مرت على البلاد محنٌ وأهوالٌ ، كانت خلالها ميدان لحروب مستمرة ، حرمتها نعمة الامن والاستقرار طوال عقود من الزمن ، ومن البديهي ان لا يعيش الفن في جو من الوجل والضنك والشقاء ، بل هو وليد الطمأنينة والبهجة واليسر ، وخلت المدن النجدية الى ما قبل ثمانية عقود من الزمن من كل روح فنية ، الى اول عقد الثمانينات من القرن الهجري المنصرم ، حتى سمعنا ورأينا المطرب الحائلي المتفنن الشهير سالم الحويل ، سفيرا في الافراح والاتراح ، حياة الظرفاء سَفْر جليل لا تخلو صفحة من صفحاته من المثل العليا والدروس المفيدة ، شخصية فنية كتب لها الخلود في قلوب الشباب ، أوان ذاك ، ولم يصون النسيان ذكراه ، كأن يفرض على المستمع أن تهابه وتحترمه ، إنطوت نفسه على نبل أتاح له أن يكون فنه من أحب الفنون الى مجتمع الشباب ، نديم ومجلس ، يتحدى كل شجو في النفوس ، ويريه حربا من نوع آخر تنخذل فيها الأحزان ، وتنهزم الأشجان ، ويحل فيها الإنشراح محل البلايا والأتراح ، فنان من طراز فريد في الغناء والعود بين الناس ، وطول النَفَس ، يعبر بلسانه وأوتار عوده أجمل تعبير وأكمله عن شعور الناس مهما تباينت مناهجهم في الحياة وتفاوتت أمزجتهم وطباعهم ..( ألفية ابن عمار بكاملها ) ، و ( يحول أنا من جروح القلب ) .... الخ. كان في زمنه أحد المنشدين البارزين ، وكان أينما حل يأخذ حظه من الفن فكان يمزجه بألحانه العربية فيزيدها روعة وفتنة ، ثم عاد الى الرياض وفيها تلألأ مجده الفني ، كان في مجلسه مهيباً محبوبا ، خفيف الروح وفياً صفياً متواضعا نالت أغانيه الإستحسان ، كان يحب أن يرى تمجيد الناس له ، ويسمع إشادتهم بذكر فنونه وإنتاجه وهو بعض ما يجب ان يقول فيه عشاق فنه .. رحمه الله كان عزيز النفس ، يقدس المباديء ، ولا يحفل بالمال ، واذا صادف قلباً ذا شجون أثاره ، أقام بحائل الموطن حافظاً التراث الفني من قصائد قديمة ، وقصائد غزلية .. وهي من ألحانه ، ويميل الى النغمات النجدية ، كانت في غنائه مواقف فنية ، قوية عظيمة التأثير على قلوب السامعين ، فكم أثار صوته الأشجان وملك القلوب ، فانهارت عواطف عشاق الفن ، تذكروا فأبكاهم وأدمى قلوبهم .. تأثر فنه الغنائي بروائع الفن المجاور ، فإقتبس من ألحانه فكان يمزجها لتخرج فاتنة ساحرة. كان رحمه الله عليما بالفن الموسيقي ، وله معرفة تامة في علم النغمة والأوزان ، ويحفظ بعض الأدوار والموشحات القديمة ، وكان اختصاصه وميله في إنشاء القصائد التي كان يلحنها ، وصوته من الطراز المحلي الأول النادر في قوته ورخامته وحلاوته .. كانت روائع فنه صعبة المرتقى ، عزيزة المنال على غيره من الفنانين ، يحلل الأنغام على أصولها ،ويأتي بمواقعها ونغماتها بشكل قوي ساحر ، فاذا غنى إستلب بسحر صوته وشجوه الألبابَ .. غنى فكان لصوته حلاوة ، وأجاد المغنى فألهب عواطف السامعين وأسكرهم غنائه وصوته الذي فاق بسحره وسجيته حد الوصف .. فاذا خيمت على مشاعره نشوة التجلي في ساعة الطرب .. قلت هذا ملك الفن ، غنى ألفية ابن عمار الطويلة ، فلم يفتر عن المغنى حتى النهاية ، يجاوب من يكرر الطلب عليه من السامعين ، بل يجيد في الطرب اذا رأى تقدير الناس لصوته وألحانه ، ويتعكر صفوه اذا لم يجد التشجيع والإصغاء .. يمر بالمرء في هذه الدنيا الفانية ألوان من الناس وصور تختلف طبائعها وتتباين أخلاقها ، وكثير منها يمر كما يمر الطيف لا نحس به إلا حينما نجد مكانه فارغا ، ولا نأبه له .. لقد طوى الموت ما بين الفنان الحويل والناس ، فكان لموته أثر فاجع في نفوس محبيه ومن اصدقائه من هو أقدر مني على التحدث عنه بما يوفيه حقه .. ومع هذا فلا أجد بأسا بأن أقول في الفنان الحائلي كلمة يفيض بها الخاطر ، وينبغي أن ينطلق بها اللسان وفاءً .. إنتشرت أغانيه فتهافت الشباب على حفظها من الإسطوانات .. التي كانت تباع باسعار غالية..سمعته لأول مرة وهو يغني “ يحول انا “ فأدهشني صوته ، ووقفت في مكاني لها لا أريم كأنما ربط على قدميّ فلا تخطوان . عاش رحمه الله تعالى دمث الأخلاق لين الطباع ، ذكياً لا شطط ولا إغترار في نفسه وفنه ، مشرق الجبين ، حلو الحديث ، عزيز النفس ، يعيش من فنه كهاوِ ولم يحترف ، ولوشاء الإحتراف كغيره لحالفه التوفيق ، فقد كانت حياته الفنية قصيرة كحياة النحلة التي تجهد النفس لتمون الناس بشهدها الصافي ، فقد أنس رحمه الله للمرض وظل حياته الأخيرة في هذا الجحيم يستعذب الآلام ويرحب بالشقاء ، وقد صبر على أوجاعه وآلامه في صمت وسكون ، وكانت تثير كوامن عواطفه قصائد شعراء الغناء التي كان يتغنى بها ، وهي تنطق بالتوجع ولوعة المحبين ، وبالرغم من ان الهزال قد دبّ في جسمه ، فلم تنطفيء له بهجة ولم تذبل له عينان ، واذا آنسه عشاق فنه بزياراتهم ومقابلاتهم ، بعد أن حسّ بألم الفاقة وبؤس الحرمان قابلهم بالسكون وأنهار الدموع ، وتذكر ماضيه الفني بإحتراق وأسىً ، واشتعلت نار النحيب والأشجان في قلبه .. وكم من الخلصاء من قام بواجب مساعدته ولكن المرض إمتد به ، وجثم الفقر على حياة هذا الفنان ، والفقر والفن صنوان لا يفترقان ، ويندر أن ترى في ذاك الزمن فنانا مكتفيا في حياته ، فتاريخ الفنانين كلها فواجع ، مَنْ منا ينسى الحويل وهو يغني ، خداه عيناه ، ابتسامته كل أسارير وجهه تشترك مع نفسه الطروبة ، فاذا غنى وعزف على عوده ، حرّك القلوب والأشجان ، ويتفق أحيانا أن يغني المطرب وهو متأثر بحادثة ، أو أن تكون في الدور الذي يغنيه معان تتصل بعواطفه أو الحالة التي هو فيها ، وعندئذ يصبح المغني كفرد من الجمهور الذي يسمعه ويتأثر بغنائه حتى أنه ليبكي ، لقد غاض ذلك النبع الفياض ، وكان منهلا عذبا ، وانطفأت تلك الجذوة الفنية التي كانت تتقد وتلتهب حزنا وشدوا للمحبين .. لقد طوى الردى الفنان سالم الحويل ، وذاع نعيه ، لقد استسلم لريب المنون ، وختم حياته بالتأوه والأنين ، كما عاش فقيرا معدما ، فتأوه من مأسي الحياة ساجيا بالأنين والزفرات ، وإرتاحت منه نفس كانت كثيرة الآلام والأشجان ، وحب الوطن والناس جميعا ، وسكنت روح هذا البلبل الغريد الذي طالما أبكى العيون بشجوه وعوده ..