في يناير/ كانون الثاني عام 2019، دُعي المفكر الهولندي روتغر بيرغمان، مؤلف كتاب “الجنس البشري: تاريخ مُفعم بالأمل”، لحضور أعمال “منتدى دافوس” الاقتصادي العالمي، المنعقد وقتها. ولم يكن من باب التفاؤل مطلقاً، أن تصبح تلك هي المرة الأولى - والأخيرة- التي يحضر “بيرغمان” المؤتمر! لم يتلق الرجل دعوة لحضور المنتدى مرة أخرى. ببساطة، لأنه راح يهاجم الحاضرين من أصحاب الشركات الكبرى وأقطاب الاقتصاد العالمي، بقسوة، خلال إحدى الجلسات، ويطالبهم بسداد الضرائب المقررة عليهم، باعتبارها حقاً طبيعياً للدول والمواطنين، وليست “إحساناً” أو منةً منهم على الناس! الكتاب الذي تُرجم إلى العربية، يسير عكس التيار الفكري المتشائم الذي يسود الأدبيات والأعمال الفنية الغربية، بل والعالمية، منذ عدة عقود، وينحو منحى آخر أقل قتامةً وسوداويةً بشأن المسعى الإنساني على كوكب الأرض. إذ يعلن المؤلف بكل ثقة في مقدمة الكتاب أنه “حان الوقت لرؤية جديدة للطبيعة البشرية”. و”بيرغمان” (34 سنة)، باحث وكاتب هولندي، نشر حتى الآن ستة كتب في التاريخ والفلسفة والاقتصاد، أشهرها كتاب “يوتوبيا لغير الواقعيين: كيف يمكننا بناء العالم المثالي”. تُرجمت بعض كتبه إلى اثنتين وثلاثين لغة، ونُشرت عنها مراجعات تقريظية وسجاليّة في مجلات وصحف عالمية من بينها “النيويوركر” و”واشنطن بوست” الأميركيتان، و”الغارديان” البريطانية، التي وصفه أحد مُعلّقيها بـ “العبقري الهولندي للأفكار الجديدة”. نظرية القشرة” الزائفة يقول “بيرغمان” في المقدمة: “لو كان هناك اعتقاد جامع لطرفيّ النقيض من بين علماء النفس والفلاسفة والمفكرين، القدماء والمعاصرين على السواء، فهو الافتراض الضمني بأن البشر أشرار. إنه مفهوم احتل عناوين الصحف، وتشكلت القوانين التي تحكم حياتنا على أساسه. فمن ماكيافيلّي إلى هوبز، ومن فرويد إلى بینكر، زُرعت جذور هذا الاعتقاد الظالم عميقاً في الفكر الغربي. وتم تعليمنا أننا، أبناء الجنس البشري، أشرار، وأنانيون بطبيعتنا، وتحكمنا الغرائز البدائية. ولكن، ماذا لو لم يكن هذا الافتراض صحيحاً؟”. ينقض الكاتب، عبر نظرة طائر على تاريخ النوع البشري فوق كوكب الأرض منذ نحو 200 ألف عام، وحتى يومنا هذا، النظرية الفكرية السائدة عن كون البشر “عدوانيين” بالفطرة، ويطلق عليها اسم “نظرية القشرة”، التي ترى أن فكرة التحضر ليست سوى قشرة خارجية رقيقة اصطنعها الإنسان، وقد تتصدع فور أن تضرب الأوبئة والأزمات والظواهر الطبيعية المجتمعات. ويعتبر المؤلف هذه النظرية جزءاً من التراث السوداوي المتشائم للفكر الغربي، الذي تجلى في صور شتى أدبية وفكرية وفنية، لأُناس فضّلوا رؤية الجانب المظلم من الطبيعة البشرية، ربما لأنهم “أنفس ميتة” بشكل ما. ويتتبّع “بيرغمان” مساريّن متناقضيّن في الفكر الفلسفي الغربي، منذ عصر النهضة. المسار الأول يمثله توماس هوبز، المفكر الإنجليزي في القرن السابع عشر، المعروف بـ “فيلسوف التشاؤم”، والذي يعتقد أنه لن ينقذنا نحن البشر من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إلا “التمدّن والتحضّر”. أمّا المسار الفلسفي الثاني، فيمثله جان جاك روسو، المفكر الفرنسي المتفائل، حَسِن الظن بالطبيعة البشرية الخيّرة. وهي الحقيقة التي تقررها الأديان كافة، السماوية وغير السماوية، من منطلق أن الإنسان إنما خُلق على الفطرة السليمة. يركز المؤلف على الرسائل التربوية والإعلامية التي تُقنع البشر بخبث أنفسهم. يرى أن المناهج المدرسية تُخضع المتعلم لمنطق الطاعة بدلاً من الثقة، وأن شبكات الأخبار تقدم العالم كما لو كان ساحة تهديد مستمر. ويدعم رؤيته بنظرية “الانحياز السلبي” التي تجعل العقل يميل إلى تخزين الذكريات المؤلمة. لكن هذه الانتقائية تخلق فجوة بين الصورة والواقع. يدعو بريجمان إلى إعلام يهتم بقصص النجاح الجماعي، لأن الصورة التي نتلقاها عن أنفسنا تصبح واقعاً. وعبر مسح تاريخي ضافٍ، يؤكد “بيرغمان” أن حياة بني البشر في عصور ما قبل التاريخ، لم تكن بهذه الصورة الوحشية التي يجري تخيّلها في معظم الأحيان. والدليل على ذلك هو بقايا المجتمعات البدائية التي مازالت موجودة حاليا في غابات الأمازون وغينيا الجديدة، وحتى في مجاهل أفريقيا، فهي مجتمعات مسالمة ومنظمة إلى حد كبير، ولا يعتور أفرادها أي جنوح إلى العنف. كان هذا هو الوضع قديماً في جميع أنحاء الأرض، قبل أن تبدأ المجتمعات في تبني نُظم التسلسل الهرمي الاجتماعية، وتتشكّل الجيوش النظامية، ويتولى الساسة مقاليد الأمور. هنا، وفق المؤلف، برزت الظواهر غير السوية في المجتمعات الحديثة، ومن بينها التفاوت الطبقي، وعدم المساواة، وتشريع قتل الإنسان لأخيه الإنسان باسم الدفاع عن الأوطان، أو غير ذلك من المبررات التي لم يعرفها أجدادنا القدماء مطلقاً. فالبدائيون كانوا، في الواقع، أكثر لطفاً وإيثاراً لغيرهم على أنفسهم، وأقل قسوةً مما تفعله الحكومات والشركات العابرة للقارات في عصرنا الراهن، بمواطنيها وموظفيها! خرافة “سيد الذباب” يتطرق الكاتب إلى رواية “سيد الذباب” (Lord of the Flies) للروائي البريطاني المعروف وليم غولدنغ، وهي رواية رمزية مرعبة صدرت عام 1954، تناقش كيف تفشل الثقافة والحضارة في حماية الإنسان من الوقوع في براثن التوحش والشر المطلق، وتحكي عن مجموعة من الصبية تحطمت بهم طائرة في عرض المحيط الهادئ، فباتوا عالقين على جزيرة مهجورة، وحاولوا بعد وفاة كبار السن من الركاب خلال الحادث أن يحكموا أنفسهم، ويعيشوا في سلام على الجزيرة، فكانت النتائج كارثية، حيث تحوّل الصبية إلى عصابات متحاربة، يقتل بعضهم بعضاً. وينتقد “بيرغمان” رواية “سيد الذباب” بعنف، رغم أنها باتت من كلاسيكيات الأدب الغربي، معتبراً أنها مجرد أمثولة خرافية على الجانب المظلم للطبيعة البشرية غير السوية، ومؤكدا أن مؤلفها “غولدنغ” - نفسه- كان مجرد مُعلم مدرسة خامل الذكر، يعاني من اضطرابات نفسية، تمثلت في الاكتئاب الحاد والإدمان على الكحول والتوحد، وكان من بين “أسباب المتعة” لديه السعي إلى إلحاق الأذى بغيره من الناس! وفي موضع آخر، يتساءل عن سر تفرّد البشر بصفة استثنائية هي “الخجل” عند الشعور بالحرج. وهي الصفة التي لا وجود لها المملكة الحيوانية، والتي لم يجد عالم الأحياء الشهير تشارلز داروين لها تفسيراً علمياً، واعتبرها من أكثر المشاعر الإنسانية غرابةً: فكيف يكون شريراً في قرارة نفسه، من تظهر عليه أعراض جسمانية فريدة، و”يحمرّ وجهه خجلاً” عند اقتراف ما قد يُشين من أفعال؟ ويتناول المؤلف في القسم الثاني من الكتاب ما بات يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ “تجربة سجن ستانفورد”، التي أُجريت على مدار ستة أيام من عام 1971 بمعرفة الباحث الأمريكي فيليب زيمباردو، في جامعة بريطانية تحمل نفس الاسم، وتم تصويرها في فيلم سينمائي، لكي تثبت - في التحليل الأخير- أنك ستصبح “شريراً” عند أول فرصة سانحة! قامت التجربة المشهورة على تقسيم 24 من الطلاب والطالبات إلى مساجين وسجّانين، داخل سجن افتراضي أٌقيم خصيصاً في قبو الجامعة، مع إعطاء الحراس السلطة الكاملة للتصرف وفق ما يرونه مع زملائهم المسجونين. وكان من المقرر أن تستمر التجربة 14 يوماً، ولكن تم إيقافها بعد 6 أيام فقط، نظرا إلى العنف الشديد الذي أبداه “الطلبة السجّانون” تجاه أقرانهم السجناء، وهو ما أكد - حسب التجربة- أن البشر العاديين لديهم القدرة على ارتكاب أبشع أنواع القهر والتعذيب، بدم بارد، إذا ما أُتيح لهم ذلك. ويؤكد “بيرغمان” أن “تجربة ستانفورد” لم تكن عفوية على الإطلاق، كما ادعى الباحثون والطلاب المشاركون فيها، بل كانت تجربة مفتعلة بمعنى الكلمة، ومخططة سلفاً للوصول إلى النتائج ذاتها، التي رسمها “زيمباردو” مسبقاً، وفق اقترح قدّمه أحد الطلبة الساديين. وبذلك لم تكن هذه التجربة أكثر من “مسرحية مفبركة” صدّقتها الأوساط العلمية الدولية زمناً طويلاً، وخرجت بناءً عليها عشرات الدراسات والأبحاث! أمّا عن زمننا الحالي، فيرى المؤلف أن وباء كورونا كشف عن عدم المساواة والظلم غير العادييّن في هذا العالم، وأنه حين نُشرت قوائم ما يسمى “المهن الحيوية” العام الماضي 2021، كانت المفاجأة أن وظائف مرموقة مثل “مدير صندوق التحوّط”، و”اختصاصي الضرائب للشركات متعددة الجنسيات”، لم تكن ضمن هذه الوظائف، للمرة الأولى منذ عدة أعوام مضت، حيث ظهر جليّاً للعيان أن من يقوم بالأعمال الحيوية حقاً في عالمنا اليوم، هم العاملون الأقل أجراً في الرعاية الصحية، وقطاع التعليم، في النقل العام، والمحال التجارية، المعرّضون أكثر من غيرهم لمخاطر الوباء. ولكن القاعدة العامة هي أنه: كلما كان عملك أكثر خطورة، قلّ أجرك! والكتاب، في التحليل الأخير، هو رؤية فلسفية إنسانية تعيد الاعتبار إلى الخير في داخل الإنسان، ليس باعتباره وهماً رومانسياً، بل ظاهرة تاريخية مثبتة. يعلن أن العالم الذي نبنيه يتأسس على نظرتنا إلى أنفسنا، وأن التشاؤم ليس موضوعياً بل صناعة أيديولوجية. يدعو الكتاب إلى إعادة صياغة المؤسسات على أساس الثقة، لأن السيطرة المفرطة تجعلنا أسوأ. وفي النهاية، يؤكد أن التفاؤل استراتيجية وجودية لبناء مستقبل أقل خوفاً وأكثر إنسانية.