المستقبل يُدار اليوم.
في كثير من الدول يُستدعى المستقبل بوصفه وعدًا، وفي السعودية يُدار بوصفه ملفًا مفتوحًا على الطاولة. الفارق بين من ينتظر الغد، ومن يصنعه، ليس في الطموح وحده، بل في القدرة على الإدارة. فالأحلام قد تتشابه، لكن الدول تُقاس بما تملكه من أدوات تحويل الحلم إلى واقع ملموس، ومن آليات تجعل الزمن حليفًا لا خصمًا. هنا تحديدًا تتشكل التجربة السعودية الحديثة: تجربة لا تتعامل مع المستقبل كخطاب، بل كمسؤولية يومية. «رؤية المملكة 2030» لم تُطرح بوصفها أمنية مؤجلة، بل كنظام عمل شامل، أعاد تعريف مفهوم التخطيط في الدولة. لم يعد التخطيط حبرًا على ورق، ولا شعارات تُرفع عند الحاجة، بل أصبح هندسة دقيقة للممكن، وقراءة واعية للمتغيرات، واستثمارًا محسوبًا في الإنسان، والاقتصاد، والمكان. حين ننظر إلى المنجزات الوطنية اليوم، نكتشف أنها لم تولد من فراغ، ولم تكن نتاج ردود أفعال أو ضغوط ظرفية. ما نراه من مشاريع كبرى، وبنى تحتية نوعية، وتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، هو نتيجة إدارة واعية للزمن. إدارة تفهم أن المستقبل لا ينتظر من يتردد، ولا يكافئ من يكتفي بالمشاهدة. في السعودية، أُعيد تعريف دور الدولة. لم تعد دولة حارسة للحدود فقط، بل دولة صانعة للفرص. دولة تدرك أن الأمن الحقيقي لا يقتصر على حماية الجغرافيا، بل يشمل حماية الاقتصاد، وبناء الإنسان، وتحقيق الاستدامة. لذلك جاءت الإصلاحات متزامنة، متكاملة، لا تعالج ملفًا وتؤجل آخر، ولا تفتح مسارًا على حساب مسار. اللافت في التجربة السعودية أنها لا تبحث عن التصفيق، ولا تتوقف عند الضجيج. كثير من المنجزات تحققت قبل أن تُشرح، وكثير من التحولات وقعت بهدوء، ثم تكشّفت آثارها لاحقًا. هذا النمط من العمل لا ينشأ إلا في دول واثقة من مسارها، تعرف ما تريد، وتدرك أن الزمن عنصر حاسم في معركة التنمية. المستقبل، في جوهره، ليس حدثًا مفاجئًا. هو تراكم قرارات صغيرة، تُتخذ في وقتها، وتُراجع باستمرار، وتُصحح عند الحاجة. هذه هي الإدارة الحقيقية: أن تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار، والحكمة لمراجعته، والمرونة لتطويره. وهذا ما ميّز الإدارة السعودية في السنوات الأخيرة، حيث لم يُنظر إلى الخطط كمسلمات جامدة، بل كنصوص قابلة للتحديث وفق المعطيات. ولعل أهم ما يميز هذه المرحلة هو الاستثمار في الإنسان. فكل مشروع، مهما بلغ حجمه، يبقى ناقصًا إن لم يكن الإنسان في قلبه. التعليم، والتأهيل، وتمكين الشباب، وفتح مسارات جديدة للمرأة، ليست ملفات جانبية، بل هي صميم إدارة المستقبل. لأن الدول التي لا تُعدّ إنسانها للغد، ستجد نفسها خارج التاريخ مهما امتلكت من موارد. كما أن إدارة المستقبل تعني القدرة على قراءة العالم كما هو، لا كما نحب أن يكون. التحولات الاقتصادية، والتكنولوجية، والجيوسياسية، كلها حاضرة في الحساب السعودي. من تنويع مصادر الدخل، إلى الاستثمار في التقنية والطاقة المتجددة، إلى إعادة تعريف موقع المملكة في الاقتصاد العالمي، تبدو الصورة واضحة: السعودية لا تكتفي بالتكيف مع العالم، بل تسعى إلى أن تكون جزءًا من تشكيله. في هذا السياق، يصبح الاستقرار نفسه منجزًا. ففي عالم مضطرب، تحيط به الأزمات، ويثقل كاهله عدم اليقين، يصبح الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي فعل إدارة متقدمة، لا حالة طبيعية. الاستقرار هنا ليس سكونًا، بل حركة محسوبة، تحمي الداخل، وتفتح آفاق الخارج. «المستقبل يُدار اليوم» ليست عبارة إنشائية، بل توصيف دقيق لنهج دولة. نهج يفهم أن التأجيل مكلف، وأن الفرص لا تنتظر، وأن الزمن إن لم يُستثمر، استُنزف. وفي السعودية، يبدو واضحًا أن الرهان ليس على الصدفة، بل على العمل المنظم، وعلى رؤية تعرف أين تقف، وإلى أين تتجه. هكذا تُدار الدول العظمى: تعمل اليوم، لتصل قبل غيرها إلى الغد.