« الإستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط » للدكتور عقيل الربيعي ..

من صراعات الداخل إلى قلب امدادات الطاقة العالمية .

برز الشرق الأوسط بوصفه فضاءً إستراتيجيًا رئيسًا متيحًا للصين الفرصة لتحقيق ما تصبو إليه من أهدافها المرتبطة بأمن الطاقة، نظرًا لما تختزنه من مقومات جيوسياسية واقتصادية تؤهلها لتكون جزءًا فاعلاً في مسار توسع النفوذ الصيني عالميًا. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية كتاب «الإستراتيجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط .. فرص العراق في توظيف مبادرة الحزام والطريق» للدكتور عقيل حمدان عباس الربيعي، الذي يتناول بالتحليل دراسة الإستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط في إطار مبادرة الحزام والطريق التي أطلقت في عام 2013م في الصين لتعزيز الترابط الاقتصادي بين آسيا وأوروبا. ويمكن القول أن العراق تملك من المقومات ما يمكنها من توظيف مبادرة الحزام والطريق لصالحها، فضلاً عن مواردها الاقتصادية، ونظرًا عن موقعها الجغرافي فهي حلقة الوصل الطبيعية بين شرق آسيا والبحر المتوسط. وقد أشار الكاتب إلى عدة فصول مهمة للغاية وعناوينها هي: اتجاهات الإستراتيجية الصينية وتحولاتها الفكرية، الشرق الأوسط في الإدراك الإستراتيجي الصيني، المتضمنات الإستراتيجية لمبادرة الحزام والطريق الصينية، المتغيرات المؤثرة في مبادرة الحزام والطريق ومواقف الدول الشرق أوسطية وآفاق المستقبل. وفي الفصل الأول من الكتاب وعنوانه «اتجاهات الإستراتيجية الصينية وتحولاتها الفكرية» يستعرض المؤلف مرحلة البناء بين 1985 و1997 طبّقت الصين سياسة الانفتاح الفعلي عبر إدخال التكنولوجيا الغربية وتشجيع الاستثمارات، حيث استفادت من وفرة اليد العاملة والادخار والصينيين الذين في الخارج. وعقب تفكك الاتحاد السوفييتي تبنت استراتيجية أيديولوجية أكثر تشدداً لحماية مسار الإصلاح. ثم في عام 2003 دخلت مرحلة الصعود السلمي عبر الانخراط في المنظمات الإقليمية والدولية، واعتمدت ثلاث مراحل استراتيجية: إقليمية، ثم أوسع، ثم عالمية غير مهيمنة. حيث تُعدّ الصين من الحضارات العريقة ذات خصوصية ثقافية وفكر سلمي انعكس إيجابًا على استراتيجياتها التاريخية مما جعلها في العقود الأخيرة تبرز كقوة مؤثرة اقتصاديًا وعسكريًا وبشريًا، معتمدة على مسارين: تطوير قدراتها البحرية من خلال توسيع روابطها الإقليمية مع آسيا الوسطى وباكستان ودول الشرق الأوسط، والسيطرة على بحر الصين الجنوبي، بهدف تقديم نفسها كقوة كبرى منافسة للولايات المتحدة. حيث سياسياً تهدف الصين لحماية سيادتها ولخلق بيئة دولية داعمة، وترفض الهيمنة الأميركية. واقتصادياً فقد وضعت أهدافاً طويلة المدى تشمل حل مشكلة الغذاء، وتحسين مستوى المعيشة، ثم بلوغ مصاف الدول المتقدمة منتصف القرن الحالي. بينما عسكرياً ركز الكتاب الأبيض لعام 2004 على بناء جيش أصغر وأكثر كفاءة، مع تقليل القوات، وتطوير القدرات الجوية والبحرية والإلكترونية، وتحسين نظم القيادة من أجل إعداد صف ضباط قادر على خوض الحروب المعلوماتية. أما نظرياً فالثقافة السياسية ترتكز على الواقعية، والنظرة المستقبلية، وحكم الأفضل، فمع تعزيز القوة الناعمة الثقافية. أصبحت الصين تعتمد في استراتيجيتها على أدوات سياسية لبناء شراكات دولية، واقتصادية تستخدم التكتلات الإقليمية والمنظمات الدولية والتجارة والاستثمار والمساعدات ودور الشركات في تنفيذ سياساتها. وفي الفصل الثاني، الذي حمل عنوانه «الشرق الأوسط في الإدراك الاستراتيجي الصيني » يشير المؤلف إلى أنه في الأدبيات الاستراتيجية المتداولة تاريخيًا تظهر الأهمية الجيوستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط لتكون جزءًا من مدركات الدول العظمى والكبرى ولاسيما الصين فللبعد التاريخي مكانة مهمة في توصيف بهذه الأهمية وتحديد لمفاصلها، حيث جعل من المكانة الاستراتيجية، التي تحتلها تلك المنطقة ثابتة المعايير، بل ومولدة للجديد منها. وحيث أن منطقة الشرق الأوسط تمثل قلب الإمدادات العالمية للطاقة، واحتوائها على ثلثي احتياطيات النفط والغاز عالي الجودة، مركّزة في دول رئيسية مثل السعودية والعراق، وإيران، والإمارات، والكويت. فبسبب هذه الثروات أصبحت المنطقة محور تنافس دولي واستراتيجي، بعد الحرب العالمية الثانية، انما اعتمدت الصين على الموارد الطاقوية في الشرق الأوسط، من خلال تطوير تقنيات استخراج النفط والغاز، لتتمكن من استخدام الغاز الطبيعي كبديل مستدام للفحم والبترول لتقليل الانبعاثات الضارة لدعم نموها الاقتصادي وتوسيع مكانتها الدولية، وإنشاء شركات كبرى، واستغلال الحقول الرئيسية في حوض تارين وسيشوان ومنغوليا الداخلية. وفي واقع الأمر تواجه الصين تحديات متعددة، أبرزها الطلب المتزايد على الطاقة، ونقص الموارد المحلية، حيث أدى الاعتماد البنية الطاقوية على الفحم الملوث، إلى تقليص التقنيات، وحدوث تقلبات في الأسواق العالمية، وحصول الأزمات الإقليمية. لكن وللتعامل مع هذه التحديات، ارتكزت استراتيجية أمن الطاقة على عدة عناصر: الصعود السلمي، وفرة الموارد الطاقوية، موثوقية الإمدادات، استقرار الأسعار، تنويع مصادر الطاقة، وتحسين كفاءة الاستخدام من خلال الوقود عالي الجودة والطاقة المتجددة والنووية. حيث اظهر الاعتماد المتبادل بوضوح في العلاقة مع الشرق الأوسط، فالصين تعتبر أكبر شريك تجاري للطاقة في المنطقة، مما أتاح لها تعزيز مخزونها الاستراتيجي وتنويع مصادر استيراد النفط والغاز، بما يضمن استمرار نموها الاقتصادي واستقرار أمنها الطاقوي. ومما لا شك فيه أن أمن الطاقة يمثل قضية استراتيجية محورية للصين، حيث يضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ويدعم الأمن القومي. ويُعرف بأنه ضمان الوصول إلى مصادر الطاقة اللازمة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي المستدام، مع مراعاة الانعكاسات البيئية. ومن الجدير بالملاحظة فإن مفهوم أمن الطاقة في الصين قد تطور من الاكتفاء الذاتي في عهد ماو تسي تونغ إلى استراتيجيات شاملة تشمل: تأمين الإمدادات الخارجية وتنويعها، وتحسين الكفاءة الداخلية للطاقة، وبناء مخزونات استراتيجية لمواجهة الصدمات. وفي الفصل الثالث « المتضمنات الاستراتيجية لمبادرة الحزام والطريق الصينية « يؤكد المؤلف أن هناك عناصر أساسية لقوة الصين ونفوذها العالمي. وهي المرتكزات الجغرافية والاقتصادية والعسكرية والسياسية فالموقع الاستراتيجي البرّي والبحري يمنحها نفوذاً إقليمياً يتيح الوصول إلى المناطق الغنية بالموارد، خاصة في الشرق الأوسط. أما المرتكز الاقتصادي، فيعكس قوة الصين من خلال وفرة الموارد الطبيعية والزراعية والحيوانية، ووفرة اليد العاملة منخفضة التكلفة، واستيعاب التدفقات المالية والاستثمارية، وزيادة الاستهلاك والادخار الداخلي، إلى جانب التحولات الاقتصادية الثلاث: التصنيع، التحضر، والانتقال إلى اقتصاد السوق. ومن البديهي أنه على الصعيد العسكري، أن الصين قد استغلت إمكاناتها الاقتصادية لتحديث قدراتها العسكرية وتطويرها لجيش قوي، بما يشمل الأسلحة التقليدية والنووية، لتحقيق طموحها كقوة عالمية صاعدة. أما المرتكز السياسي، فإن الصين سعت إلى تعزيز دورها على الساحة الدولية، والحفاظ على مكانتها ونفوذها، وضمان مصالحها الإقليمية والعالمية ضمن القوانين والأعراف الدولية. أما الفصل الرابع والأخير الذي حمل عنوان « المتغيرات المؤثرة في مبادرة الحزام والطريق ومواقف الدول الشرق أوسطية وآفاق المستقبل «، فقد نوَه المؤلف إلى أن مبادرة الحزام والطريق الصينية من اهم المشاريع التنموية في القرن الحادي والعشرين، والتي قد تؤثر في ترتيب القوة الدولية وتحدد فاعليتها وتأثيرها، وعليه فإن الدولة التي تبحث عن دور لها في النظام العالمي تركز على اهم المناطق التي تتمتع بمواقع جيواستراتيجية، والتي تتمتع بمغريات الجذب الاستراتيجي للقوى الدولية. ولطالما تمتعت الشرق الأوسط بهذه المغريات لذا فإن الصين لابد ان تأخذ باعتباراتها مكانة دول الشرق الأوسط في مبادرتها وتأثير هذه الدول في نجاح او فشل المشروع الصيني. وعلاوة على ذلك فقد اكتسبت دول الشرق الأوسط أهمية متزايدة في مبادرة الحزام والطريق الصينية، لارتباط مصالح الصين بها اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا وبطبيعة الحال موقعها الجيواستراتيجي، وغنى مواردها. وبناءً على ذلك تحرص الصين على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتعاون التنموي، مستفيدة من الموقع الجغرافي والتاريخي والديني المشترك، ووجود ملايين المسلمين في الصين. وفي مقابل ذلك عملت الصين على تأمين طرق الطاقة البحرية، والحفاظ على نفوذها الاستراتيجي، وتسهيل الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية، ودعم التعاون العسكري واللوجستي في المنطقة، حيث تبنت سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. وإنطلاقًا مما سلف فإن منطقة الشرق الأوسط تشكل محوراً لتأمين الطاقة، إذ تستحوذ على 60% من احتياطي النفط العالمي، والصين أكبر مستورد له. حيث توفر المبادرة فرصاً لتطوير البنى التحتية وخلق فرص عمل، وكما تدعم أيضًا تنويع اقتصاد دول الخليج. وظهر التعاون المتبادل بوضوح مع السعودية، حيث تهدف الصين لضمان أمن الطاقة كما تطمح السعودية لضمان الطلب المستمر على صادراتها، منها إلى التعاون العسكري لتعزيز التوازن الإقليمي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية. الخلاصة كانت الصين منذ بدء تأسيس الحزب الشيوعي حتى قيام جمهورية الصين الشعبية تعاني من صراعات داخليًا وخارجيًا حتى قامت بعدة مراحل أدى ذلك إلى استقرارها حتى بدأت تتطور سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. لقد لجأت الصين إلى القيام بعلاقات استراتيجية واقتصادية وصناعية مع دول الشرق الأوسط بسبب احتوائها على ثلثي احتياطي النفط في العالم ومكانتها ثابتة المعايير وبسبب أنها تمثل قلب الامدادات العالمية للطاقة. ولا يمكننا أن ننسى أن للصين مرتكزات جغرافية واقتصادية وعسكرية وسياسية بسبب موقعها الاستراتيجي البري والبحري الذي منحها نفوذًا اقليميًا أتاح لها الوصول مناطق غنية بالموارد خاصةً في الشرق الأوسط مما جعل منها ذا قوةٍ ونفوذٍ عالميين. واستخلاصًا لما سبق فإن مبادرة الحزام والطريق الصينية فتحت للصين ابوابًا اقتصادية كبيرة فقد اكتسبت دول الشرق الأوسط أهمية متزايدة في مبادرة الحزام والطريق الصينية، لارتباط مصالح الصين بها اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا وبطبيعة الحال موقعها الجيواستراتيجي، وغنى مواردها. فالهدف هو ضمان أمن الطاقة لخلق فرص عمل ولتطوير البنى التحتية.