نال جائزة الملك فيصل ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى ..

البروفيسور منصور الحازمي.. مؤسس النهج العلمي في النقد .

يعد البروفيسور منصور الحازمي أحد أبرز الرموز الأدبية والنقدية المعاصرة، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل على مستوى الوطن العربي، حيث أسس لمنهج أكاديمي في دراسة الأدب والنقد، وعني بنقد الرواية التاريخية في العَالم العربي عامة، وبنقد الرواية والقصة القصيرة في المملكة خَاصة، كما أسهم في رصد الإنتاج النثري في المملكة، وكان له فضل الريادة في هذا المجال، وهو أيضًا شاعر مبدع ومؤلف غزير الإنتاج، وقد توجت مجهوداته وأبحاثه بنيله العديد من الجوائز الأدبية، أبرزها جائزة الملك فيصل عام 1421هـ، وميدالية الاستحقاق من الدرجة الأولى بأمر من خادم الحرمين الشريفين، ووسام تكريم من مجلس التعاون لدول الخليج العربي. ولد منصور بن إبراهيم بن عائج الحازمي في مكة المكرمة وتحديدًا في دحلة حرب، عام 1354 هجري الموافق 1935م، ووالده كان أمير منطقة آلاب بوادي الصفراء، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في المعهد العلمي السعودي بمكة، ثم ابتُعث إلى القاهرة عام 1374هـ، والتحق بقسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب جامعة القاهرة، ونال درجة الليسانس في الآداب عام 1378هـ. عمل إثر تخرُّجه عامًا واحدًا في المدرسة الثانوية النموذجية بمدينة الملك سعود في جدة، ثم انتقل في عام 1379هـ إلى الرياض ليعمل معيدًا في كلية الآداب بجامعة الملك سعود. وابتُعِث في بداية عام 1380هـ إلى لندن والتحق بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة لندن، وكان عنوان أطروحته للدكتوراه (الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث) وذلك في عام 1386هـ. خلال مسيرته الأكاديمية الممتدة أكثر من 35 سنة، تدرج الدكتور الحازمي في العديد من المناصب، وبعد عودته للوطن عيِّن مدرسًا في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1386هـ، وتدرّج في الترقيات العلمية فحصل على مرتبة أستاذ مساعد عام 1389هـ، ثم على مرتبة أستاذ مشارك عام 1394هـ، وأخيرًا على مرتبة أستاذ عام 1398هـ، وعُيّن عميدًا لكلية الآداب من عام 1392هـ إلى 1396هـ، فرئيسًا لقسم اللغة العربية وآدابها بين عامي 1397هـ و1399هـ، ثم عيّن بعد ذلك عميدًا لمعهد الدراسات الجامعية للبنات من عام 1401هـ إلى 1404هـ، ثم انتخب مرة أخرى رئيسًا لقسم اللغة العربية عام 1405هـ. نشاطه الأدبي والثقافي للبروفيسور الحازمي مشاركات بحثية وفكرية عديدة من خلال كتبه وبحوثه ومقالاته الكثيرة، وقد أسس مجلة كلية الآداب، وهي أول مجلة جامعية علمية تعنى بالآداب والعلوم الاجتماعية في المملكة العربية السعودية، وكان أول رئيس تحرير لها، إذ رأس تحريرها من عام 1390هـ إلى 1392هـ، وفي فترات متفرقة حتى عام 1401هـ، وقد نشر فيها الكثير من البحوث الأكاديمية المهمة في مختلف فروع المعرفة الإنسانية، وهي معروفة في معظم الجامعات والمكتبات في أنحاء العالم. كما شارك في هيئة تحرير مجلة الدارة منذ العام 1395هـ، وعمل عضوًا في اللجنة العليا للتخطيط الشامل للثقافة العربية التابعة لجامعة الدول العربية، وحصل على الميدالية الذهبية الكبرى على عمله بهذه اللجنة من المنظمة، وعضوًا في اللجنة العليا لجائزة الدولة التقديرية في الأدب بالمملكة، كما كان عضوًا في مجلس الشورى في المملكة. والدكتور الحازمي عضو في نادي الرياض الأدبي، وعضو مجلس الأمناء لجائزة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري، وانتخب عدة سنوات عضوًا في لجنة الاختيار لجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي. وقد ساهم في مختلف وجوه النشاط الثقافي في المملكة، وفي المؤتمرات الأدبية والثقافية المحلية والعربية والعالمية، إذ مثل المملكة العربية السعودية في عدة مؤتمرات محلية وعربية وعالمية منها: مؤتمر رسالة الجامعة في جامعة الرياض عام 1395هـ، ومؤتمر الأدباء السعوديين بجامعة الملك عبد العزيز في مكة المكرمة عام 1394هـ، ومؤتمر مستقبل الأدب والعلوم بالجامعة الأمريكية في بيروت 1394هـ، ومؤتمر المستشرقين في باريس 1393هـ، والمؤتمر العالمي للمكتبات في مدينة سيول عاصمة كوريا الجنوبية 1396هـ، ومؤتمر الوجود العربي الإسلامي في ثقافة الغرب بإيطاليا 1399هـ، ومؤتمر الحضارة الإسلامية واليابان في طوكيو 1400هـ، ومؤتمر رابطة أدباء العالم بمدينة سيول عاصمة كوريا الجنوبية 1408هـ. مؤلفاته ودراساته وأبحاثه ألّف البروفيسور الحازمي العديد من الكتب، منها كتاب (الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث) وهو رسالة دكتوراه باللغة الإنجليزية، قدمت لمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن في يوليو 1966م، وكتاب (محمد فريد أبو حديد – دراسة في أدبه الروائي) الصادر بالرياض عام 1390هـ، وله أيضًا (معجم المصادر الصحفية لدراسة الأدب والفكر في المملكة العربية السعودية) وكتاب (فن القصة في الأدب السعودي الحديث)، وكتاب (سالف الأوان) وأيضًا (ما وراء الأطلال)، وديوان شعري حمل عنوان (أشواق وحكايات)، وديوان (شالوم يا عرب)، و(من أشعار العلامة حمد الجاسر في شبابه) الصادر 2014م، وألّف أيضًا كتاب (في البحث عن الواقع) عام 1405هـ، وكتاب (مواقف نقدية) عام 1410هـ. وللدكتور الحازمي العديد من البحوث القيمة من أهمها: (تطور الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث) وأيضًا (المحاولات الأولى لنقد القصة في الأدب العربي الحديث) وكذلك (تقرير أولي عن وادي آلاب) وأيضًا (مشكلة الأقلية في الرواية التاريخية اللبنانية)، (شوقي في محاولاته القصصية)، (رحلات العرب إلى جزيرة العرب)، وبحث باللغة الإنجليزية بعنوان (الرواية التاريخية) وغيرها الكثير. واشترك الحازمي في تأليف كتاب (مختارات من أدب الجزيرة العربية: مترجمة إلى اللغة الإنجليزية)، وكتاب (الخطة الشاملة للثقافة العربية) الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالكويت عام 1407هـ، وكتاب (أدبنا في آثار الدارسين) مع الدكتور محمد الخطراوي والدكتور عبدالله المعطاني، وكتاب (ملامح عن ثقافة منطقة الرياض قبل الأندية الأدبية) مع الدكتور عبدالله بن إدريس والدكتور محمد الشويعر. الجوائز والتكريم حصل البروفيسور منصور الحازمي على ميدالية الاستحقاق من الدرجة الأولى عام 1402هـ، كما حصل على الميدالية الذهبية الكبرى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1408هـ، وعلى جائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب عام 1421هـ، وقد كرَّمه نادي الرياض الأدبي عام 2017، لدوره الرائد في إدخال النقد الأكاديمي في الأدب السعودي، كما كرَّمه مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة في الندوة الشهرية التي نظِّمت مساء السبت 1 صفر 1447هـ الموافق 26 يوليو 2025م، بحضور نخبة من اللغويين والأدباء وأصدقاء المُحتفى به وطلَّابه، تقديرًا لعطائه العلمي وإسهاماته البارزة في الأدب واللغة والثقافة. ورث الإخلاص من أبيه قال عنه الأستاذ محمد حسين زيدان في حفل تكريمه باثنينية عبدالمقصود خوجة (بتصرف): «الانتشار لا يفيد إلا إذا كان المنتشر منتصرًا، ومنصور الحازمي في كل ما وضع وفي كل ما تحرك كان ينتصر دائمًا، ذلك لأنه مخلِص، إخلاصه علمه، إخلاصه كونه ورث ذلك الإِخلاص من أبيه إبراهيم بن عائج، أنتم لا تعرفون أباه أما أنا فأعرفه.. فهو وطني صرف، أبوه رأس من رؤوس الحوازم.. مثَّل قبائل العرب كلها في الكيان الكبير يوم المؤتمر الإِسلامي الأول الذي عقد في مكة، كان يمثل كل القبائل ولا أريد أن أعددها، فكأنه كان يمثل الحجاز كله في ذلك المؤتمر. هو ومن إليه ومن معه كالشريف شرف عدنان وغيره، كانوا عونًا لعبد العزيز وكانوا عونًا لتأسيس هذا الكيان الكبير. فإبراهيم بن عائج لم يكن نكرة ومنصور لم يكن نكرة وإنما هم كل المعرفة لنا، فأبوه عظيم من عظمائنا، مثل الدور الوطني، لا يريد أن يرجع بنا إلى الوراء وإنما تقدم بنا إلى قدام، ومنصور كذلك لم يرد أن يرجع إلى الوراء فكل ما فعله كان متقدمًا به، يتقدم إلينا منتشرًا ومنتصرًا». حامل مشعل الكتابة عن الأدب الحديث وقال عنه الدكتور عبد الرحمن الأنصاري عميد كلية الآداب بجامعة الملك سعود في حفل تكريمه باثنينية الشيخ خوجة: «الاحتفال بالدكتور منصور الحازمي هو احتفال بجيل له دور كبير في مسيرة الثقافة بالمملكة العربية السعودية، الحقيقة إن الدكتور منصور من أولئك الشباب الذين جاءوا في الثمانينات إلى هذا البلد وكلهم أمل وتحفز وطموح، لم تغرهم المناصب ولم تغرهم المراكز ولكنهم دفنوا رؤوسهم بين الكتب وبين الأقلام والمحابر، وكتبوا بكل قوة وبكل طموح، كتبوا تراث هذا البلد وكتبوا عن فكر هذا البلد وكتبوا عن ثقافة هذا البلد، كان منصور الحازمي أحد هؤلاء الرواد، الذين حملوا مشعل الكتابة عن الأدب الحديث فأنصف الرواد الذين سبقوه، نجده في آخر كتاب أصدره، وقد أهدانيه الليلة الماضية، نجده أنصف كل أديب من أدباء هذه المملكة وكل أديب من الحجاز الذين قدموا كثيرًا من العطاء وقد عفا عليهم الزمن وقد نسيهم الشباب، ولكن منصور الحازمي بكل خلفيته التراثية وبكل خلفيته الحضارية استطاع أن ينفض عنهم غبار الزمن وأن ينشرهم للناس ليقرؤوا لهم من جديد، وليشير إلى عطائهم، وليشير إلى كل ما قدموه لهذا البلد. عندما عدنا من بريطانيا في سنة 1386، عدنا كما قلت وكلنا تحفز وطموح وكان أول عمل لي وله قدمناه سويًا في أول عدد من مجلة كلية الآداب هو بحث عن منطقته، عن قريته، عن باديته عن وادي آلاب، تكلم هو عن المنطقة جغرافيًا وتكلمت أنا عن المنطقة أثريًا ودرست كتابات آلاب، وأثار هذا الكتيب الصغير بعض الضجة، ولكنه كان عملًا علميًا مخلصًا من منصور الحازمي ومني. وسارت القافلة، كل يسير على طريقه ووصل منصور الحازمي إلى ما وصل إليه بكل جد وبكل إخلاص ونرجو أن يكون هذا الاحتفال بداية خير وبداية عمل جليل يقوم به منصور الحازمي فيما تبقى له، وأرجو إن شاء الله أن نحتفل في يوم ما بشيء أكبر وأجلّ من هذا الاحتفال يقدم إلى منصور الحازمي». ذائقة أدبية متميزة وكتب عنه أ. د. مرزوق بن تنباك في صحيفة (الجزيرة): «اتخذ الدكتور منصور الحازمي من موقعه في الجامعة، مكانًا صالحًا لربط مرحلتين مهمتين لمنهج الأدب في المملكة خاصة، وتعايش معهما محللًا ودارسًا وناقدًا، يعي رسالة الأديب ومواضع النقد، وتينك المرحلتين هما: نشأة أدب الصحافة في المملكة بعد توحيدها، وقيام الرواد والأوائل ولا سيما في صحافة الحجاز بنشر إنتاج أدبي ونقدي غزير في صحافة الأفراد في تلك الحقبة، فجعل كده إلى دراسة مرحلة تأسيسيه خطيرة في تاريخنا الأدبي، حيث توجه إلى الصحافة، بعضها مصدر للأدب وأوعية للنشر المتاح، وكان جهده البارز قد تمثل في دراسة ما نشر في صحيفة أم القرى وفهرسته حيث قدم عصارة فكره وجمع مادة كبيرة وجعلها بين أيدي القراء، في كتاب واحد هو جهد قد مضى فيه عقدًا أو عقدين من الزمان، حتى جُمع بين دفتي كتاب. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التأسيس كما يسميها الناقد الكبير منصور الحازمي، وكان هو في هذه المرحلة مشاركًا ومبدعًا في الشعر والقصة والمقالة، وناقدًا في نفس الوقت. كانت مرحلة التجديد هي أخصب فترة مرت بها رحلة الأدب والإبداع في بلادنا وشارك فيها كوكبة كبيرة، من الذين تأصل في إبداعهم الحس الأدبي الرفيع والذوق المرهف.. ومن حسن حظ الأدب أن يكون منصور صاحب ذائقة أدبية متميزة، أضافت إلى جمال الأدب مهارة الذوق وأصالة المعرفة، وقد استطاع أن يميز هذه المرحلة من مشواره الإبداعي بين قدراته ناقدًا ذواقًا يميل إلى الرفق وينادي بالإصلاح، وبين قدراته الإبداعية حين يعالج الأدب نثرًا أو شعرًا». البداية الحقيقية للأدب الحديث قال البروفيسور منصور الحازمي في محاضرة له أقيمت في لندن: «ومهما يكن من أمر فإن الحقيقة التي لا مراء فيها أن بداية العهد السعودي في الحجاز سنة 1924هي البداية الحقيقية للأدب الحديث في بلادنا، ذلك لأن الظاهرة الأدبية لا يمكن أن تقاس بالسنوات، بل لا بد من أن تكون مصاحبة لظواهر أخرى في حياة الأمة مادية ومعنوية. ولم يكن إعلان الدستور العثماني سنة 1908 ولا الثورة العربية سنة 1916 ضد الأتراك مما يهم المواطنين البسطاء في مدن الحجاز وبواديها وقد آذاهم الفقر والجهل والمرض قرونًا طويلة. ولا يمكن للأدب أن ينشأ من فراغ أو يقتات على شعارات براقة وأفكار مجردة. أما دعوة الملك عبد العزيز رحمه الله فقد كانت نابعة من ضمير الأمة ووجدانها، من العودة إلى الدين الحق وتحرير العقل من الأسطورة والخرافة وبناء الشخصية العربية على أسس ثابتة من المبادئ الإسلامية العظيمة التي تؤمن بالعلم والعمل وتدعو إلى الحرية والعدالة. والحقيقة أن العهد السعودي الحديث قد بدأ في نجد مع إطلالة هذا القرن قبل الدستور العثماني وقبل الثورة العربية، ولم يكن الحجاز سوى حلقة من حلقات العمل الوحدوي الذي أنجزه عبد العزيز على مدى ربع قرن أو يزيد من الجهاد والكفاح وفي موجات متتالية، وبالرغم من الإمكانيات الضئيلة للدولة وضيق مواردها الاقتصادية في ذلك الوقت، فإن عبد العزيز قد قام بالكثير من أوجه الإصلاحات المهمة وفي مقدمتها توطين البدو، وتوطيد الأمن، وتنمية الموارد، ونشر التعليم، والانفتاح على العالم الخارجي. أما الصحافة وهي وعاء الأدب والعاملة على نموه وانتشاره، فلم تشهد البلاد في أي فترة سابقة ما شهدته في عهد الملك عبد العزيز من نمو وازدهار في هذا الحقل الإعلامي المهم. فقد ظهرت في المدة الممتدة من سنة 1924 حتى وفاة الملك عبد العزيز سنة 1953، الكثير من الصحف والمجلات التي كان لها الفضل الأكبر في انتعاش الأدب ونهضته خلال تلك الحقبة، ومنها صحيفة أم القرى وصحيفة صوت الحجاز وصحيفة المدينة المنورة وصحيفة البلاد السعودية».