تحمل محافظة البرك أهمية تاريخية وأثرية اكتسبتها من موقعها المميز على طريق الحج قديمًا ومحاذاتها للحبشة، وقد ورد ذكرها في التاريخ الإسلامي سواء في الهجرة إلى الحبشة أو في غزوة بدر الكبرى، إذ كانت تسمى سابقًا «برك الغماد» بحسب ما ورد في الحديث النبوي، بالإضافة إلى تميزها الثقافي حيث تتمازج فيها الحضارات وتكثر فيها النقوش الأثرية المتنوعة. تقع محافظة البرك على طريق الساحل الغربي جنوب غرب المملكة العربية السعودية ضمن إقليم تهامة على ساحل البحر الأحمر، وعلى مسافة تقدر بنحو 130 كم جنوب محافظة القنفذة، وجزء منها على ساحل البحر الأحمر، والآخر على جبال السروات، وتقع ضمنها “حرة البرك” التي سميت قديمًا “حرة كنانة” ثم “حرة بني هلال”، أما المراكز التابعة لمحافظة البرك فهي: مركز عمق، مركز ذهبان، مركز المرصد، مركز الفيض الساحلي. وقد ذكرها الهمداني في كتابه “صفة جزيرة العرب” نسبة إلى مهنة صنع أغمدة السيوف أو الخناجر، وسميت البرك بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة البرك بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ومن ثم سميت إحدى أوديتها بوادي البرك، وسكنها بعد ذلك قبيلة القارة، وهم من ذرية الهون بن خزيمة بن مدركة. وقد ورد ذكر برك الغماد في الحديث عن غزوة بدر الكبرى، حيث استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وهم بالمسجد النبوي حينما بلغه إقبال أبي سفيان بالقافلة، فقال المقداد بن عمرو رضي الله عنه: “يا رسول الله اِمْضِ لِما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مُقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سِرْتَ بنا إلى بَرْك الغُماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال له رسول الله خيرًا ودعا له به”. السور الأثري يقاوم الزمن يلفت نظر الزائر إلى محافظة البرك سورها الأثري الذي يعدّ معلمًا تاريخيًا مهمًا لا زال يقاوم الزمن حتى الآن، والتوسع العمراني الذي أثر في بعض أجزائه، بالرغم من وجود اللوحات التحذيرية بعدم المساس بالموقع. يقع السور وسط محافظة البرك، ويحيط به عدد من القلاع شيدت في أوائل عام 629هـ، وأعيد ترميمه في عام 704هـ، ثم توالت الترميمات له والإضافات لعدة عقود متتالية. وقد ألّف الباحث المختص في تاريخ “البرك” عبدالرحمن بن عبدالرحيم آل عبده، كتابًا أسماه “من تاريخ برك الغماد بين الماضي والحاضر”، ووصف موقع السور بالاستراتيجي، حيث قال: “القادم من الجهة الشمالية لمدينة البرك سيشاهد بوضوح الجانب الشمالي من السور الشهير، الذي يمتد من الغرب إلى الشرق، ويقع ما بين مبنى المحافظة حاليًا ومبنى حرس الحدود، على أرض مرتفعة عن سطح البحر بحوالي 20 مترًا، ويشاهد كذلك الحاميات من البحر إلى الركن الشرقي الشمالي المطل على زاوية انحدار مصب وادي البرك”. وأضاف: “في هذا الجزء توجد البوابة الرئيسية الشمالية، وعلى جانبها بقايا غرف يعتقد أنها كانت للحراسات والتفتيش والمراقبة، أو للتحصيل ودفع الرسوم الجمركية للقادمين عن طريق البر، وتوجد عند حافة السور من الجهة الشمالية مباشرة بحيرة تسمى (الشراعة)، لعلها استغلت قديمًا كشرك من الأشراك الطبيعية لعرقلة من يحاول اقتحام السور ومناطق الحراسات، وهي متصلة بالبحر، مشيرًا إلى وجود فتحات المراقبة والرماية في بعض السور، والتي يظهر منها حوالي (92) فتحة، إضافة إلى 5 غرف حاميات للحراسة دائرية الشكل، بالإضافة إلى حامية في الجهة الجنوبية تسمى “المحصنة”، وهى غرفة دائرية الشكل بها أربع نوافذ كانت تستخدم للمراقبة. ويروي “آل عبده” الحديث عن كبار السن عن وجود ممرات قديمة كانت تعبر من تحت السور الأثري، لتربط بين شاطئ البحر الأحمر وبئر “المجدور” التي كان الصيادون يجلبون مياه الشرب عبر تلك الأنفاق الأرضية لتزويد مراكبهم للإبحار بها”. مسجد أبو بكر الصديق يعد هذا المسجد من أشهر معالم البرك، حيث يوجد داخل سور المحافظة وقد بناه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عند وصوله لبرك الغماد أثناء عزمه الهجرة إلى الحبشة، وقام بتمويل بنائه في فترة خلافته، وتبلغ مساحته 90 مترًا مربعًا، ويبعد عن الطريق الدولي حوالي 300 متر. وورد في التاريخ الإسلامي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه “خرج مهاجرًا إلى الحبشة قبل هجرته إلى المدينة، فلما بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة (زعيم قبيلة القارة) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع، فاعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصلِّ فيها وليقرأ ما شاء”. ويوجد بالقرب من المسجد بئر “المجدور” التاريخية التي يبلغ عمقها 9 أمتار، بعرض لا يتجاوز المترين تقريبًا، وتعد المصدر الرئيس للمياه الصالحة للشرب في البرك، على الرغم من قربها من البحر الأحمر، والمصدر المهم لري الحدائق والأشجار في الطرقات الرئيسية. ومن معالم البرك البارزة أيضًا الحصن الأثري الذي يقع عند مصب وادي ذهبان على بعد 15 كيلومترًا، وهو مشيد بطراز يشبه أسلوب بناء سور البرك، وموقعه يشرف على بساتين النخيل والمرفأ والطريق البري لمرور الحجاج والتجارة، وقد دفن الجزء الغربي منه بسبب الرمال الزاحفة. وتتسم محافظة البرك بأحجارها البركانية والأودية المغطاة بالكثير من أشجار العرعر، مثل: وادي راكة ووادي عمق، اللذين ينحدران منهما أودية وشعاب منها وادي ضراء والمرصد والحريقة إلى جانب وادي النخل ووادي قيلة ووادي دبسا على منتصف المسافة بين البرك وعمق. نقوش أثرية وتمازج حضاري ساهم موقع محافظة البرك على طريق الجنوب التهامي وعلى شاطئ البحر الأحمر وكونها كانت معبرًا لقوافل الحج والتجارة ومرفأً للجزء الشرقي من القارة الأفريقية وشمال وجنوب الجزيرة العربية، في أن تكون منطقة تراكمات حضارية على مر السنين، وكان لتلك الحضارات آثار لازالت شاخصة مثل: النقوش المسندية التي في جبل العش (جبل أم عش كما ينطقه سكان المحافظة)، وسور البرك الأثري الذي بني عام 629هـ والحصن الأثري، وما يعرف بـ (ابرا مسعدى)، وهي عبارة عن أكوام حجرية تشير إلى أنقاض غرف دائرية، ويعتقد أنها مدينة منطمرة. وكان فريق بحثي من المملكة العربية السعودية وبريطانيا قد أجرى عمليات تنقيب أثرية عام 2017 في بعض مواقع محافظة البِرك والمراكز التابعة لها، وكشف الفريق عن ما تتمتع به المحافظة من إرث تاريخي عريق، وعثروا على الكثير من القطع الأثرية النادرة. وفي ذلك السياق، أوضح رئيس الفريق السعودي البريطاني للتنقيب عن آثار ما قبل التاريخ في سواحل عسير الدكتور ضيف الله العتيبي في حديث سابق لوكالة الأنباء السعودية (واس) أن الفريق قام بمسح جزيرة فرسان والسواحل الجنوبية الغربية للمملكة، وكان نطاق العمل هذا العام في موقع “دبسا” بمحافظة البرك في منطقة عسير الذي يعود لفترة ما قبل التاريخ. وأفاد الدكتور العتيبي أن فريق التنقيب استكمل عمله في موقع “دبسا” الأثري بجمع المعثورات الأثرية ميدانيًا، ثم فحصها ودراستها وتصنيفها وتدوين الملاحظات حولها في متحف عسير، مضيفًا أنه “تم تدوين العديد من الملاحظات المثيرة للاهتمام حول الظواهر الأثرية والطبيعة الجيولوجية لموقع “دبسا”. ويبرز في البِرك عدة معالم ونقوش تاريخية تؤكد عراقة المكان وأهميته التاريخية والاقتصادية لوسط شبه الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، ومن أهمها “جبل العش” أو كما يطلق عليه باللهجة المحلية “جبل أم عش” الذي يحتوي على نقوش تاريخية مكتوبة بخط “المسند” القديم. ويقع هذا الجبل على ساحل البحر الأحمر، في الضفة الجنوبية لمصب وادي الداهن، ويبعد عن جنوب المحافظة حوالي 10 كيلومترات تقريبًاـ بحسب دراسة أستاذ التاريخ والآثار بجامعة الملك سعود الدكتور سعيد بن فايز السعيدـ المنشورة بعنوان (نقوش عربية جنوبية قديمة من البرك)، والتي أشار خلالها إلى اكتشاف أكثر من 14 نقشًا على قطع حجرية في سفح وقمة الجبل الجنوبية، إضافة إلى نقوش في الجهة الشمالية من الجبل. وأضاف أن الدراسة كشفت مجموعة من المحاجر التي ربما استغلت أحجارها في أغراض التعدين، فيما بني في الجزء الجنوبي الغربي من الجبل “مسجد” من الحجارة، يصل ارتفاع أسواره إلى المتر تقريبًا، وتقوم حوله بعض الدوائر الحجرية التي بنيت على سفح الجبل، ولعلها كانت تستخدم لحجر المواشى آنذاك. ويصف الدكتور السعيد في دراسته تلك النقوش بالقول: “تفنن الكاتب في أغلب هذه النصوص، فالخط المستخدم احتوى فضلًا على جماله وتناسق حروفه على ملامح زخرفية في بعض أشكال حروفه، ولعل جمال الخط المستخدم ودرجة الإتقان في رسم حروفه يقودنا إلى القول بأن كُتاب هذه النصوص لم يدونوها على عجل من أمرهم كما هو الشأن في بعض الكتابات التي نواجهها أحيانًا على الصخور وسفوح الجبال، بل الحال في نصوص هذه المجموعة مغايرة إلى حد ما”. ورجح السعيد بأن معاني تلك النقوش تعود لمسميات أشخاص ذوي مكانة مجتمعية رفيعة أو يحملون علاوة على أسمائهم ألقابًا وصفاتً تميزهم في مجتمعهم”، مضيفًا “أن بعض من جاء ذكرهم في هذه النقوش نعتوا بأنهم شخصيات ذووا مناصب دينية أو إدارية، فالمنصب الديني يرد في بعض النقوش مثل (رش و)، أما الشخصيات الإدارية فورد بالنقش (أرزن) الذي يعني “نائب” أو “وكيل”. وفي تحليله لبعض النقوش أورد السعيد كلمة (ح ر ت) والتي فسرت بمعنى (معسكر)، معلقًا عليها بالقول “في ذلك ما يشير إلى أن من ذُكِروا في هذا النص قد عسكروا وأقاموا في هذا المكان” مبينًا أن هؤلاء الأشخاص قد أتوا لأغراض تجارية.