فقدت الأوساط الأدبية والثقافية والإعلامية القاص والروائي حسين علي حسين الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى مع مطلع العام الميلادي الجديد، عن عمر يناهز 76 عامًا، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء والإبداع في مجال القصة والرواية والسرد الأدبي، ومشوار عملي حافل شهد تنقله بين العديد من المدن في المملكة وخارجها. والراحل من مواليد المدينة المنورة عام 1950م، وبدأ مشواره مع الكتابة مبكرًا وتحديدًا في التاسعة عشرة من عمره، حيث نشر له الأستاذ سباعي أحمد عثمان رحمه الله بعض القصص القصيرة في صحيفة (المدينة)، قبل أن يتجه لكتابة الروايات، ويعد حسين علي حسين أحد أهم رواد فن القصة القصيرة والسرد الأدبي في المملكة، وكان صوتًا مخلصًا للمدينة المنورة بما تحويه من تنوع ثقافي وإنساني، وشارك في مبادرة لتوثيق تاريخها، وكان ينبري لتصحيح أي معلومات خاطئة تنشر عن المدينة المنورة. عرف عنه شغفه بالقراءة منذ الصغر، فقرأ العديد من المجلات التي كانت منتشرة ورائجة خلال طفولته، ثم تحول إلى قراءة الكتب والروايات والأدب العربي والعالمي، وتوقف كثيرًا عند أعمال ألبير كامو ودوستويفسكي ومكسيم جوركي وهمنغواي، بالإضافة إلى نجيب محفوظ والطيب صالح وحنا مينه وغيرهم من الكتاب العرب، وساهم ذلك في تكوين مخزونه الثقافي وسعة اطلاعه وتأثره بروائع الأدب العربي والعالمي. واتجه حسين علي حسين لتأليف القصص القصيرة بعد أن قرأ في الأدب الفرنسي، وتحديدًا رواية (الغريب) للكاتب الفرنسي – الجزائري ألبير كامو، وعن ذلك قال في مقال له: "في عام 1965 عاد أخي الأكبر من فرنسا، بعد أن أنهى دراسته هناك، وكان من ضمن متعلقاته الشخصية، التي عاد بها، مجموعة من الكتب الدراسية والثقافية. لفت نظري من تلك الكتب، كتاب متوسط الحجم، ليس عليه سوى صورة برسم اليد، لشاب بوهيمي، لفتت نظري الصورة، فأخذت أقلب الكتاب، رغم ضعفي في اللغتين الإنجليزية والفرنسية. كان مؤلف الكتاب هو ألبير كامو، واسم الرواية «الغريب». عرفت ذلك عندما ذهبت إلى «المكتبة السلفية» فهذه المكتبة كانت تبيع كل الكتب، في تناقض واضح مع اسمها، لكنها السماحة التي كانت سائدة، في مدينة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهذه السماحة طبيعية، وليست مفتعلة، إذا عرفنا، أن صاحب المكتبة، كان يذهب بنفسه كل صيف لجلب الكتب، بكل أنواعها، من كل الدول العربية!. ذلك الكتاب، كان البداية الجادة لقراءاتي، وكان البداية، لحالة عشق وشغف، لكل ما كتبه، الأديب الفرنسي الجزائري، «ألبير كامو» بداية من رواية «الغريب» التي تتصدرها صورة بطلها «ميرسو» ثم رواية «الطاعون» وبعد ذلك كثير من مؤلفاته، مثل: «المقصلة» «كاليجولا» «أعراس» «الرجل الأول» وغيرها من الروايات والمسرحيات والقصص والدراسات والمذكرات. وبعد ذلك دخلت بهمة ونشاط، لقراءة مؤلفات رفاق كامو وأبرزها مؤلفات جان بول سارتر ورفيقته سيمون بوفوار". وتابع: "ألبير كامو وروايته «الغريب» كان الباب الذي ولجت منه، إلى قراءة آلاف العناوين في كافة فروع المعرفة، التي قادتني، لكتابة القصة والمقالة. مات ألبير كامو، وهو في منتصف الأربعينات من عمره، في حادث عبثي، يذكرنا بسيرة بطل رواية (الغريب). هذا الروائي، ما زال يدرس من قبل النقاد والفلاسفة، وكانت هذه الرواية البوابة التي عبر منها إلى جائزة نوبل، التي نالها قبل وفاته، في عام 1960، بسنوات قليلة". وتأثر الكاتب الراحل بالأحداث التي عاشها في شبابه خلال السبعينيات، وأنشأ علاقة مميزة مع الوسط الأدبي والثقافي في مصر التي أقام فيها العديد من الأمسيات الأدبية كما صدرت بعض كتبه من مصر، وتصادف وجوده في القاهرة أثناء وقوع حرب أكتوبر عام 1973م حيث كتب عنها تقارير صحفية وأدبية أشارت إليها بعض وكالات الأنباء، وأشار حسين علي حسين إلى أنه طُلب من الاستقرار في مصر، لكنه لم يوافق لأنه لا يطيق العيش خارج المملكة العربية السعودية لفترة طويلة. وعن حبه للمدينة المنورة، مسقط رأسه، قال: "ولدت ونشأت ودرست في المدينة المنورة، كما أنني خبرت عاداتها وتقاليدها من خلال المعايشة والمباشرة في كل ما يمت لتاريخها وواقعها بصلة، والمدينة تكاد تكون موجودة في كافة نصوصي مثل روايتي الطويلة «وجوه الحوش» والعديد من مجموعاتي القصصية". حظيت أعمال حسين علي حسين القصصيّة برسالتي ماجستير جامعيتين وهما: ظاهرة الاغتراب في قصصه لعبدالمعين بلفاس، ونوقشت عام 1428هـ في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، والبناء السردي في قصصه لريم بنت سليمان الحسن، ونوقشت عام 1441هـ في جامعة جازان، كما أوضح ذلك الأستاذ عبدالله الحيدري. حياته العملية حصل الكاتب الراحل على الثانوية العامة من مدرسة طيبة بالمدينة المنورة، ثم حصل على دبلوم في المساحة الأرضية وانتقل ليعمل في أمانة مدينة الرياض، وقبلها كان قد بدأ بالعمل مراسلًا لـ "اليمامة" من المدينة المنورة، وفي الرياض تولى إدارة مكتب صحيفة المدينة للشؤون الصحفية عام 1975م، وفي عام 1978م انتقل معارًا من أمانة مدينة الرياض إلى مدينة جدة ليعمل مديرًا لتحرير (المدينة)، لكنه فوجئ بأن مجلس إدارتها عقد اجتماعًا وقرر على إثره تعيينه سكرتيرًا للتحرير فاحتج على ذلك، وعاد بعد فترة وجيزة إلى مدينة الرياض، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته العملية مع صحيفة (الرياض) حيث عمل مسؤولًا عن التحقيقات الصحفية عام 1986م، ثم انتقل إلى (اليمامة) حيث تولى منصب سكرتير التحرير. وكان الراحل يكتب المقالات في العديد من الصحف المحلية كالمدينة والرياض والجزيرة وعكاظ والبلاد، وعدد من المجلات والدوريات المتخصصة، واستمرت زاويته الأسبوعية «مركاز» في صفحة «حروف وأفكار» بصحيفة الرياض من عام 2017 حتى 2021م، وامتازت مقالاته بالعمق والهدوء والحس الإنساني وملامسة قضايا المجتمع. وعمل حسين علي حسين أيضًا في الإدارة المالية لنادي الرياض الأدبي، وأسهم مع مجموعة من خيرة الأدباء والدارسين، في تطوير العمل الإداري به وفي إقامة العديد من الندوات والأمسيات والملتقيات الثقافية، وكان النادي يحظى بدعم متواصل من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – يحفظه الله – عندما كان أميرًا للرياض. ونال الكاتب الراحل تكريمًا خاصًا من النادي الأدبي بالرياض عام 2015م تقديرًا لإسهاماته الأدبية، كما كُرّم في مناسبات عديدة، من بينها اجتماع وزراء الثقافة والإعلام بدول مجلس التعاون الخليجي في الكويت عام 2014. وشارك حسين علي حسين في عدد من المهرجانات الثقافية، والمنتديات الأدبية في المملكة وعدد من الدول العربية، وحصل على جوائز مختلفة، منها: ميدالية الاستحقاق من الدرجة الثانية عام 1984، واستمر في عمله الحكومي حتى عام 1419هـ (1998م)، حيث قرر التفرغ للكتابة. مؤلفاته أصدر حسين علي حسين عدة مجموعات قصصية، هي: «الرحيل» التي صدرت عام 1398هـ، و«ترنيمة الرجل المطارد»، و«طابور المياه الحديدية»، و«كبير المقام»، و«رائحة المدينة»، و«المقهى»، و«العقد»، وآخر مجموعة قصصية أصدرها باسم «مزيكا»، وترجمت بعض قصصه إلى اللغتين الإنجليزية والروسية. ثم اتجه للرواية وكتب روايتين، الأولى «حافة اليمامة»، ثم رواية «وجوه الحوش» التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2022، ثم فازت بجائزة «جمعية الأدب المهنية» عام 2025 في مشروع "تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي"، وكانت آخر أعماله رواية «لمس الأطراف»، التي صدرت عام 2024. وعن أهمية الكتابة وطقوسها، قال الراحل في مقال له بصحيفة (الرياض) بعنوان (الفن والطعام والشراب): "الكتابة مثل الأكل أو الشرب، في الغالب من لا يحس بالحاجة، لن يذهب إليهما، أو إلى أحدهما، لكن بعض الناس لديهم رغبة في الأكل والشراب، رغم عدم حاجتهم لذلك، ورغم معرفتهم بأن الطعام على الطعام مفسدة؛ والنتيجة عسر وقلق وربما سمنة مفرطة، ما يحصل مع الناس في الأكل والشراب، يحصل مع الكتاب، وأشباه الكتاب؛ غزارة في الإنتاج وسوء في القيمة أو التوزيع. وعند بعض الكتاب، الكتابة عمل، مثلها مثل أي عمل عقلي أو عضلي، لا بد من ممارستها يوميًا، وفي أوقات محددة؛ أوقات لمسك القلم وأوقات لطرحه، أوقات لفتح الكمبيوتر وأوقات لغلقه، بل إن هناك كتّابًا، من معاصري الأيام الطيبة، يخصصون دقائق لبري أقلام الرصاص استعدادًا للكتابة وكان من أبرز هؤلاء أرنست هيمنجواي؛ مقابل أصحاب هذه الطقوس العفوية أو المرتبة، هناك كتاب عاديون، وكتاب مبدعون، لا يمسكون الورقة والقلم أو يجلسون إلى الكمبيوتر، إلا إذا دعتهم إلى ذلك حالة، أو دافع ملح، مثلهم مثل من يشعر بالعطش أو الجوع الشديد. هذه الفئة من الكتاب أكثر عرضة، للإصابة بما بات يعرف بحبسة الكتابة، مثلهم مثل المريض الذي به علّة، فيفقد الدافع، لوقت يطول أو يقصر إلى الأكل والشراب، وربما الخروج من البيت للعمل، أو شم الهواء، أو مقابلة الأصدقاء. هذه الحبسة التي تطول أحيانًا لسنوات ساهمت في توقف أدباء كبار وموهوبين عن الكتابة لسنوات عديدة وساهمت في حجب بعضهم نهائيًا عن الكتابة". وهذه الحبسة عن الكتابة كما أسماها، تعرض لها الراحل رحمه الله، حيث توقف عن الإنتاج الأدبي من عام 1990م حتى عام 2014، الذي شهد عودته بعد غياب طويل برواية "حافة اليمامة" ومجموعتين قصصيتين هما "المقهى" و"مزيكا". وعن روايته (حافة اليمامة) يقول: "تتحدث عن مرحلة من تاريخ السعودية، تدور أحداثها بين مدينتين هما المدينة المنورة والخرج، وفي الوسط مدينة أخرى هي مدينة الرياض، وهي تجسد رحلة مجموعة من الشباب والباحثين عن العمل. وكانت هناك مشاريع في مدينة الخرج لجعلها مصيفًا ومركزًا للدولة في وقت الصيف، وكانت الحالة في هذه المدينة منتعشة بفعل هذه الخطوات التي حصلت، ولكن الرواية بطبيعة الحال تعالج اللواعج والأحداث والمشكلات والتأثيرات الاجتماعية التي تتعرض لها هذه المجموعة من الشباب الباحثين عن فرصة للعمل، إذ إن بعضهم استقر والبعض الآخر عاد بينما تاه آخرون بين اليمامة والرياض وغيرها". رحيله عاش الكاتب الراحل حسين علي حسين سلسلة من الأحزان والفقد قبل وفاته بفترة قصيرة، وربما أثر ذلك على حالته الصحية في أواخر أيامه، حيث عرف بحسه المرهف ومشاعره الجياشة، وقد روى الدكتور محمد إبراهيم الدبيسي في صحيفة (مكة) الإلكترونية، تفاصيل مؤثرة من الساعات الأخيرة في حياته. وأوضح الدبيسي في صحيفة (مكة): "أن الراحل لم يمضِ عام على فقده رفيقة دربه وشريكة حياته، السيدة أم عبدالعزيز، حتى لحق بها شقيقه الأصغر سلمان علي حسين الأسبوع الماضي في المدينة المنورة، مشيرًا إلى أنه تلقى اتصالًا هاتفيًا من حسين علي حسين آنذاك، بصوته الهادئ الذي اعتاد الحكاية أكثر من الشكوى، ليبلغه نبأ الفقد ويعتذر عن لقاءٍ كان مقررًا بينهما، واعدًا بلقاء قريب لم يتحقق. وبيّن أن الأقدار سبقت المواعيد، إذ رحل حسين علي حسين قبل أن يعود إلى المدينة المنورة، مسقط رأسه التي أحبها وأخلص لها، وكتبها في أعماله الإبداعية، لا سيما في روايته الأخيرة «وجوه الحوش»، التي استعاد فيها تفاصيل المكان وذاكرته ووجوهه وأصواته، فيما رحل قبل أن ترى النور روايته الأخرى «هوشة المزمار»، التي احتفظ بمسودتها. وأكد الدبيسي أن قصة الرحيل الأخيرة للكاتب جاءت مثقلة بدلالات الفقد والمفارقات الإنسانية، مشيرًا إلى أن الراحل، وإن غاب جسده، سيظل حاضرًا بأثره الإبداعي في وجدان قرائه ومحبيه، وبما تركه من قصص وروايات ومقالات أسهمت في ترسيخ وعيٍ سرديٍ يرى في تفاصيل الحياة اليومية مادةً للخلود".