رواية الفريسيَّة لفرونسوا مورياك ..

لوحة أدبية تغوص في الأرواح البشرية .

أحد أهم رواد الأدب الفرنسي في القرن العشرين، جمع بين الكتابة الروائية العميقة والالتزام السياسي والروحي، انه الأديب والكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك Franois MAURIAC (1885-1970) الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1952. يُعد مورياك من أبرز الكتاب المحلّلين للنفس البشرية، إذ عكف على دراسة النزعات المتشابكة التي تنشأ عن صراع الأضداد كالفضيلة والرذيلة والقداسة والخطيئة وطبيعة الإنسان الممزقة بين المثل العليا والواقع المادي، وهو بهذا يمنح القارئ فرصة لفهم الأسباب الخفية للأفعال البشرية وكيفية تفاعل الشخصيات مع ضغوط المجتمع والقيم الدينية حيث تتلاقى البنية الأدبية مع العامل النفسي في لوحة متكاملة تسمح بفهم الأرواح البشرية. من المعروف عن فرانسوا مورياك أنه ساهم في جهود المقاومة ضد الاحتلال النازي عبر الصحافة السرية، ليصبح بذلك الأكاديمي الوحيد الذي انضم إلى المقاومة الفكرية. من خلال روايته «الفريسيَّة» وهي طائفة يهودية تنتمي إلى العصر الكلاسيكي القديم، يقدم مورياك، في إطار سردي متقن، نقدا لاذعا لنظام فيشي، عندما سلّط كاتبنا الضوء على الأبعاد الأخلاقية والسياسية للسلطة القائمة آنذاك ابّان الاحتلال الألماني لفرنسا. تأتي هذه الانتقادات ضمن مجموعة من القضايا الإنسانية التي تناولتها رواية «الفريسيَّة»، الأمر الذي يعكس موقفه من الانحراف الأخلاقي والسياسي في فرنسا خلال تلك الحقبة الزمنية من تاريخ فرنسا الحديث. كتب مورياك روايته «الفريسيَّة» في النصف الثاني من عام 1940، فعاد إلى أدب المواجهة طارحا أسئلة شغلتْه منذ شبابه وتوزّعت في جميع أعماله. تكشف هذه الرواية لفرانسوا مورياك عن سرد روائي نقدي لمبالغات التطرف الديني حين يتحول الايمان الى كبرياء وقسوة. يحمل هذا العمل رؤية نقدية واضحة عبّر عنها كاتبنا صراحة في حوار له مع جون أمروش Jean Amrouche، في كتابه ذكريات مسترجعة الصادر عام 1980، قائلا: «كنت أعرف تماما ما الشيء الذي أقف ضده، وما الذي أردت التعبير عن رفضي له.» في هذا العمل، سخّر فرانسوا مورياك قلمه ضد التديّن الزائف، وضد دين المظاهر واليقينيات، ذلك الدين المنحرف الذي يُستَخدم كمطية لتحقيق إرادة السطوة والهيمنة التي تمتد بجذورها الغامضة إلى حياته نفسها، وهو ما يعترف به في الحوار ذاته مضيفا: «إن كثيرا من أبطالي، بل معظمهم كان لديهم رغبة جامحة في فرض سيطرتهم على الآخرين.» تأتي أحداث رواية «الفريسيَّة» في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث يروي الفتى لوي بيان، يتيم الأم، قصة حياته. يبدأ العمل بوصول العقيد دو ميربيل إلى المدرسة الداخلية لزيارة ابن أخيه جون، يتيم الأب. كانت طبيعة الحياة المدرسية قاتمة. كان لوي وجون يتحدثان عن عطلة الصيف المقبلة، فكان جون يخشى ألا يُسمح له بقضائها مع والدته في منطقة لا ديفيز، وأن يتم نقله إلى مدرسة الكاهن في منطقة بالوزاك. بينما سيذهب لوي إلى منطقة لارجوزون المجاورة. تدور أحداث الرواية الرئيسية حول السيدة الفريسيَّة الشرسة الملتزمة بالشكل الظاهري للتعاليم الكاثوليكية أكثر من الجوهر، وتستعمل ضميرها اليقظ في تقييم سلوك الآخرين بكل ما أوتيت من قسوة. تلك المرأة المتشددة، التي ظنّت أنها تلامس تخوم القداسة، مضت في حياتها بخطى من يعتقد أنّه صاحب سلطان مطلق على من حوله، بينما أدي ضيق أفقها وتعنتها إلى دمار من حولها. جمعت الصدقات، لكن ليس لمجرد مساعدة الآخرين، بل كأداة للسيطرة عليهم ومراقبتهم عن كثب. ان هذه السيدة الفريسيَّة التي تتزوج للمرة الثانية تجد نفسها عالقة في صراع دائم مع زوجها وأطفاله، الذين ينظرون إليها باعتبارها دخيلة عليهم ولا مكان لها بينهم. يشعر أفراد العائلة بسلطتها الخفية، كأن كل تصرف يجب أن يُقاس بمعاييرها الصارمة. فالابن، الذي لا يزال في طور التشكيل النفسي، يجد نفسه متأثرا بشدة بهذا الإكراه الروحي، فتتشابك فيه مشاعر الولاء والخوف مع الرغبة في التمرد، الأمر الذي يخلق عنده صراعا داخليا مستمرا بين حاجته إلى الحب والإعجاب ورغبته في الاستقلال. أما الابنة، فهي تعيش شعورا دائما بالرفض والغضب تجاه هذه الحاضنة المتسلطة، فتتصرف بعنف، وتحاول مقاومة سلطة زوجة أب تعتبرها مهيمنة. تتخلل الحياة اليومية مواقف صغيرة لكنها مشحونة بالضغط النفسي: وجبات الطعام التي تتحوّل إلى ساحة للمراقبة والمحاكمة، الأحاديث العائلية التي تختلط فيها نصائح دينية بالتهكم واللوم، حتى اللحظات الهادئة في المنزل لا تخلو من إحساس بالتهديد المستمر. ومع مرور الوقت، يصبح الورع المدمر لهذه المرأة مصدرا لمأساة حقيقية، تغرق العائلة في معاناة عميقة، حيث يمتزج الألم بالغضب، والانكسار بالرغبة في التحرر، تاركا أثرا نفسيا سلبيا على الجميع. يتناول هذا العمل الروائي، «الفريسيَّة»، موضوعات هامة لا تنحصر فقط في حتمية النفاق الاجتماعية واليقظة الروحية عند بعض الشخصيات وسطوة المظاهر الدينية المنبثقة من التعاليم الكاثوليكية عند البعض الآخر، بل وتمتد الى مفهوم القداسة ومكانة المرأة ومسألة الوشاية. غير أنّ القيمة الكبرى لهذه الرواية لا تعود فقط إلى رؤية كاتبنا الجديدة التي طرحها حول قضايا أخلاقية متكررة، بل إلى أن هذه الرؤية تمثل واحدة من أفضل الرؤى، ومن أكثرها نفعا وخصوبة في استثمار تجربته العقائدية لخدمة فنه الروائي. فهي تشكّل مرحلة مفصلية في مسيرته الأدبية بسبب التغيير الكبير الذي أدخله على تقنيته السردية. ختاما: نستطيع القول بأن الفن السردي عند فرانسوا مورياك، الذي أضفى على شخصياته عمقا نفسيا، أتاح للقارئ استكشاف الدوافع الداخلية لشخصياته وما صاحب ذلك من تناقضات ورغبات مكبوتة، كما سمح له بالغوص في الدواخل البشرية والانغماس في الصراعات النفسية. نعم، نجح مورياك في مزج التحليل النفسي العميق بالسرد الأدبي خاصة عندما تتصادم المثل العليا مع الرغبات النفسية. رغم كل هذا، ومع قدرة القارئ على تقدير الأسلوب الكلاسيكي المتميز لمورياك، إلا أن الكاتب، خاصة في نهاية الرواية، غاص في جدليات روحانية وأخلاقية ودينية بدت شاقة وعصية على الفهم ومملة في أحيان كثيرة. * أكاديمي وكاتب ومترجم مصري