يوسف مكي الذي كان يغني الوطن.

 لم يكن يوسف مكي يدخل المشهد كما يدخل الآخرون. لا ظلٌّ طويل يسبق خطاه، ولا صوتٌ يهيئ الحضور. كان يأتي كما تأتي الأفكار الثقيلة: متأخرة قليلًا، لكن بلا مهرب. رجلٌ خرج من سيهات، لا بوصفها مدينةً على الخريطة، بل بوصفها تمرينًا مبكرًا على التعدد، على الإصغاء إلى البحر وهو يعلّم أبناءه أن الانحياز لا يكون للموجة الأقرب، بل للاتجاه.  هناك، في تلك الجهة التي يختلط فيها الملح بالسؤال، تفتّح وعيه على فكرة الوطن بوصفه معنى لا عصبية، وعلى العروبة بوصفها أفقًا ثقافيًا وأخلاقيًا لا شعارًا يُرفع ثم يُنسى. لم يكن يثق في الضيق: لا ضيق المكان حين يتحوّل إلى سلالة، ولا ضيق الهوية حين تُختزل في مذهب، ولا ضيق الانتماء حين يُصاغ بلغة الإقصاء. كان يرى أن الفكرة، متى ما ضاقت، خانت نفسها.  حين غادر إلى بغداد، لم يكن يهرب من مكان، بل كان يوسّع المسافة بينه وبين اليقين السهل. أكثر من ثلاثين عامًا عاشها هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين الأكاديمية والقلق، بين التحليل البارد وحرارة السؤال العربي. كان يعرف أن البعد لا يُلغي الانحياز، بل ينقّيه من الحماسة العمياء. لذلك ظلّ منحازًا، دون أن يلوّح بانحيازه؛ منحازًا إلى فلسطين بوصفها اختبارًا أخلاقيًا دائمًا، وإلى الوحدة بوصفها شرطًا تاريخيًا لا يتحقق بالصراخ، بل بتفكيك أسباب الفشل أولًا.  عاد في منتصف التسعينات، لا كعائدٍ من منفى، بل كمن يواصل كتابة جملة لم تنقطع. دخل الصحافة بهدوء، وكتب كما يفكّر: بلا استعجال، بلا مكايدة. كان مقاله أشبه بممرّ جانبي، لا يزدحم، لكن من يعبره يصل إلى قلب المسألة. لم يكن يخاصم أحدًا، لكنه لم يساوم على الفكرة. وكان يعرف أن الوطن لا يُدافع عنه بالقبيلة، ولا تُحمى العروبة بالمذهب، وأن الانتصار الحقيقي هو أن تُنقذ المعنى من التوظيف.  في بيته، أو في مقهى عابر، أو في ردهة ندوة، كان يستقبل محبيه وتلاميذه وأصدقاءه بلا حواجز. لا كرسي أعلى، ولا مسافة مصطنعة. يجلسون حوله، يجادلونه، يعترضون، أحيانًا يتهمونه. وكان يصغي. إصغاء من يعرف أن المعرفة التي لا تُجادَل تتحوّل إلى سلطة. في إحدى الأمسيات، احتدّ النقاش. كان أحد تلاميذه، شابًا متحمسًا، يلوّح بعبارات جاهزة، ثم قال له فجأة، بنبرة اتهام: «أنت براغماتي أكثر مما يجب… تكتب ببرود، لا تنحاز كما ينبغي». ساد صمت قصير. لم يغضب. لم يدافع عن نفسه. ابتسم ابتسامة خفيفة، كمن وجد في السؤال مرآة لا سكينًا. قال بهدوء: «البرود يا ولدي ليس نقيض الانحياز. أحيانًا هو شرطه. حين ترتفع حرارة الخطاب أكثر مما يحتمل العقل، تحترق الفكرة قبل أن تصل». ثم صمت. لم يُكمل. ترك الجملة معلّقة، كما كان يفعل دائمًا. كأنه أراد للتلميذ أن يكتشف وحده أن الانحياز الأعمى قد يكون خيانة أخرى، وأن الصراخ لا يصنع مشروعًا، بل يستهلكه. كان يعترف، بلا تردد، بأخطاء التجربة التي أحبّها. كتب عن تعثّرها، عن مراياها المحطّمة، عن لحظات غرورها وانغلاقها. لم يفعل ذلك من موقع الخصم، بل من موقع الشريك الذي يراجع حسابه في منتصف الطريق. كان نقده قاسيًا أحيانًا، لكنه نظيف. لا يجلد ليشمت، ولا يبرّئ ليحافظ على صورة. كان يمارس دوره كما فهمه: مثقفًا يعمل داخل النسيج، لا فوقه؛ ينحاز للناس لا للشعارات؛ ويعرف أن المشروع الذي لا يحتمل نقد أبنائه محكوم بالتحجّر.  لم يكن يحب الألقاب. ولا الأضواء. كان يفضّل أن يبقى في الهامش المرئي، حيث يمكن للفكرة أن تتحرك دون أن تُسجن في اسم. ومع ذلك، كان أثره واضحًا: في وعي من قرأ له، في أسئلة من جادلوه، في تلك المسافة التي فتحها بين الحماسة والتفكير.  وحين اشتدّ عليه المرض، لم يتحوّل إلى مأساة معلنة. ظلّ كما هو: هادئًا، محتشدًا من الداخل. كأن الجسد، وهو يضعف، كان يخفّف عن الفكرة عبئه الأخير. وحين رحل، لم يترك فراغًا صاخبًا، بل ترك ذلك النوع من الغياب الذي يضغط على الذاكرة، ويجعل السؤال أثقل.  اليوم، لا يُستعاد يوسف مكي بوصفه سيرة مكتملة، بل بوصفه اتجاهًا. رجلًا كان يرى الوطن من زاوية القلب، لا من خريطة العصبيات. وكان يعرف أن الأفكار الكبيرة لا تحتاج إلى من يصرخ باسمها، بل إلى من يصونها من الابتذال. ذلك كان دوره، على الأغلب. وذلك، ربما، ما يجعل غيابه أصعب من حضوره.