القاصة السعودية زينب القطري بعد مجموعتها (نسبة مئوية)..

أبو دهمان نقل تجربة عميقة وهوية غنية من خلال عمل واحد.

القاصة السعودية زينب القطري؛ تكتب عبر ذواتها المتأملة وتتعدد كذلك عبر ما يختزن في ارشيف ذاكرتها، ترى الثبات تنويمة وبانها لا يروق لها سوى الإيقاظ، الآخر لديها ربما يكون النعيم على عكس سارتر، تشيد بجمعة الفلسفة والنشاط الملحوظ في وطننا وانه غير المشهد الثقافي، تقول انها وجدت بعض سماتها النفسية في شخصياتها بدون وعي منها.. اصدرت مجموعتها القصصية الأولى (نسبة مئوية) عن دار اثر وكان لنا هذا اللقاء حولها. * تتعدد الأصوات في القصص، وتلبس عوالم مختلفة الأعمار والأسماء، وكأن شخوصك تجوب العالم، صوتك الداخلي إلى أين يشير؟ ليس صوتا داخليا، بل هي أصوت بنبرات متعددة، على غرار ما قاله بيسوا “كل منا متعدد، كثير، وفرة من الذوات”. الشخوص ليست وحدها من يجوب العالم، الشخوص كانت انعكاساً لكل ما يولّده التأمّل في نفسي ككاتبة قارئة، الأفكار التي تتناسل بوعي وبدون وعي، بعد كل قراءة، تضيف لي صوتا جديداً بنبرة محددة. أصواتي لا تشير لأنها أنا ككل، وأنا ككل أشير لهويتي التي تتحول وتتشكل بفعل التجارب القرائية والحياتية، وأحاول توظيفها في الكتابة التي تحتاج الى أصوات وضبط نبرات. * (الذاكرة شيء مطمور، نستدعيه من ركام مسافة الوقت) ؛ أليس الذاكرة لعنة أحيانا وقد تجرّنا لقاعٍ مظلم، أم أنك مع القول: بأن الذاكرة سور يحمينا من قطار النسيان؟! الذاكرة كلمة واسعة، لا يمكن تحديدها أو حملها على وجه واحد. الذاكرة هي الأرشيف، الذاكرة هي الأماكن والانتماء لها، الذاكرة هي الصورة القديمة التي تستدعيها فتبتسم، ولذات الصورة تحزن. ما تتذكره يحدد من أنت، من كنت بالضبط؟ وكيف أصبحت، الذاكرة جزءٌ منا، حتى لو تلاشت مشاعرنا تجاه ما نتذكره، ومنها تبدأ هويتنا. * تقول القطري: “المخاض إجبار على مواجهة الوجود بانفراد”؛ ألا ترين أنّ الولادة وحدها في الفكرة والخلق جديرة بهذا التفرد؟! الولادة ملتصقة بالإنسان مثل جلده. الولادة الأولى هي الانتقال من فكرة عدم الوجود إلى الوجود، يعني أنها التغير من حالة الى حالة، ولا يتوقف الإنسان عن التغير إلا بالموت. ينجو الانسان من مأزق الولادة الأولى إلى عدد كبير من المآزق التي لا ينجو منها إلا ناقصا من شيئ كان فيه او مكتسبا لشيء. هذه التغيرات كلها ولادات فردية ولا مرئية، وهي أيضا مخاض جدير بالتفرد. المهم هو النتيجة، الفكرة التي تتخلق هي جديرة بالتفرّد، وأيضاً الكائن الجديد الذي نهض من جديد بطريقته الخاصة هو جدير بالتفرّد. * يقول ماركيز: “الحب الأبدي في اعالي البحار، ينتهي مع رؤية الميناء” ؛ القطري ماذا تقول؟ ماركيز يتكلم من منظور فلسفي واقعي، لا وجود للابدي، لكن يبقى الأمر نسبي لا يمكن لأحد ان يؤكد ولا ينفي. الآراء في الأصل تجارب ورؤى ذاتية. بالنسبة لي، سأجيب على السؤال من منظوري في الكتابة، الكاتب يملك ترف التناقض والتذبذب من خلال ما يطرح، كل ما له علاقة بالإنسان متغير لا يمكن الاطمئنان الى ثباته. كما لا يمكن لي أن أطرح فكرة الحب الأبدي في ما أحكيه لأنها فكرة مستهلكة، تبدو براقة في الاعمال الكلاسيكية، وقد تكون فقدت جزءا كبيرا من جاذبيتها في هذا العالم السائل والزمن السائل. في رأيي، الفكرة بحد ذاتها فيها تنويم، ولا يروق لي إلا الإيقاظ. ماركيز نفسه يناقض نفسه، في “الحب في زمن الكوليرا” وهي رواية عظيمة، طرح فيها قصة الحب الأبدي، البطل بعد ما يقارب النصف قرن عاد لفيرمينا وهي في السبعينات، وللفكرة ذاتها نهاية أخرى في رواية “النبيذة” لانعام كجه جي، يكتب منصور للبطلة تاج الملوك، التي أحبها سنوات ويلتقيها وهي في سن الشيخوخة لكنه لا يرى فيها من أحبها، في النهاية في الأدب وأيضا في الحياة كل شيء ممكن الحدوث. * في مدونتك كتبت مراجعات وقراءات موجزة عن الكثير من الروايات والدواوين بشجاعة نادرة؛ هل فكرت يوما في جمعها واخراجها في كتاب؟ فكرت لكن الفكرة لوحدها لا يمكن أن تتنج كتابًا يمكن تصنيفه بأنه يقدم قراءة مختلفة للكتب، في وسائل التواصل الاجتماعي عدد لا حصر له من الحسابات التي تقدم قراءات ذوقية وتقييمات للكتب بجميع أنواعها، كل قارئ يقرأ الكتاب من منظوره ويرى فيه ما لا يراه آخر، القراءة في حقيقتها عمل فردي حتى لو تشاركت فيه مجموعة، سيكون هناك اختلاف واتفاق. في مدونتي أشارك انطباعي “بعفوية” بعد قراءتي ما اقرأ، أقول أحببت هذا العمل ولم أحب ذاك، الكتاب الذي يحوي القراءات لابد أن ينتخب فيه عدد من الكتب التي تحمل سمة مشتركة، يتم فيها تشريح أجزاء الكتاب بالتفصيل، لا يكفي الاعجاب او الفكرة السريعة او الانطباع العفوي مهما كان عميقا، فإلى جانب الانطباع العفوي لابد من وجود انطباع مدروس له نسق وأساس. على الرغم من حبي للكتابة، لكنني لا يمكن أن أتعامل معها بسهولة، اشعر بأن اخراج كتاب مسؤولية، واحترام القارئ مسؤولية أخرى، وجود فكرة لا يكفي لاخراج كتاب بالصورة التي ترضيني، لذلك ففكرة الكتاب متروكة للزمن الذي امتلك فيه تصوّرا واضحا ومختلفا لما سأقدمه. * يقول سارتر: (الآخرون هم الجحيم)؛ القطري كيف تراهم؟ الآخرون هم كما هم، هذا رأيي. قد يكون الآخرون هم الجحيم، وقد يكونون هم النعيم، كما يقول غابرييل مارسيل. كلما زاد وعي “الآخرين” كلما ندر استخدامهم للأحكام والتصنيفات العشوائية، وتعمّق لديهم التعاطف، وأحسّوا بقيمة الوقت والمجهود الذي لا بد ان ينصبّ على ذواتهم بدل الاهتمام بالآخرين. أيضاً قد يكون الاكتراث بالآخرين هو الجحيم. * لوحظ مؤخراً، وعبر الكتابة الروائية في منتجنا المحلي، إدخال الفلسفة بشكل كبير، إلى ماذا تعلل القطري هذا التوجه، بعد أن كانت كلمة الفلسفة كلمة محرّمة في حياتنا اليومية؟ وجود جمعية الفلسفة، ومؤتمر الرياض الدولي للفلسفة، والنشاط الملحوظ في وطننا في ترجمة الكتب الفلسفية، قد غير المشهد الثقافي. وبالتأكيد، إقبال القرّاء من قبل على الكتب الفلسفية، دليل على ارتفاع الوعي بأن الفلسفة يمكن أن تكون جزءاً طبيعياً من الحياة، نحن نحتاج للفلسفة كما نحتاج للأدب، وحاجتنا للفلسفة هي حاجتنا لأن لا نتوقف عن طرح الأسئلة. الأدب وحده ليس كافيا لإثارتها. ومثلما نستشفي ونستمتع بقراءة الشعر والروايات، أيضا نستشفي ونستمتع بما تولده الفلسفة من أفكار وتساؤلات، حتى ولو لم نجد إجاباتها أو لم تكن إجاباتها قطعية. إدخال الفلسفة في الروايات له وجهان: الفلسفة أحياناً تذوب مع نسيج الرواية فتضيف لها عمقا وجمالاً، وقد تكون منفصلة عنها، إن صحّ التعبير، أو تثقل على نسيجها فيخفت جمالها. في الرواية، وحتى في الشعر، مساحات هائلة للاستفهام، والكاتب او الشاعر الواعي يعرف كيف يستغلّها ليقدم عملاً مغايرا. * قبل أيام، خسرنا احد اجمل من كتب رواية محلية (الحزام) بنكهة عالمية، (احمد ابو دهمان)، والتي أخذت في الانتشار الواسع، وتُرجمت للعديد من اللغات، مع احتفاظها بهويتها وبيئتها الساحرة؛ كيف تقرأ القطري هذا الغياب؟ يتجدد مع كل قراءة، وكل فكرة وكل شعور يبثّه كتابه في نفوس قرّائه. موت الانسان خسارة لعائلته ومحبيه، وموت المبدع خسارة لعائلته ومجتمعه. أبو دهمان نقل تجربة عميقة وهوية غنية من خلال عمل واحد. الكُتّاب لا يتعاملون مع إصدار الكتب من نفس المنظور، كاتب لا يُشكّل له عدد مؤلفاته أي هاجس، ويرى بأن الجودة هي الأهم، وربما يحلم بمستوى واحد لجميع مؤلفاته. وكاتب أدمن الكتابة، ويرى ضرورة الاستمرار في إصدار الكتب، ويتعامل مع التفاوت بينها بشكل طبيعي. وكاتب أدمن الكتابة، وما يهمه هو حضوره الدائم من خلال إصدارات متتالية، بغضّ النظر عن المستوى المقدّم. الأكيد أنّ الكاتب الذي يترك أثراً، حتى ولو كان كتاباً واحداً لا يموت، وجوده * في نص (آخر الغرقى)، كان الأمل موارباً حتى النهاية، وكانت سليمة الوحيدة التي حملت معها احتمالات الضوء الذي خذلها في النهاية؛ إلى أين يمكن ان تأخذنا نهاية الغرقى يا زينب؟ ماذا لو كان سالم حيا في مكان ما! وماذا لو كانت مجرد نهاية مفتوحة تعول على ما سيفكر به القارئ، ماذا لو كانت تهدف إلى طرح استفهامات عن الموت، وعن الغياب، وعن جدوى الامل، وعن معنى اليأس! ماذا لو كانت مجرد قصة مغموسة في حقيقة زمن آفل! قد يرى الكاتب نهاية عمله، وقد يتعمد أن يترك الكاتب الباب مواربًا لوقت ما. * تكتب القطري كما يكتب أصحاب اليوميات مذكراتهم: سمير، سميرة، البنت، الزوجة، وهو...؛ هذه الحيوات وهبت نصوصك حياة آسرة وطبيعية غير متكلفة؛ إلى أي حد اقتربتِ القطري من شخوصها السردية؟ اقترب وابتعد، اتوحد معهم وانفرد بنفسي، احبهم واتعاطف معهم، لأنهم يشكلون بورتريه كبير لشخصيات مختلفة متنافرة في أزمنة ومراحل مختلفة، لا يوجد شخصية منهم تشبهني في الواقع، هذا ما ظننته، لكنني حين عدت بعد فترة لاتصفح القصص، وجدت بعض سماتي النفسية قد وزعتها على بعض الشخصيات بدون وعي. حاولت أن أحرر الشخصيات مني بما أنني كنت الصوت الذي تقمصهم، وحاولت أن أحرّرهم من بعض آرائي، لكن لابد للشخصية ان تتلطّخ بشيء من حبر صاحبها، ومع هذا التلطّخ أظن بأن لكل شخصية روحاً وكياناً لا يشبهني. * لو وهبك الوقت فرصة لارسال برقيات إلى كل من المدرجة أسمائهم ماذا تقولين؟ ١- عبدالرحمن منيف: البطة الفاتنة التي تحاول صيدها، أنجبت لبعض كتاب العالم الذين قرأوه العديد من البط الملون، والبعض الاخر له متعة الجلوس في حضرة الكتابة، بين ما زرعت في كتبك. ٢- يوسف ادريس: من أين جئت بشخصية عزيزة؟ وهل حقاً من الممكن أن يتحوّل الناس من الاحتقار والعنصرية إلى التعاطف؟ ٣- رجاء عالم: الصورة الجماعية لعائلة السردار بقيت معلقة على حائط ذاكرتي، آلمتني نهاية سُكرية، لا يليق بجموحها أن يموت. ٤- نجيب محفوظ المشربية التي فتحتها في جدار الأدب، وجعلتها تطل على الحارات بكل ما فيها، ودوائر المحفوظات، ما زلنا نستمتع بأصوات ابطالها واسئلتهم، هدوئهم وغضبهم، ضحكهم وبكائهم. من الواضح بأن ما حكيته حاز، وسيحوز على الأبدية. * ثلاثة نصوص من المجموعة تم إفتتاحها بقول لنجيب محفوظ والأخرى لـسورين كيركجارد؛ ماذا وراء هذه الخصوصة يا زينب؟ قرأت لمحفوظ سبعة أعمال، وقرأت للفيلسوف كيركجارد عملا واحدًا، وقرأت عنه في أكثر من عمل. استحضاري للاقتباسات جاء في سياق الكتابة من غير افتعال، الاقتباسات كانت عتبات او مداخل للقصص. اقتباسي لمحفوظ كان يلخص فكرة القصة التي تتجاوز فكرتها الى الفكرة الأكبر، التي تشير إلى الفجوة بين ما نرغب به ولا نستطيع الحصول عليه، وبين ان نسعى للحصول عليه او نبقى نكابد الحيرة، حين نوازن بين سلبياته وايجابيته. اما عن اقتباسات كيركجارد، ليست من باب المقارنة بل التشابه ؛ فهي انعكاس للقصتين لكن بشكل غير مباشر وبمستوى مختلف. النبي الذي همّ بأن يضحي بابنه في سبيل الرب من منظور كيركجارد، وهو معنى سامٍ جداً، يشبه ما ورد في القصة من أنّ بعض الناس، بدون قصد او عن جهل، قد يُضحّون بسعادة أبنائهم إرضاء للناس أو بسبب أفكار متوارثة. ومن جانب آخر، الإشارة “للفطام”: كيف أنّ البطلة نضجت من خلال ما واجهته ؛ التجربة فطمتها من براءتها أو أفكارها الوردية. * نقترب من دخول العام الثالث من إصدار هذه المجموعة (نسبة مئوية)؛ ماذا بعد في قادم ايامك الإبداعية؟ لا أشعر بضرورة وجود إصدارات متتالية، بل أشعر بضرورة وجود كتاب جيد يرضيني، ولا استطيع الجزم بوجود او عدم وجود عمل قادم ؛ مازلت أعمل وأجرّب، وأفاضل بين ما اكتب.