هايكو الطفل!.

  قدّم الباحث والشاعر القدير أحمد القيسي مبادرة تتمثل في برنامج تربوي أعدّه لتثقيف الطفل، سماه هايكو الطفل الموجّه، وهي  فكرة ابتكارية ومبادرة رائدة  من جهة تنشئة الطفل على النظر التأملي المكثف والمتناغم مع الطبيعة، وفيه استعادة لأثر الطبيعة في تشكيل المخيلة من أجل انتزاع الأطفال من عالم الآلة. الأهم هنا هو بناء رؤية إسلامية لهذه المهاكاة وقلع الهايكو من تربته اليابانية وغرسها في تربة جديدة تتفاعل مع الطبيعة بفعل تدبّري لا يقف عند حدود التأمل المطلق. هذا التفاعل مع صيغة إبداعية يعدّ، فيما أعتقده، من المثاقفة الراشدة، التي تبحث عن طرق جديدة للتفاعل الإبداعي ومد جسور بين اللغة والطبيعة، اللغة في كثافتها والطبيعة في امتدادها لفتح نافذة جديدة. ومن المهم، في هذا السياق، التأكيد على الرؤية وبناء التصور قبل الدخول في تفاصيل المهاكاة؛ فالهايكو فن ياباني يرتبط برؤية للوجود، وهي رؤية تأملية تقف عن حدود الاتحاد بالكون في صيغة تمارين يراد بها الفناء في الكون الطبيعي بحسب الرؤية اليابانية من خلال الانسجام الإيقاعي مع إيقاع الطبيعة. وتجاوزُ هذه الرؤية إلى التأمل باللغة والتفاعل مع الطبيعة ضمن منظور تدبّري يتيح لهذه المبادرة أن تعيد إنتاج الهايكو وتكييفه مع الغاية التربوية والتأملية لتكون الفرصة متاحة لأطفالنا أن يستثمروا هذا الفن في تعلّم لغة الفن المقتصدة العالية وسلوك التأمل الحرّ، والتفاعل مع الطبيعة من جديد خارج العالم الرقمي الذي شحبت به عوالم الطفل الوجدانية والوجودية لحساب عوالم رقمية جففت لديه ينابيع الخيال والتأمّل.  يأتي الهايكو  في هذه المبادرة باعتباره مسارا موازيا لفن الرسم الذي يبدأ به الطفل تشييد عالمه الخيالي؛ لكنه هذه المرة تشكيل باللغة، لا باللون، وحين تتكامل لغة الطفل مع اللون سنحصل، حتمًا، على لغة صقيلة ولون مشع، وستكون تجربة الطفل مع اللغة تجربة تأملية تصقل وجدانه قبل لسانه وتعيده إلى عالم الطبيعة في الوقت الذي تدخله في عالم اللغة من باب التأمل والخيال والوصف الدقيق.