السينما السعودية 2025..

حينما انتقل مركز الثقل من هوليوود إلى الشاشة المحلية.

لم يعد عام 2025 مجرد محطة زمنية عابرة في تاريخ السينما السعودية، بل تحوّل إلى علامة فارقة أعادت تشكيل العلاقة بين الجمهور المحلي وشاشة العرض، ورسّخت انتقالاً فعلياً في الذائقة، وفي منطق السوق، وفي موازين النفوذ الثقافي. ففي هذا العام، لم تكتفِ السينما السعودية بالخروج من دائرة “التجربة” أو “الاستثناء”، بل دخلت بثقة مرحلة القيادة والهيمنة النسبية داخل سوق كان، حتى وقت قريب، حكراً شبه مطلق على الإنتاجات العالمية، وفي مقدمتها هوليوود. لقد شهدت صالات العرض السعودية مشهداً غير مسبوق: أفلام محلية تتصدّر الإيرادات، وتفرض إيقاعها التسويقي، وتُزيح أفلاماً عالمية مدججة بالنجوم والميزانيات. ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل ثمرة تراكم استراتيجي طويل المدى، التقت فيه الرؤية الثقافية الوطنية مع نضج التجربة الإبداعية، واستعداد الجمهور لأن يرى ذاته، ولهجته، وقضاياه، بوصفها خياراً أول لا بديلاً مؤقتاً. ( اقتصاد الصورة ) على مستوى شباك التذاكر، دخلت السينما السعودية في عام 2025 مرحلة الاقتصاد المؤثر. فقد اقترب إجمالي إيرادات السينما في المملكة من حاجز المليار ريال سعودي، فيما استحوذت الأفلام السعودية على أكثر من 23% من إجمالي المبيعات، في قفزة لافتة قياساً بالسنوات السابقة التي كانت فيها النسبة لا تتجاوز أرقاماً هامشية. وقد انتشرت هذه النجاحات عبر أكثر من 630 شاشة عرض، شهدت إقبالاً مكثفاً تُرجم إلى ما يقارب 20 مليون تذكرة للأفلام المحلية. ولم يكن هذا الإقبال بدافع “الدعم العاطفي”، بل نتيجة تطور حقيقي في الجودة الفنية والإنتاجية. فإلى جانب “شباب البومب 2”، الذي تجاوزت إيراداته 27 مليون ريال، برزت أفلام أخرى مثل: • “سطّار 2” الذي حافظ على زخم الكوميديا السعودية القادرة على المنافسة التجارية. • “هوبال” الذي مثّل نموذجاً للدراما ذات العمق الاجتماعي. • “مندوب الليل” الذي أكد قدرة السينما السعودية على خوض فضاء الإثارة والتشويق بأسلوب محلي. هذه الأعمال مجتمعة أثبتت أن السوق لم يعد يُدار بمنطق “النجم العالمي”، بل بمنطق القصة القريبة، والهوية الواضحة، وفهم الجمهور المحلي. ( من المحلية إلى العالمية ) لم يتوقف التحول عند حدود شباك التذاكر، بل امتد إلى الخارطة السينمائية الدولية. ففي عام 2025، خرج الحضور السعودي في المهرجانات العالمية من إطار “التمثيل الرمزي” إلى المنافسة النوعية. لم تعد المشاركات السعودية تُقرأ بوصفها استثناءً ثقافياً، بل كجزء من تيار سينمائي صاعد. شهدت مهرجانات كبرى مثل كان وتورنتو وبرلين عروضاً لأفلام سعودية تناولت موضوعات إنسانية بلغة بصرية ناضجة، مع حفاظها على خصوصيتها الثقافية. وبرز فيلم “المجهولة” للمخرجة هيفاء المنصور بوصفه مثالاً على هذا التوازن بين المحلي والكوني، في حين تحوّل مهرجان أفلام السعودية في دورته الحادية عشرة إلى منصة حقيقية لصناعة النجوم والأفلام، مع تتويج “سلمى وقمر” كأفضل فيلم روائي طويل. كما عززت الجوائز التي نالها ممثلون ومبدعون سعوديون، مثل مشعل المطيري وميلا الزهراني، من حضور “الأداء السعودي” كأداء قادر على المنافسة ضمن المعايير الفنية الدولية، لا على هامشها. ( البنية التحتية الذكية ) ما تحقق أمام الشاشة لم يكن ليتجسد لولا ما بُني خلفها. فقد شهدت البنية التحتية السينمائية السعودية تطوراً متسارعاً، شمل: • توسّع الاستوديوهات المحلية. • برامج تدريب احترافية لصنّاع الأفلام الشباب. • منظومة دعم وتمويل أكثر مرونة واحترافية. مدن مثل العلا ونيوم تحولت إلى منصات تصوير عالمية، تستقطب إنتاجات دولية بفضل تنوعها الجغرافي، وبنيتها التقنية، وحوافز الاسترداد المالي التي تصل إلى 40%. وفي موازاة ذلك، بدأ استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات ما بعد الإنتاج داخل المملكة، ما أسهم في رفع الكفاءة وتقليل الاعتماد على الخارج، وأرسى ملامح السيادة التقنية في الصناعة السينمائية. ( بعض الأسئلة الشائعة ) هل ما تحقق في 2025 مجرد موجة عابرة؟ تشير المؤشرات إلى أن ما حدث هو تحوّل بنيوي لا فورة مؤقتة، بدليل تنوّع الأعمال الناجحة، وتعدد الأنواع السينمائية، واستمرار الإقبال الجماهيري. هل تعتمد السينما السعودية على الكوميديا فقط؟ رغم حضور الكوميديا بقوة، فإن عام 2025 شهد نجاحات في الدراما، والإثارة، والسينما الاجتماعية، ما يدل على اتساع الأفق النوعي. هل هناك خطر من التشبّع أو التكرار؟ الخطر قائم في أي سوق نامٍ، غير أن تنامي الوعي النقدي، وتعدد صنّاع الأفلام، ودخول منصات جديدة للإنتاج، يقلّل من احتمالات الوقوع في النمطية. هل تستطيع السينما السعودية المنافسة إقليمياً؟ المعطيات تشير إلى أن السعودية مرشحة لتكون محوراً إقليمياً للإنتاج والتوزيع، لا مجرد سوق عرض، خصوصاً مع تصاعد الإنتاج المشترك والبنية التحتية المتقدمة. ( أفق 2026 ) بعد تثبيت المكانة في 2025، يُتوقع أن يكون عام 2026 عام التوسع النوعي، مع: • تجاوز 700 شاشة عرض في مختلف مناطق المملكة. • تصاعد الإنتاجات المشتركة مع دول الخليج والعالم العربي. • تنامي الاستثمار في المحتوى السينمائي المخصص للمنصات الرقمية إلى جانب شباك التذاكر. ( ما قبل الختام ) في المحصلة، لم يكن حصاد عام 2025 مجرد أرقام أو جوائز، بل إعلاناً عن استعادة السردية الثقافية. لقد أثبتت السينما السعودية أن الجمهور لا يبحث فقط عن الإبهار البصري، بل عن المعنى، وعن قصة تشبهه، وعن صورة تعكس تحوّلاته وطموحاته. اليوم، لم تعد السينما السعودية تنتظر اعترافاً من الخارج، بل أصبحت فاعلاً في صياغة مستقبل “الفن السابع” في المنطقة، مستندة إلى رؤية وطنية واضحة، ودعم مؤسسي، وإيمان بأن الثقافة قوة ناعمة تصنع المكانة. إنها شاشة لا يغيب عنها الضوء، وتجسيد حيّ لروح رؤية المملكة 2030، حيث لم يعد المستحيل جزءاً من القاموس. ( ختامًا ) اتمني لكل منتج ابداعي في خدمة صناعة السينما ان تعتمد علي تخصيص نسبة فيما لا تقل عن 1.5% من تكاليف الانتاج علي الدراسات والبحوث تفاديا لإهدار استثمارات بالملايين بعيدا ذائقة الجماهير وبعيدًا علي عوائد استثمارية معقولة تؤكد استدامة النجاح لهذا القطاع الحيوي الهام والذي من الممكن ان يحقق عوائد استثمارية خيالية.