يحتلّ كتاب «العصب والصحة النفسية» للأستاذ الدكتور ظريف باي عبادالله يف مكانة راسخة في المشهدين الطبي والإنساني في أوزبكستان. فهو ليس كتابًا أكاديميًا جامدًا، ولا دراسة سريرية بحتة، بل عمل يجمع بين الملاحظة الطبية الدقيقة والخبرة العملية الممتدة لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا في علاج المرضى الذين يعانون من الاضطرابات العصبية والنفس-جسدية، ومشكلات التوتر والانهيارات السلوكية. ومنذ صدور طبعته الأولى، وجد الكتاب طريقه إلى شرائح واسعة من القرّاء، حتى بلغ طبعته السادسة مؤخرًا، وهو ما يعكس حاجة المجتمع إلى معرفة علمية مبسّطة، وإلى خطاب يعيد للإنسان ثقته بقدرته على تجاوز الآلام النفسية والجسدية. ولعلّ هذه القيمة هي التي فتحت الباب أمام انتقال الكتاب إلى ثقافات أخرى؛ فصدرت ترجمته إلى اللغة التركية عام 2023، ثم ظهرت ترجمته العربية عام 2025 ضمن مبادرة »ترجم« التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، فيما يجري حاليًا إعداد ترجمته الإنجليزية للنشر في الولايات المتحدة الأمريكية. تحاول هذه المقالة تقديم قراءة تحليلية للكتاب من حيث محتواه العلمي والإنساني، ثم تتناول تجربة الترجمة العربية، وتناقش أثر هذا النوع من الأدب الطبي-الإنساني في المجتمع العربي المعاصر. يُعدّ الأستاذ الدكتور ظريف باي عبادالله يف واحدًا من أبرز الأسماء في طبّ الأعصاب والطبّ النفسي في أوزبكستان. فقد أمضى عقودًا طويلة في المستشفيات والعيادات، يتعامل يوميًا مع أنماط متعددة من الأمراض العصبية والاضطرابات المرتبطة بالقلق، والإجهاد الذهني، والصدمات الاجتماعية. ومن خلال هذه التجارب تشكّلت لديه رؤية شاملة للعلاقة بين الجسد والعقل، وتأثير البيئة الاجتماعية في تدهور الحالة النفسية أو تحسّنها. ويمتاز أسلوبه بأنه لا يكتب بلغة المختبر وحدها، ولا يخاطب الأطباء فقط، بل يقدّم معرفة يسهل على القارئ العام فهمها دون أن تفقد قيمتها العلمية. فكل حالة يوردها في كتابه ليست رقمًا سريريًا فحسب، بل حكاية إنسانية تحمل ألمًا وأملًا، وانكسارًا أو تعافيًا، مما يجعل الكتاب جزءًا من الأدب الإنساني بقدر ما هو مرجع في الطب النفسي العصبي. يضمّ الكتاب عشرات القصص الواقعية التي واجهها المؤلّف في مسيرته المهنية، وتتنوّع بين الاضطرابات النفس-جسدية، والانهيارات العصبية الناتجة عن الضغط العائلي، وحالات الخوف المرضي، والتوتر المزمن، وأمراض لا يجد لها الطبّ الحديث سببًا عضويًا واضحًا. وتكمن قوة الكتاب في قدرته على تفسير العلاقة الدقيقة بين الانفعال النفسي والتجلّي الجسدي؛ إذ يوضّح المؤلّف أن كثيرًا من الآلام الجسدية ليست سوى لغة أخرى يعبّر بها العقل عن معاناته، وأن علاج الجسد يبدأ في كثير من الأحيان بعلاج النفس وإعادة التوازن إلى الحياة اليومية. كما يوجّه الكتاب رسالة واضحة مفادها أن ضعف الوعي الأسري، والأخطاء التربوية، والضغوط الاجتماعية، جميعها تسهم في إشعال شرارة الاضطرابات النفسية لدى الأطفال والبالغين. ومن هنا تبرز قيمته التربوية، إذ يقدّم حلولًا عملية ونصائح سلوكية وخطوات تساعد القارئ على فهم ذاته والتعامل مع المشكلات قبل تفاقمها. يرتبط «العصب والصحة النفسية» ارتباطًا وثيقًا بواقع المجتمع الأوزبكي، حيث ما تزال التقاليد العائلية الصارمة، وضغط البيئة الاجتماعية، والاعتماد المحدود على العلاج النفسي المهني، عواملَ مؤثرة في الصحة العقلية. وقد نجح المؤلّف في تسليط الضوء على هذه الظواهر بأسلوب يجمع بين النقد الهادئ والتحليل العميق. ولا شكّ أن صدور ست طبعات من الكتاب دليل على أن المجتمع وجد فيه نافذة جديدة لفهم ذاته، والتصالح مع فكرة المرض النفسي التي ظلّت لفترة طويلة موضوعًا مسكوتًا عنه. تأتي الترجمة العربية للكتاب في وقت يشهد فيه العالم العربي ارتفاعًا ملحوظًا في الوعي بقضايا الصحة النفسية، خاصة بعد جائحة كورونا، وما رافقها من تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. وقد أُنجزت الترجمة ضمن مبادرة «ترجم» التي تدعم نقل الأعمال العالمية إلى العربية، وأتاحت للكتاب فرصة الوصول إلى قارئ جديد يتشارك مع القارئ الأوزبكي همومًا متقاربة تتصل بالتوتر والقلق وضغوط العمل والحياة الأسرية. ولا تمثّل الترجمة العربية مجرّد نقل لغوي، بل تشكّل جسرًا للحوار الثقافي بين أوزبكستان والعالم العربي، لا سيما في ظل التطور الملحوظ في العلاقات العلمية والثقافية بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة. وخلال عملية الترجمة، جرى الحرص على استخدام مصطلحات عربية راسخة في الطب النفسي والعصبي، مثل: الاضطراب النفس-جسدي، القلق المزمن، التحليل السلوكي، الارتكاس العصبي، وغيرها، بما يجعل النص مقبولًا لدى المختصين وواضحًا في الوقت ذاته للقارئ العام. ومن أهم أهداف الترجمة نقل روح التعاطف والدفء التي تميّز النص الأصلي؛ فالمؤلّف يكتب بلهجة الطبيب والإنسان معًا. وقد سعت الترجمة إلى الحفاظ على هذه النبرة عبر جمل هادئة، ووصف إنساني للحالات، وتجنّب المصطلحات الجافة، واعتماد لغة وجدانية قريبة من القارئ العربي. ويعتمد النص العربي على الترجمة التفسيرية المخلِصة للمعنى أكثر من الترجمة الحرفية، وهو اختيار واعٍ ينسجم مع طبيعة الكتاب بوصفه نصًا إنسانيًا لا دليلًا تقنيًا جامدًا. وتتمثل قيمة الكتاب للقارئ العربي في كونه يبني جسرًا بين العلم والحياة اليومية، ويزوّده بأدوات لفهم نوبات القلق، وآلام الرأس غير المبرّرة، واضطرابات النوم، والإرهاق العصبي، والعلاقة بين الخوف والمرض الجسدي، ليغدو أداة للتثقيف الصحي وتعزيز الوعي الاجتماعي بأهمية العلاج النفسي. ولا تزال كثير من الأسر العربية تنظر إلى المرض النفسي بوصفه عيبًا أو ضعفًا، غير أن هذا الكتاب يقدّم رؤية مغايرة، تؤكد أن المرض النفسي جزء من الطبيعة الإنسانية، وأن علاجه ممكن، وأن طلب المساعدة دليل قوة لا ضعف. ويُعدّ «العصب والصحة النفسية» نموذجًا لما يُعرف اليوم بالطبّ الإنساني، وهو توجّه عالمي يدمج بين المعرفة العلمية والتجربة الإنسانية الواقعية، ويحتاج إليه العالم العربي في ظل تصاعد الضغوط النفسية. إن انتقال الكتاب من الأوزبكية إلى التركية ثم إلى العربية، وقريبًا إلى الإنجليزية، يعكس أهميته وقدرته على مخاطبة الإنسان في كل مكان، محوّلًا تجربة محلية إلى تجربة إنسانية عالمية. ومع صدور الترجمة الإنجليزية المرتقبة، تتاح للكتاب فرصة الوصول إلى الجامعات ومراكز الطب النفسي ودور النشر العالمية. وليس «العصب والصحة النفسية» مجرّد موسوعة طبية، بل شهادة إنسانية عن الألم والخوف والأمل والإرادة. وهو نصّ يذكّر القارئ بأن الاضطرابات ليست نهاية الطريق، بل بداية فهم أعمق للذات. وقد منحت الترجمة العربية هذا الكتاب حياة جديدة، وقدّمت للقارئ العربي تجربة إنسانية عميقة تستحق أن تكون جزءًا من مكتبته المعاصرة. * جامعة الدبلومات،طشقند- أوزبكستان