في كتاب « عودة السينما السعودية » لخالد الخضري ..
الرؤية الأكاديمية والنظرة النقدية والتحليل الثقافي .
في كتابه «رؤية المملكة وعودة السينما السعودية»، لا يتناول خالد الخضري السينما بوصفها ترفيهًا فحسب، بل كتحول اجتماعي وثقافي وفني يتقاطع مع مشروع رؤية المملكة 2030. والكتاب يرصد المراحل التي مرت بها السينما في السعودية، منذ بداياتها الأولى، مرورًا بفترة الانقطاع الطويل، ثم العودة القوية التي رافقت مشاريع التحديث الثقافي والاقتصادي. يبدأ الخضري كتابه بسرد تاريخي موثّق لنشأة السينما في المملكة، ويستعرض أولى التجارب الفردية والعروض التي كانت تُقام في الأندية والمدارس، ثم يتناول النظرة الاجتماعية والدينية التي واجهتها في مراحل معينة، قبل أن يسلّط الضوء على التحولات الفكرية التي مهّدت لعودتها الرسمية. وفي فصول لاحقة، يقدّم الكاتب تحليلاً دقيقًا لمشروعات الإنتاج المحلي، ويتناول الأفلام السعودية الحديثة التي بدأت تفرض حضورها في المهرجانات العالمية، ويُفرد مساحة واسعة لقراءة هوية السينما السعودية: ما الذي يجعلها مختلفة؟ وكيف يمكن أن تعبّر عن المجتمع بخصوصيته الثقافية والدينية دون أن تفقد انفتاحها الفني؟. كما يربط الخضري هذا الحراك بجهود هيئة الأفلام وهيئة المسرح والفنون الأدائية، ويؤكد أن هذه المؤسسات جاءت لتضع إطارًا مؤسسيًا لحلمٍ كان يتشكل في أذهان المبدعين منذ عقود. وفي رؤيته، لا يمكن فهم عودة السينما بمعزل عن التحول الاجتماعي الكبير الذي تشهده المملكة، حيث باتت الثقافة والفنون جزءًا أصيلًا من الحياة العامة، لا هامشًا عليها. السينما كقوة ناعمة من الأفكار اللافتة في الكتاب، تركيز الخضري على مفهوم “القوة الناعمة” التي تمثلها السينما السعودية، فهو يرى أن الفيلم المحلي ليس فقط وسيلة للتسلية، بل أداة دبلوماسية ثقافية تُسهم في تقديم صورة واقعية وحديثة عن المجتمع السعودي أمام العالم. ويؤكد أن الرؤية السعودية الجديدة أعادت تعريف الثقافة كقيمة وطنية يمكن أن تكون جسرًا للتواصل الإنساني والحوار الحضاري. وفي أحد فصول الكتاب، يتناول الخضري نماذج من الأفلام التي حققت صدى واسعًا مثل (وجدة وسكة طويلة والهامور الحرامي)، محللًا مضمونها الاجتماعي ومقارنتها بالأفلام العربية الأخرى، ومبينًا كيف نجحت السينما السعودية في تقديم قصص محلية بروح عالمية. سيرة كاتبٍ موسوعي يُعد خالد الخضري من الأسماء التي جمعت بين البحث الأكاديمي والممارسة الميدانية في الإعلام، فقد أصدر خلال مسيرته سلسلة من الكتب ضمن مشروعه البحثي الكبير «الدراسات والبحوث الإعلامية»، الذي أصبح مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالمجال الصحفي والإعلامي في المملكة. من بين هذه السلسلة يبرز كتابه «الصحافة فن ومهنة»، الذي تناول فيه أصول العمل الصحفي، وأخلاقيات المهنة، وتحوّل الصحافة الورقية في عصر الإعلام الرقمي. كما أصدر كتابه «فن الخبر الصحفي» الذي عُدّ أحد أهم المراجع الأكاديمية لتدريس فنون التحرير الإخباري، حيث جمع فيه بين النظرية والتطبيق، وبين الخبرة الصحفية والرؤية التعليمية. أما كتابه «دراسات مؤثرة في الصحافة السعودية»، فقد وثّق فيه تجارب صحفية وشخصيات إعلامية كان لها دور في تشكيل الوعي المهني داخل الوسط الصحفي المحلي، مقدّمًا قراءة نقدية لتطور الصحافة في المملكة خلال العقود الأخيرة. تنوّعت مؤلفات الخضري بين البحث والتحليل والمقالة الفكرية، فكان قلمه يتحرك بين قضايا الثقافة والإعلام والمجتمع، دائمًا بروحٍ وطنية واضحة، وبأسلوبٍ يجمع بين الدقة الأكاديمية واللغة الأدبية الجذابة. الكتابة كحياة يقول خالد الخضري في أحد حواراته القديمة إن الكتابة بالنسبة له “ليست مهنة بقدر ما هي طريقة للعيش”، وهذا ما يمكن أن يُستشعر في أعماله كلها. فكل كتابٍ له هو امتداد لتجربة إنسانية وفكرية، وكل فصلٍ فيه يحمل تأملًا في الإنسان والحياة. في كتاباته، لا يكتفي بتسجيل الأحداث أو توثيق الوقائع، بل يحاول أن يفهم المعاني خلفها، وأن يستكشف ما تقوله الصورة أو الجملة أو اللقطة عن ذوق المجتمع وتحولاته. وهذا ما يجعل اهتمامه بالسينما طبيعيًا، بل حتميًا، فهي تمثل “الحكاية الكبرى” للإنسان الحديث، والحاضنة التي تتلاقى فيها الفنون كلها: الأدب، الموسيقى، الصورة، والتمثيل. وربما لهذا السبب جاءت لغته في كتاب «رؤية المملكة وعودة السينما السعودية» لغة أدبية شفافة رغم طابعه البحثي، أقرب إلى سردٍ ثقافي يلتقي فيه التاريخ بالشغف. جسور بين الماضي والمستقبل لا يمكن الحديث عن خالد الخضري دون الإشارة إلى تجربته في صفحات جسور الأدبية التي أشرف عليها في التسعينيات. تلك الصفحات لم تكن مجرد مساحة للنشر الأدبي، بل كانت مختبرًا ثقافيًا جمع بين شعراء وقصاصين ونقاد شباب أصبح كثير منهم اليوم أسماء لامعة في المشهد الأدبي السعودي. من خلال تلك التجربة، كرّس الخضري فكرته عن أن الثقافة ليست ترفًا، بل مشروع وطني يجب أن يُبنى بالوعي والاحتواء والتشجيع. واليوم، وهو يكتب عن السينما السعودية، يواصل العمل على ذات الجسر، لكن هذه المرة بين الثقافة والإبداع البصري، بين الكلمة والصورة، بين الماضي الورقي والمستقبل الرقمي. إنه يرى في السينما استمرارًا لتلك الجسور التي طالما حاول أن يبنيها، بين الفكر والمجتمع، بين الحلم والواقع. حين تتحول الرؤية إلى ضوء في نهاية المطاف، يمكن القول إن كتاب «رؤية المملكة وعودة السينما السعودية» ليس مجرد دراسة توثيقية، بل هو شهادة فكرية على مرحلة جديدة من الوعي الثقافي في المملكة. وهو أيضًا خلاصة تجربة كاتبٍ عاش التحولات الإعلامية والثقافية الكبرى في وطنه، وكتب عنها بصدقٍ وعمقٍ ومسؤولية. لقد استطاع خالد الخضري أن يقدّم عبر هذا العمل رؤية شاملة تجمع بين الماضي والحاضر، بين التاريخ الفني والرؤية الوطنية، مؤكّدًا أن السينما ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة اكتشاف الذات السعودية في عيون العالم. هكذا تستمر حكاية خالد الخضري: من الصحافة إلى السينما، من الكلمة إلى الصورة، من “فن ومهنة” إلى “رؤية ومستقبل”.