في كتَاب «ماذا لو كنت مخطئاً؟» للدكتور عبد الله الغذامي..

سؤالُ المنهجِ والذَّات.

أصعبُ الأسئلة تصنع العقول وتنتجُ المعارف، فكلما استغرق المرءُ في السؤال وتأمله من جميعِ وجوهه؛ اكتشف عمقَ إجابته وارتباطه بعلوم لم يكن يعتقدُ أن بينهما أيُّ علاقة، حيثُ تنقسم الأسئلة إلى علميَّة منهجية وحياتيَّة وجودية، وكلُّ واحد من النوعين أصعبُ وأعقدُ من الآخر، إذ أسئلةُ المنهج تنتج نظرياتٍ وتطبيقاتٍ وأسئلة الحياة تنتجُ اعتقادات وآراء، وحينما ينضوي النوعانِ في كتابٍ واحدٍ وتحت عنوان مشترك، فإنَّ ذلك إيذاناً بالارتحال بين النظرياتِ والاعتقادات، لتتشكَّل بعدها حالة من اللا يقينِ المقصود؛ ما يؤدي إما إلى تأكيدِ المنهج وتثبيتِ الاعتقاد، أو إلغاء المنهجِ ونفي الاعتقاد، وهو الإشكال الذي يطرحه كتابُ “ماذا لو كنت مخطئا؟” للدكتور عبد اللهِ الغذامي. ينقسمُ الكتاب إلى ثلاثة فصول؛ يتناول الأولُ مسائل المنهج والنظرية، فمنذُ ارتحاله من “النقد الأدبي” إلى “النقد الثقافي” قبلَ “ربع قرن”، استمر بعرض وشرح النظريةِ النقدية، مؤكداً على عدم الخلطِ بين النقد الثقافي و”الدراسات الثقافية”، إذ لكلِّ مسارٍ طريقته في المقاربةِ والتحليل، وهو ما احتاج بذل جهدٍ مضاعفٍ على امتدادِ سنوات؛ لإيضاح الفروقاتِ وتأكيدها. تناولَ الفصل الثالث رحلة النفسِ البشرية ما بين الإلحادِ والإيمان، وهي حالة سبَّبت تشظي الإنسان وعدمِ ثباته، حيث لا يكفُّ عن التفكيرِ في “الـ”مآلات” والخواتيم، واقعاً تحت طائلة “الشك” واليقين، وهي مشكلةُ العصر وأكبر مآسيه، نتجت عن الاشتباكِ بين منظومتي العقلِ والقيم. عقلُ الإنسان وقيمه، هل يتعارضان أم يتكاملان أم يتصالحان؟ سؤالٌ مضمر حضر على امتدادِ الصفحات، حيث المنهجيَّة تستدعيه باعتبار ما يُطرح في الفصلين الأولِ والثالث، ليأتي الفصلُ الثاني مشكِّلاً جسراً رابطاً بينهما؛ لهذا اقتصرَ حضوره على عرضٍ سريعٍ يمهد للانتقال من سؤالِ المنهج إلى سؤالِ الاعتقاد. السؤالُ المضمر استدعى تاريخاً ممتدًّا يعود إلى أكثر من رُبعِ قرن؛ أيْ منذ بداية الشعورِ “بانسداد المنهج” عام 1987م، الذي مثل بدايةِ التفكير في جدوى النقدِ الأدبي؛ ما أفضى إلى شكوكيَّة استمرت حتى عام 1996م، حينما ظهرت بوادرُ النقد الثقافي لتُتوَّج لاحقاً بإعلان “موت النقد الأدبي” في كتابِ “النقد الثقافي” الصادرِ عام 2000م. انتقالٌ منهجي وارتحالٌ نظري من مدرسة إلى أخرى وجدها أكثرَ ملاءمة للعقلِ والحياة، ترافقت مع سؤالِ الإلحاد والإيمان، الذي جاء ردَّ فعلٍ على تسلُّط رجال الدين واحتكارهم تفسيرَ الآيات والأحكام؛ ما وضعَ الأمور في نصابها أمامَ القارئ، حيث عثرَ على الصلة بين سؤالي المنهجِ والحياة. يسعى النقدُ الثقافي إلى اكتشاف العيوب النسقيَّة وتعرية المتلبِّسين بها، كاشفاً عن بِنية عقلية يتشاركُ فيها جميع البشر، فلا فرقَ بين مثقف وغيرِ مثقف أو متخصص وغيرِ متخصص، إذ الجميع واقعٌ تحت سلطة “المؤلف المزدوج”، المتمثِّلة بالثقافة ونمطِ التفكير، وهما الأمرانِ اللذان يحتاجان إلى علاجٍ وإصلاحٍ في كيفية التلقي والمقاربة. اكتشافُ العيوب النسقيَّة والاشتغال عليها لرُبعِ قرن، دفع للنظرِ ناحية البشرية بشموليةٍ أكثر في محاولةٍ لمعرفة طرقها وأساليبها في إخفاءِ العيوب وتزيينها، وهو ما قادَ إلى مقولات الفلاسفةِ وتوجيهاتهم، التي تشتملُ على خبرة إنسانية ممتدَّة منذ “سقراط” و”أفلاطون” حتى “هيجل” و”روسو” و”راسل”؛ كَاشِفة عن أبرز ما يجولُ في المجتمعات وما تهتمُّ به الشعوب. مشكلاتُ العقل والحياة جزءٌ من مباحث الفلسفة الهادفةِ إلى كشف عِلل الروح والوصولِ بها إلى اليقين، وإلا ستظلُّ معلقة في فراغٍ لا يمكن ملؤُه إلا بواسطةِ “الدين”، باعتباره الملجأَ والجواب على أصعبِ الأسئلة وأعمقها، فحينما ينسدُّ “الأفق” وتختفي قدرة المرءِ على الحسم يحضرُ الدين وينقذه من الارتهانِ للشك وعدمِ اليقين. يتوافقُ النقد الثقافي والفلسفةُ في موضوعهما وهو الإنسانُ والمجتمعُ والظواهرُ الكبرى في الحياة والوجود، لهذا ينتقلُ الكتاب بينها بسلاسةٍ تاركاً للمتلقي حريَّة التقاطِ الإشارة من سؤال العنوان، فهل الخطأُ في المنهج والنظرية النقديةِ أم في الإلحاد وعدم إيمانِ البشرية؟! انتهى الكتابُ دون تقديم إجابةٍ حاسمة؛ ما يعني الإحالةَ إلى القارئ الذي بات مطالباً بالبحثِ والاكتشاف والوصولِ إلى الحقيقة.