العنوان يوحي بأنه كتاب في أدب الرحلات، لكنه كتاب يرصد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نقلت الكويت من عصر إلى عصر، مؤلفه جون دانيالز، بريطاني عمل في عدة بلدان عربية، منذ عام ١٩٤٦ حتى عام ١٩٧١، فمنذ ترك الخدمة العسكرية في مشاة البحرية عمل في الخارجية البريطانية كدبلوماسي في إيران ومصر، ثم عمل لمدة خمسة عشر عاما في القطاع النفطى الكويتي، انتقل بعدها إلى عُمان ومن ثم شغل منصب مساعد مدير الشؤون المالية لحكومة أبو ظبي حتى عام ١٩٧١. وقد ابتعثته شركة نفط الكويت لدراسة اللغة العربية في مركز الشرق الأوسط لدراسات اللغة العربية في بلدة شملان اللبنانية، وهو معهد يعمل تحت إشراف وزارة الخارجية البريطانية، وهناك شهد الاضطرابات اللبنانية التي حدثت عام ١٩٥٨م. وحديثه ينم عن إعجابه بتجربة العصرنة في الكويت ، و إن بقى ينظر إلى الأمور بمنظور البريطاني، وعقليته الاستعمارية، وقد لخص المؤلف ما رواه في الكتاب الذي اختتم المرحلة التي تناولها بالرصد عند عام ١٩٧١م (حين تعود بي الذاكرة إلى الأعوام الخمس والعشرين التي أمضيتها في الشرق الأوسط، تعتريني الدهشة من التقدم الهائل في منطقة الخليج ، وبشكل خاص في الكويت، عندما وصلت الكويت لأول مرة كانت مجرد ميناء صغير، يعتمد على صيد الأسماك، والغوص على اللؤلؤ، والتجارة البسيطة، وكيف تحولت إلي دولة غنية متقدمة ذاعت شهرتها في الآفاق). ترجم الكتاب عطية كريم الظفيري، وهو كويتي متخصص في الاقتصاد والبنوك والتدريب، ونُشر الكتاب بالعربية عام ٢٠١٤. في القرن السادس عشر وصلت طلائع الاختراق الأوروبي للمنطقة، فبنى البرتغاليون مجموعة من الحصون الصغيرة في الخليج منها حصن القرين أمام شاطئ الكويت ، في القرن الثامن عشر هاجرت مجموعة من القبائل النجدية إلى موقع الكويت ، اتفقوا على تقاسم المسؤوليات، واختاروا عائلة الصباح لحكم البلاد منذ عام ١٧٥٦ م ، اشتغل سكان الكويت بالتجارة والغوص على اللؤلؤ الطبيعي، زادت أهمية الكويت عام ١٧٧٦م حين احتل الفرس البصرة، فحولت شركة الهند الشرقية طريق تجارتها ليصبح حلب - الكويت ثم بحرا الى الهند. وحيث إن بعض سكان الخليج كانوا يعملون في البحر ويمارسون تجارة لم تكن قانونية عند البريطانيين مثل تهريب السلاح وتجارة الرقيق وتهريب الذهب إلى الهند، فقد أدى هذا إلى تدخلات بريطانية بفرض بعض القوانين التي تتحكم في تجارة الخليج ، فرض الشيخ مبارك الصباح سلطته على أخوته، واستقل واثنان من أبنائه بالحكم، وحيث إن منافسي الشيخ مبارك كانوا على علاقة وثيقة بالترك، فقد طلب الشيخ مبارك حماية بريطانيا، وحدث أن الأتراك قد أعطوا امتياز إقامة خط سكة حديد برلين - بغداد، فخطط الألمان لإيصال السكة الحديدية إلى الكويت، فأدى ذلك إلى انزعاج الإنجليز الذين كانت سياستهم تقتضي منع أي قوة أجنبية من السيطرة على ساحل الخليج ، وعليه فقد تم توقيع معاهدة الحماية عام ١٨٩٩م ، تتعهد فيها بريطانيا بحماية الكويت عسكريا، مقابل ألا يتخلى الشيخ عن أراضي إمارته لقوى أخرى، وأن يمتنع عن إقامة أي علاقة مع أي قوة أخرى دون موافقة بريطانيا. ثم أًنشئت الوكالة السياسية البريطانية في الكويت، وفي عام ١٩١٤م أعلنت بريطانيا أن الكويت إمارة مستقلة تحت الحماية الإنجليزية . المؤلف يمتدح الشيخ مبارك كثيرا لأنه انتزع استقلال الكويت من تركيا ، كما يمتدح الشيخ عبدالله السالم باعتباره باني الكويت الحديثة. تمكن الكويتيون من مهارة صناعة السفن ، وقد أُعجب البريطانيون بهذه المهارة التي كان الكويتيون ينفذونها ببراعة دون مخطط هندسي قبل التنفيذ، كان للكويتيين أكثر من مائة سفينة تنقل البضائع من وإلى الهند خلال الحرب العالمية الثانية إضافة إلى سفن الصيد. يصف المؤلف قسوة مهنة الغوص التي كان يعمل بها أهل الكويت وعبيدهم، ولكنها كانت مصدر رزقهم الذي تأثر سلبا عندما أخذت اليابان في إنتاج اللؤلؤ الصناعي. كذلك كانت بعض السفن تنقل براميل مياه الشرب من شط العرب إلى الكويت، في مرحلة لاحقة فكر الكويتيون في نقل الماء من شط العرب لكنهم عدلوا عن ذلك إلى تحليل مياه البحر وأصبحت الكويت من أكبر الدول في تحلية الماء المالح. تلكأت بريطانيا في التنقيب عن النفط في الكويت، وذلك لاطمئنانها لما تنتجه شركاتها من بترول العراق وإيران والبحرين، ولكنها وتحت ضغط المنافسة مع طموحات أمريكا في المنطقة عادت إلى التنقيب عن النفط مشاركة مع الشركات الأمريكية وتبين أن الكويت تحوي كمية هائلة من مخزون النفط، وهكذا أسست مدينة الأحمدي الصناعية ، وانتقل السكان للعمل في قطاع النفط، وبدأ استثمار المداخيل في تنمية الوطن، وقد تطورت سيطرة الكويت على نفطها بإنشاء الشركة الوطنية الكويتية للبترول عام ١٩٦٠ ، التي احتكرت بيع مشتقات النفط وأقامت محطة لتكرير النفط ، وكذلك اصبح للكويت عدد من ناقلات النفط العملاقة ، بدأ تصدير النفط في عهد الشيخ أحمد الجابر الذي تلاه الشيخ عبدالله السالم الذي تجلت فيه الحكمة، وقبل تعيين ولي العهد كان الصف الثاني يضم كلاً من الشيخ عبدالله المبارك، الذي كان قائدا للقوات المسلحة والشيخ جابر الأحمد الذي أصبح أميرا للكويت فيما بعد والشيخ فهد السالم، برزت توجهات قومية بعد العدوان الثلاثى على مصر، إذ قامت تحركات جماهيرية تندد بالإنجليز بل وكُتبت ملاحظة على بعض المتاجر “ يمنع دخول البريطانيين والفرنسيين “ كذلك قامت مظاهرات مؤيدة للوحدة بين مصر وسوريا ، وتجاوز بعض الخطباء في كلماتهم ، الأمر الذي قابله الشيخ عبدالله المبارك - مسئول الأمن حينها - بصرامة شديدة. وقد قام العمال الكويتيون برفض شحن وإفراغ وإصلاح السفن الأمريكية مثلهم مثل كل عمال العالم العربي، وذلك عند حدوث أزمة السفينة كليوباترا، وهي سفينة مصرية كانت تحمل بضائع الي أمريكا عام ١٩٦٠م، وبضغط من اللوبي الصهيوني رفض العمال إفراغها، وبفضل ردة فعل العمال العرب تحرك الرئيس الأمريكي أيزنهاور وغيره لإنهاء المشكلة التي أضرت بمصالح أمريكا. وكانت الكويت من أكثر البلدان التزاما بمقاطعة إسرائيل تجاريا، وكان أول مسؤولي مكتب المقاطعة في الكويت هو السيد سليمان العسكري الذي أصبح فيما بعد رئيسا لتحرير مجلة العربي. تم إيكال الأمور المالية والاقتصادية إلى الشيخ جابر الأحمد، الذي أصبح وفريقه هم من يخطط الميزانية ويراقب الإنفاق، لم يتعاون الشيخ عبدالله المبارك فيما يخصه مع هذه الإجراءات الإقتصادية مما أدى ذلك إلى استبعاده، كما تم اختيار أعضاء المجلس التأسيسي الذي ضم عشرين من قيادات البلاد منهم عشرة من غير أبناء العائلة الحاكمة، وقد قام المجلس بالعمل على إقرار الدستور وترتيب المؤسسات السياسية ، كمجلس الأمة وعلاقته بالوزراء ، وتم إصدار نظام القضاء، فلم تعد هناك محاكم منفصلة لكل إدارة، وأُلغيت محكمة وكالة السياسة البريطانية في الكويت، تلك التي تقضي في المسائل المتعلقة بالأجانب، والتي اعتبرها البعض ماسة بكرامة الكويتيين، كما وأصبح هناك نظام للمحاماة، وتأسس مجلس الوزراء، كذلك ترك مجلس الأمة للأمير اختيار ولي عهده فاختار ابن عمه الشيخ صباح السالم الذي كان مسؤولا عن الشرطة، وذلك بعد وفاة شقيقه القوي فهد السالم، وتم التوسع في بناء المدارس والمستشفيات، وأتيحت فرص الابتعاث لمصر والدول الأوروبية وأمريكا وكانت مقصورة على الذكور، ثم شملت الإناث، اللواتي أظهرن تفوقا على الرجال، وشملت برامج التعليم الكويتية كل الإمارات عدا أبو ظبي التي كانت قادرة على إنشاء مؤسساتها التعليمية التي تحتاجها. شملت الخدمات الصحية كافة السكان، وأنشئت معاهد للصم والبكم والعميان والأمراض النفسية، في فترة قصيرة وأصبحت منافسة على مستوى الشرق الأوسط، وقد عُين جنرال بريطاني رئيسا لبرنامج “تخطيط التنمية في الكويت” وقد عُهد إلى خمس شركات بريطانية بإنشاء المشاريع الرئيسة في البلاد ، كذلك سبقت الكويت في تأسيس المسرح والسماح بتأسيس دور السينما عام ١٩٥٣، و كان الشيخ عبدالله قد أرجأ الموافقة على السينما قبل ذلك حرصا على الوضع الاجتماعي للبلد. في يونيو ١٩٦١ م أعلن استقلال الكويت ، وبعد ستة أيام من الإعلان طالب عبد الكريم قاسم الزعيم العراقي بضم الكويت، وهدد باحتلاله ، أظهرت هذه التهديدات التفاف الكويتيين حول حكامهم ، رغم ما كان يبدو من ميول سياسية ناقدة ، وسارت تحركات جماهيرية تندد بقاسم شارك فيها السكان غير الكويتيين، طلبت الكويت دعما عسكريا من الدول الصديقة فكانت القوات السعودية أول من وصل إلى الكويت تلتها قوات انجليزية، اتهم الإعلام المصري عبد الكريم قاسم بأنه يريد عودة القوات البريطانية إلى الخليج، ثم جاءت قوات مصرية حلت محل القوات الإنجليزية، حرصت الكويت على عدم مهاجمة الشعب العراقي، وشقُ طريق رئيس يحمل اسم بغداد، كما أنشئ الصندوق الكويتي للتنمية العربية ليعمل على غرار البنك الدولي للتنمية ، وتعاظم دور الكويت العربي خلال فترة التهديدات، ثم تم الانقلاب علي قاسم وانتهت المشكلة . يتتبع الكاتب التغيرات في الحالة الاجتماعية للكويتيين، وتغيرات نمط الحياة، ومظاهر الزواج، وعادات رمضان، وتغير وضع المرأة، وتنبأ بانتهاء عصر الحجاب! وتعجب من سهولة الطلاق وكيف أن المطلقة تقبل زوجا من فئة أدنى من المجتمع إلا أن الأعجب أن تتزوج المرأه مرة ثانية من طليقها بعد طلاقها من غيره، ويتحدث كيف ارتفعت قيمة المرأة التي كانت عند زوجها أدنى قيمة من خيله، كما يقدم إحصاءات طريفة عن استيراد السيارات والساعات، على أنها دلائل على تغير أنماط الاستهلاك. ضم الكتاب احصائيات عن النمو السكاني ونسبة موظفي الدولة إلى عدد السكان، وطبيعة الأمراض المتوطنة التي تم التغلب عليها بالطب الحديث. ويحدث عن الصحافة الكويتية وحريتها الواسعة التي لم تمنع من إغلاق بعض الصحف. لم تخل التطورات المتسارعة من بعض الأخطاء فمع اعطاء المواطنين منحا لبناء البيوت ظهرت مبان عشوائية مما اضطرّ الحكومة لاعادة البناء ، ثاني مستشفى في البلاد تم بناؤه دون شبكة صرف صحي وهذا احتاج إصلاحه جهودا كبيرة ولكن الكاتب يؤكد أن فترة حكم الشيخ عبدالله السالم التي دامت ١٦ عاما شهدت نهضة لم يماثلها أي نهضة في الشرق الأوسط بل في العالم أجمع .