في ديوان (أنا الذي رأيت كل شيء) للشاعر فايز ذياب..

“القارئُ المنسيُّ” وجدوى الوجود .

أسئلُة العبثية واللا جدوى والتخلي عن الأملِ وفقدان الحافز تأخذُ المرء ناحية وجع لا ينتهي، إذ تغدو الحياةُ مآسي متصلة، لا تنصرفُ حتى أثناء النوم، لذا يحضرُ الحلم كبديلٍ عن الألم؛ ليساعد في شفاء الإنسانِ واستعادته لحقيقته، وهذا ما يقاربه ديوانُ “أنا الذي رأيت كل شيء” للشاعرِ فايز ذياب. بناءُ الديوان استند على أسطورةِ “كلكامش” وبحثه عن جدوى الوجود، إذ انطلقَ في رحلته مثقلاً بالشك والأحزان؛ لينتهيَ إلى الفوز بالجائزةِ والحصول على نبتةِ الحياة، وحينما أضاعها انكفأ مجدداً على أحزانه، واضطرَّ للبحث عن طريقةٍ مختلفةٍ للخلود، وهو ما وجده في تنميةِ العمران وتقويةِ الأسوار المحيطة ببلدته “أُوروك”. الاستنادُ على الأسطورة لا يعني تطابق الديوانِ معها، إذ بينهما اختلافاتٌ تتعلق بإدخال الذاتِ وتوظيفها، وهو ما افتقدتُه الأسطورة، التي اكتفت بوصفِ الحدث عبر راوٍ منفصل “هو الذي رأى كل شيء”، بينما الديوان لم يفصلِ الحدثَ عن الذات “أنا الذي رأيت كل شيء”، فماذا رأتِ الذات؟ قدَّم الديوان “نبوءة” تقومُ على إدراج الذاتِ في رحلة بحثٍ عن هدف الحياة وسببِ الوجود، ووضعت جائزة في نهايتها تتمثَّل في الحصول على أنثى بمواصفاتٍ مختلفة، وهذا ما يعتبر اختلافاً عن أسطورةِ “كلكامش”، الذي حلم بنبتةِ الخلود ورحل بحثاً عنها (فاتحة): “تنزَّل النخل في مسرى نبوءَته فكنتِ أول من يخطو على سَعفي تحتي وتحتكِ هذا الماءُ يحملنا من واحةِ الشك مملوئينِ بالصُّدف” جائزةُ النبوءة أنثى قادرة على انتشال الذاتِ من الشك والعبثيةِ واللا جدوى، ونقلها إلى اليقينِ وإدراك أهمية الحياة وجدواها، لذا يتمُّ تحديدها بدقة حتى لا تختلطَ بغيرها: “يتيمة أنتِ من قبلِ الرحيل، فإنْ أعُد إليك فهاتي العمر وازدلفي” صعوباتٌ كبيرة تكتنف تحقيقَ النبوءة، بدءاً من الشك في النجاحِ وجدوى الرحيل، مروراً بالأحزان والآلام لفراقِ العائلة والديار، وصولاً إلى مصاعب تعيقُ الحركة والارتحال (رسالة الطين): “خلفه سورٌ منيعٌ أهلُه أهلكوا الأيام في وأدِ الصخور ووراء السورِ سورٌ آخرٌ خلفه سورٌ وخلفَ السور سور” تجاوزُ الأسوار مطلب هامٌّ لإكمال الرحلة وتحقيقِ النبوءة، ومثلما توجد أسوارٌ مادية كالتي تحيطُ بـ”أوروك”، هنالك أسوارٌ معنوية تحتاجُ إلى الكثير من التفكيرِ و”التأويل”؛ ما يعني الحاجة إلى متلقٍّ قادر على فكِّ الرموز وكشف الأقنعةِ وإعادة ترتيبِ الدلالات وتكوينِ المعاني، الأمر الذي دفعَ إلى البحث عنه لمساعدة الذاتِ وانتشالها من شكوكها وأوهامها، لكنَّ النتيجة لم تكن مرضية، فما بحثَت عنه لم تحصل عليه، وما حصلَت عليه لم تكن تريدُه (القارئ المنسي): “تعنكبَت كلُّ أحلامي التي وُئِدت حتى تشبَّثتُ من دنياي بالرمسِ فصرتُ أبشعَ مما ظنني وجعي وصرتُ أجمل مما مرَّ في رأسي” “صوتان” يتصارعانِ في رأسه، الأولُ أخبره بفشل مسعاه، بينما الثاني حثَّه على الاستمرارِ والمتابعة، فاختار المتابعةَ ومواصلة الرحيل، رغم آلامِه ومعاناته (ما زلتِ لي): “أخلِّد النخلَ إذ أمنحهُ قافيتي لعلَّه إن قسَت شمسي يظلِّلُني ما عادَ من صحبتي إلاهُ يفهمُني معْ أنني طولَ هذا العمر أجهلُني” الحاجةُ إلى القارئ تزداد مع التوغُّل في الرحلة، فالعمر يمضي وثمَّة أسئلة تلحُّ وما من إجابات مقنعةٍ؛ لذا يحتاج التأويلِ من أجل إدراكها واستيعابِ أبعادها (رحل ونسي بعضه): “أفنيتَ نصفك في الحياةِ تساؤلاً حتى أخذتَ من القبورِ جوابا” بالأمسِ القريب يعيش مع أحلامه البريئة والمنسجمة مع الطبيعة، بعيداً عن ضوضاء المدينةِ وتشويشِ الحضارة، لكنَّ ذلك اختلف بانتقاله للسكنِ في مدينة؛ تظهر شيئاً وتضمر آخر، إذ معناها الداخلي لا ينسجمُ مع مظهرها الخارجي؛ ما جعله في حاجة ماسَّة إلى التأويل لفهمِ التفاصيل وإدراك الأسرارِ (مدينة الذاكرة .. وجدار المعنى): “في مسرحِ الوهم، دوري لستُ أتقنه إلا بما يبتليني خيطُ أسئلتي فقلت: من يملك التأويلَ، يرشدني!! ففتنةُ اللفظ فاقت حدَّ مقدرتي فقال من لم يزل بالشعر ملتبساً: ستبتني لغةً أخرى من اللغة” التأويلُ بوابة العبور إلى “الحقيقة” وإزالةِ “الوهم” و”الخداع”؛ لهذا يستمرُّ بالتأكيد عليه: “عن خُدعة الضوءِ إذ ألقى نبوءَته إليَّ فانعكست أوهامُ رابعتي” التأويلُ أعاده إلى الواقع وأبعده عن الأوهامِ وكشفَ الحقيقة أمام عينيه، فجعلَه يرى “البداوة” و”الحضارة” ويوازنَ بينهما، ليختار البداوة ويعيدَ الاتصال بها، حيث تمثِّل الطهارة والفضيلة، بعيداً عن التباسِ المدينة وتعدُّد معانيها، (سحر البداوة): “يا ليلةَ العيد قد أوسعتني سهراً أرديتِ صبًّا برمشَي غادةٍ ذُبحا أميرةً من بناتِ “البدو” وازَنَها سحرُ “الحضارة” لكن قطُّ ما رَجحا” رُغم صعوبة الطريق والاندهاشِ بالحضارة وصراعه الداخلي، إلا أنه ظلَّ وفيًّا لهدفه، تحدوه الرغبةُ والشوق في إنجاز الرحلةِ والانتهاء منها (تهويمة): “أنا لستُ من هذي البلاد ولا شوارعها القدِيمة لكن يؤرِّقني الحنين “فمن لقلبي كي ينيمَه”..!” لتصبح خاتمةَ الأحلام ونهايةَ الرحيل حصولُ الذات على الجائزة، التي منحتها الخلودَ (بلقيس): “بلقيسُ فردوسك الممتدُّ من زمنٍ تَدنو إليه وتدنيكِ الفراديسُ” أُنجزت الرحلة وتحقَّقت النبوءة وانتصرت الذاتُ بحصولها على الجائزة بعدَ معاناةٍ مع الغربة والمغريات، وهذه نهايةٌ معاكسة لأسطورةِ “كلكامش”، الذي عاد حزيناً لضياع النبتة، فانشغلَ ببناء “أوروك” وتقويةِ أسوارها، ولم يستطع تحقيقَ الخلُود. 18 أكتوبر 2025م