في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، وفي خضم التحولات المجتمعية والاقتصادية العميقة التي رافقت بداية عصر النفط في المملكة العربية السعودية، شهد ميلاد أول عمل سينمائي محترف في تاريخ البلاد: فيلم “الذباب”. الفيلم، الذي أنتجته شركة أرامكو عام 1950، كان حدثاً تأسيسياً معقداً يجسد في إطاره البسيط حوار المملكة المبكر مع أدوات الحداثة وأولى خطواتها في عالم الصورة المتحركة. ظهر الفيلم كنتاج مباشر لمرحلة تحول كبرى، حيث برزت الحاجة إلى قوة عاملة صحية لمجتمع منتج في الاقتصاد النفطي الناشئ. بذلك كان تجسيداً لمنطق تنموي حديث، تحولت فيه صحة الفرد إلى ركيزة للتقدم الاقتصادي. يقف فيلم “الذباب” على مفترق طرق فني مثير؛ فهو يجمع بين خطاب تعليمي مباشر وطموح درامي تأسيسي. من ناحية يحمل الفيلم رسالة سلطوية واضحة تهدف إلى إصلاح السلوكيات اليومية باستخدام لغة بصرية بسيطة تظهر عواقب إهمال النظافة. ومن ناحية أخرى فإنه يخلق أول بطولة سينمائية سعودية من خلال الممثل حسن الغانم، الموظف في أرامكو الذي جسد دور المواطن الذي يتعلم وينشر الوعي. هذه الإضافة الدرامية حوّلت الرسالة من خطاب مجرد إلى قصة يمكن للجمهور التعاطف مع بطلها، مما أضفى بعداً عاطفياً وإنسانياً عزز من فاعليتها التوعوية وجعلها أداة ثقافية تعمل ضمن رؤية حداثية. تتجاوز أهمية “الذباب” الشاشة إلى الفضاء العام، حيث مثلت عروضه الجماعية في ساحات الدمام عام 1952 لحظة تأسيسية لفكرة المشاهدة السينمائية كفعل جماعي جديد في السعودية. لقد شارك آلاف المشاهدين، الذين جُلبوا عبر مكبرات الصوت وتجمعوا حول شاشة عرض مؤقتة، في طقس ثقافي غير مسبوق. رغم أن الهدف الظاهري كان صحوياً بحتاً، إلا أن الممارسة السينمائية ذاتها حملت في طياتها بذور تحول ثقافي أوسع، وبدأ المجتمع يتعرف على لغة الصورة المتحركة كوسيط مؤثر في الحياة العامة. من هذا المنظور يكتسب الفيلم قيمته كوثيقة بصرية واجتماعية نادرة، تلتقط لحظة انتقالية في الوعي الجمعي السعودي حيث بدأت تتشكل مفاهيم جديدة للصحة والنظافة مرتبطة بمشروع تنموي حديث. بعد أكثر من سبعة عقود، يتبين لنا أن فيلم الذباب والذي مدته في حدود 30 دقيقة، كان أكثر من مجرد أداة توعوية ناجحة. لقد كان النواة المنسية التي احتوت في داخلها على الجينات التأسيسية للسينما السعودية اللاحقة: التعاون مع التقنيات العالمية، وسرد القصص المحلية، وإيجاد النجوم المحليين، واستخدام الوسيط السينمائي للحوار مع قضايا المجتمع. مثل الفيلم بداية حوار محفوف بالحذر مع الحداثة وأدواتها البصرية، حوارٌ مهد الطريق، بعد عقود من الصمت النسبي، لانطلاق موجة سينمائية سعودية معاصرة تحمل اليوم رؤى فنية أكثر تعقيداً وتنوعاً. لذلك، فإن إعادة اكتشاف “الذباب” هي اعتراف بالأصل المتواضع ولكن العظيم لرحلة فنية وثقافية طموحة، وتذكير بأن المسارات الكبيرة تبدأ أحياناً بخطوات بسيطة لتصنع تاريخاً.