام اللغة وقوة اليقظة في متعة الحواس التي تمنحنا المشاركة معهم. في نعمة الصدفة في العبور والمشاركة، ومزيج التماهي لأرواح نتعامل معها باللامرئي، في الخصال الخفية، والنوايا المستترة، وفضائل الضحك، وارتفاع الأصوات في الحديث. نؤمن بها زادا لمضي الأيام، وتسلسل مخاضات الهامش. هم منا، وربما كنا منهم، والأصل للذي يأخذنا صغارا بأيدينا لحلوى الأماني، وكسل المساءات الأخاذة. ربما هي حكاية لعادل لا أعرفه.. عن رجل مضى في حياته يتمرن في مرونة والده ودخان قطار بخاري لسكة الحديد، وبقايا تحسسها في رائحة الزي الرسمي نهاية كل اليوم. استجمع منها حركة الميكانيكا للذهن، وتحايل بحياته محركا الكهرباء إلى لغة، مترنحا بضربات الفلاحة البطيئة لشتلات العنب في “السر”. لم يكتب يوما، وجمع الحكايا كلها للأعداء ولأصحابه في مدار مواز يمشي فيه على عجلة واحدة، مصطدما بمستودعات النشر ورائحة الأوراق، وخلل مصممي الأغلفة الروحي، ثم أحرقها دفعة واحدة منشغلا بكوب الشاي متصلب الشريان. لم يكن جنديا رغم أني لا أعرفه، وعلق بسطارا على الأثلة لرمزية الاختفاء، وتوقف لانتظار العابرين بغاز الأكسجين المتسلل من هبوب الرمل المتطاير من رحلاته البرية مع رفاقه. نشأ ليعبر عنا في الخفاء، وأطلق مذياعا لصدى أيام لن يتذكرها أحد. حين يروي فهو يتحايل بنا للسقوط قبل النجاة، ولتحفيز الأسئلة التي لم ندركها بعد. زاده إشارات موريس ولعثمات أطفال العيد. من عرفه لم يكن ينساه، ومن نسي فاجأته الذكريات المتتالية دفعة واحدة. معه اقتفاء أثر القصائد، ومزيج الأغاني الليلية، كما لو كنا في مرثية للعالم البائد. يمشي بطيئا في ركضنا الحاث، ونجده في المقدمة غير منتظرا ولا لاهثا، ظل متماسكا في هشاشتنا، ووزع علينا قلال الماء لارتواء عطش لم نكن ندركه. كان هنا، ولا زلت أبحث عنه، ولا أعرفه. *كاتب وشاعر صدر له “ فيلم قصير لكاميرا ضائعة “