حسين علي حسين (رحمه الله) ودوره الريادي في إثراء التجربة السردية (القصة القصيرة والرواية).

منذ أن تعرفت إلى النتاج القصصي عند حسين علي حسين عبر مجموعاته القصصية «الرحيل»، «ترنيمة الرجل المطارد»، و«طابور المياه الحديدية» وإن لم تتح لي فرصة الاطلاع على مجموعاته الأخرى وما كتبه في فن الرواية إلّا مؤخراً ، وفيها كتب مدينته المدينة المنوّرة) فصلاً فصلاً كما ذكر الدكتور محمد الدبيسي الناقد البصير في منشور له على منصة (إكس) في روايته (وجوه الحوش) وروايته الأخرى (هوشة المزمار) وقد بدا واضحاً اهتمامه بالتقاط المشهد عبر حاسته الفنيّة ـ وإعادة تشكيله بما ينسجم مع موقفه الفكري و الوجداني، فهو يقول في إحدى حواراته : “القصة تبدأ عندي بما يشبه لوحة البرق، وهي تتشكل لحظةً بلحظة، وتتمدّد أحداثها ومراميها كلما أعدت كتابتها، فأنا لا أفكر حقيقة قبل الكتابة في المضمون الذي يتعين عليّ بثّه من خلال قصة جديدة” فهو يستلهم ويستنطق ويهجِس و يرتئي و يمتَح من وعيه ويصوغ بملكته ويستنير برؤيته . وهو - وفق ترتيبه للأجيال في حوار له منشور في جريدة الشرق الأوسط – يمثّل الثالث منها “الجيل الأول- من وجهه نظري- يمثّله أحمد السباعي، وبعده يأتي جيل عبد الله الجفري وإبراهيم الناصر، وجيلنا أعتبره الجيل الثالث، وفيه الكثير من الأسماء اللافتة، ولكن أغلبهم – للأسف - توقفوا. ومن هؤلاء سليمان سندي وعبد الله السالمي “ ، فهو على وعي عميق بما أحرزته القصة القصيرة من ظواهر جمالية وفنيّة جديدة منذ بداية نشأتها ؛ فقد أدرك بأن هذا الفن بوصفه ( فنً الأزمة) لابد أن ينعكس هذا الانطباع على لغة السرد فيه من خلال الاقتصاد في الإنشاء ، والحرص على أن يكون لكل مفردة وظيفتها، ولكلِّ جملة دلالتها وإيحاءاتها ؛ فهو أقرب إلى التكثيف والتركيز في صياغاته اللغوية وتقنياته الفنية . وهو ميّالٌ حدّ الشغف بالتأمل العميق الذي انعكس بالضرورة على نزعته الرمزيّة ذات الظلال الدلالية الوارفة ؛ و إذ ينغمس في معطيات هذا الفن المبني على التوتّر و التأزّم ينتقي شخوصه من تلك الفئة المأزومة في موقعها الاجتماعي وبنيتها النفسية ، فالقلق و التوتّر و التأزّم ؛ فهذا الثلاثي يرافق شخوص قصصه على نحو أو آخر ؛ غير أنه لايميل إلى السياق الحدثيِّ المألوف في مسيره الخطّي عبر الزمن وارتهانه السببي (أي التماس الأسباب في تطوّر الحدث ) ؛ بل ينزع إلى التمركز النفسي في لحظة الأزمة وتأمل انعكاساتها ؛ لذا جاءت جُمَلُه محمّلة بآفاق تأويليّة نتيجة انزياحاتها المجازيّة تارةً والرمزيّة تارةًً أخرى، فكان في معطم قصصه أقرب إلى الولوج في فضاء الشعر . أما رؤاه التي تضيئها لحظات التنوير في ختام قصصه فهي أقرب إلى استكشاف آفاق الاغتراب النفسي في سياقه الذاتي و المجتمعي ، وبروز نزعته الانتقاديّة لما يشوب العلاقات الاجتماعية من شوائب ، من شأنها أن تهزّ المنظومة القيميّة في المجتمع . وهو كما يصف نفسه “ إنسان مولع بالتجريب، وأنا دائما مع الحداثة بأشكالها كافة ودون أي تَحَفُّظ، لأنه من دون ذلك سوف نتعفّن على كراسينا وسُرُرنا وسوف نبقى أسرى للقرية والخيمة. البدائل مطلوبة مثلما الحفاظ على التراث والقيم مطلوبان” ولهذا طغت ظواهر بارزة في قصصه كالتعويل على الظواهر الناجمة عن الأزمات النفسية والاجتماعية ، وربما الفكرية أيضاً ، كالصمت العميق سلاحاً في المواجهة و الفرار من الصدام ،والفقد الذي يعزّز القلق في سياقه النفسي وأزماته وتوتراته و في مفهومه الفلسفي الوجودي ؛ من هنا كان استنطاقه للتفاصيل والهوامش. ويعدّ رائداً بالمفهوم التاريخي ضمن جيل التحوّل الحداثي لأنه عزف عن البنية الحكائية التقليدية المتبعة في البنية السردية ، فهو ميالٌ إلى التفكيك بمعنى حرصه على مغادرة الحكاية والبحث عنما يفضي بها إلى الرؤيا عبر تشتيتٍ مدروس لعناصرها ، والتفنّن في تشكيلها بحيث لا يقع تحت طائلة العبث أو الغموض القاتم الذي يستعصي على التأويل (تعتمد قصص حسين علي حسين على جملٍ قصيرة، محمّلة بالدلالة، تُقصي الزوائد السرديّة، وتراهن على الفراغ النصي بوصفه عنصرًا دلاليًا. فالمسكوت عنه في نصوصه لا يقل أهمية عمّا يُقال صراحة) كما عبّر عن ذلك بعض الباحثين في سرديّاته يركز الكاتب في بنائه للقصة على اللحظة الشعورية أو الموقف الإنساني العابر عابر، يُستثمر للكشف عن توتر داخلي أو مأزق وجودي. تتكرّر في قصصه ثيمة الاغتراب، حيث يبدو الإنسان منفصلًا عن محيطه، عاجزًا عن التواصل الحقيقي، محاصرًا بالصمت أو الروتين اليومي الهامشي ، يمنح الكاتب أهمية للشخصيات التي تعيش على رصيف الحياة ، وغنيٌّ بالمواقف العابرة، فيحوّلها إلى بؤرٍ دلالية تكشف عن اختلالات أعمق في البنية الاجتماعية والنفسية. قال عنه الدكتور منصور الحازمي “يبدو أن أبطال حسين علي حسين مغرمون بالتسكّع لا تراهم إلا على الأرصفة وفي الحواري القديمة والأحياء الشعبيّة الصميمة”، وأجده في كوكبة الجيل الذهبي للقصة القصيرة الذي قال عنهم شاكر النابلسي “استطاعت من خلال جهدها الفني القصصي الكبير أن تؤسّس للقصة العربية الحديثة في السعودية” وقد أتقن استخدام النطق والحركة والإيماءات التي تعبر بها الشخصيات بلغة الجسد ؛ فجعل من المتلقّي فاعلاً في تشكيل الرؤيا التي يفضي بها النص وتكون أنت كقارئ من ضمن الشخصيات في النص. وهو يقول : أنا أعتبر أن القصة القصيرة هي خياري الأول والأخير، وهي فنٌّ صعب ومحبّب لنفسي وله قُرّاؤه، وبالمقابل لا أؤمن بأن هناك فنّاً يطغى على حساب فن آخر، فالمسألة مرحليّة، والناس يقرأون اليوم القصة وغدا يقرأون الرواية، وبعد غد يعودون للقصة وهكذا، وبالتالي فإن حبي للقصة القصيرة لا يمنعني من كتابة الرواية، إذ إن هناك الكثير من الكتاب الذين يكتبون المسرحية والقصة والقصيدة والرواية والدراسة الأدبية، فالإبداع هو الإبداع، والنص الجيد سيفرض نفسه بطبيعة الحال سواء أكان قصة قصيرة أو رواية، والمهم أن الكاتب يكتب ما يوحى إليه من أفكار نحو تأصيل الفن. وقد أصدر مجموعتين قصصيتين بعد توقف لفترة طويلة من الزمن: و لكنه لم يغفل عن الكتابة قط كما يقول؛ وإن توقّف عن النشر إلى حين ،فبالنسبة للمجموعة القصصية «مزّيكا» فهي تضم خمسين قصة قصيرة جداً، وأربع قصص قصيرة عادية؛ أما مجموعة «المقهى» فهي قصص قصيرة بالمفهوم الفني، وكلأ من هذه القصص كتبت على مدار عشرة أعوام، وقد حاول في هذه القصص تقديم شيء مختلف؛ إذ يقول : “ فأنا - بطبيعة الحال - أقرأ وأتابع، وأكتب وأراجع وأعدّل في ما أكتب حتى يحين موعد النشر، وهي قصص أطول نسبيا من قصص «مزيكا». ذلك أن المبدع مهمته أن يسلط الضوء على الجراح وليس مهمته المعالجة، بأن يشخّص ويعرض فقط، وليس مهمته بأن تكون لديه ما يعرف بلحظة التنوير أو لحظة تلاقي القلوب.. التي هي من صميم مهمة المصلحين والوعاظ. و شخصياته - غالبًا – بلا أسماء ، ما يجعلها نماذج إنسانيّة عامة، قابلة للتأويل، وتتحرك في فضاء نفسي مطلق الدلالة . وهي شخصيات قلقة، مأزومة، لا تبحث عن الحل بقدر ما تكشف عن الأزمة ذاتها. وتجربة حسين علي حسين تأتي في مسار التحديث الذي شهدته القصة القصيرة السعودية، من هنا كان الصمت ذا دلالة عميقة كثيفة تنمُُّ عن حالة نفسيّة؛ إذ يقول السارد في إحدى قصصه “كان الصمتُ أكبر من الغرفة، وأثقل من الكلمات التي لم تُقَل”وفي نصٍّ آخر يأتي قول الراوي «خرج كعادته، يحمل يومه على كتفيه، ويعود به مثقلاً دون أن يعرف لماذا» إن الكاتب لا يضحّي بالبعد الواقعي مستبدلا به البعد الرمزي ، ولا يعمل على تفتيت العلاقات وتشتيت العناصر من أجل رؤيا مسبقة قابعة في ذهنه كما سبق أن أشرت في كتابي الأول عن القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية، وإنما تتّخذ القصة لديه مستويين :واقعي يتنامى و يتفاعل حتى يبلغ لحظة الكشف، وتتكاثف المناخات الرمزية لتفضي إلى انطباعات دلالية كما في مجموعته (طابور المياه الحديدة) وتظل الانتقالات المكانيّة و الزمانيّة التي وظفها الكاتب باقتدار في مجموعتيه (الرحيل) و(وترنيمة الرجل المطارد) وقد نحا في صياغته للقصة منحى النهايات المُشرَعة لآفاق التخيّل وتصور اللحظة التنويريّة : “ترك الباب مواربًا ومضى “ فقد أنهى القصة بفعل مشرع على احتمالات لا حصرلها ، ما يجعل الآفاق مفتوحة على فضاء التأويل ، ويجعل القاريء حرّاً في تخيّل النهاية وهذه من ظواهر الحداثة في القصة القصيرة الحديثة فضلاً عن شاعرية اللغة واحتفائها بالمجاز . وتؤكد هذه الظواهر الجمالية وغيرها مما لايتسع المجال لذكره على دور حسين على حسين (رحمه الله) الريادي في تطور القصة القصيرة السعودية المعاصرة وتحديث جمالياتها.