في ديوان « هيولى» لمعبر النهاري وسعاد أبوشال ..

صوتان شعريان لا يذوب أحدهما في الآخر .

يأتي ديوان هيولى بوصفه تجربة شعرية مشتركة لا تقوم على مبدأ الجمع أو التوازي بل على فكرة التكوين، فالعنوان نفسه يحيل إلى المادة الأولى، إلى ما قبل اكتمال الشكل وإلى الوجود وهو في حالته السائلة القابلة للتشكل والتحول، من هذه العتبة يدخل القارئ إلى نص لا يدعي الاكتمال بل يتقصد القلق ويجعل من الشعر مساحة اختبار للذات وللعشق وللغة في آن واحد تتحقق خصوصية هيولى في كونه نصا ذا صوتين لا يلغيان بعضهما ولا يذوب أحدهما في الآخر بل يتجاوران في علاقة توتر خلاق، فالديوان لا يقدم شاعرا يكتب وشاعرة تجاوره، بل يقدم رؤيتين للوجود تنطلقان من مادة واحدة وتصلان إلى تعبيرين جماليّين مختلفين، من هنا تصبح القراءة الحقيقية للديوان قراءة للعلاقة بين الصوتين بقدر ما هي قراءة للنصوص ذاتها في نصوص معبر النهاري يبرز الهاجس الوجودي بوصفه منطلقا أساسيا، العشق عنده ليس حالة وجدانية مكتفية بذاتها بل سؤال وجرح ووسيلة لاختبار معنى الكينونة، القصيدة لا تتجه إلى البوح المباشر بل إلى الرؤيا، اللغة كثيفة متوترة مشبعة بالانزياح وتتحرك في مناطق الصدع والنقص والزمن المتآكل، المفردة ليست بريئة ولا عاطفية خالصة بل محملة بتاريخ رمزي وثقافي يجعل النص مفتوحا على التأويل ويجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى، لهذا تبدو قصائد معبر أقل انسيابا لكنها أكثر عمقا من حيث الاشتغال على الأسئلة الكبرى، الذات الفقد الانكسار والبحث عن معنى وسط هشاشة العالم في المقابل تتقدم شاعرية سعاد أبو شال من منطقة وجدانية مختلفة، القصيدة عندها تنطلق من العشق بوصفه يقينا لا سؤالا، ومن الامتلاء لا النقص، اللغة غنائية شفافة تعتمد على الإيقاع والتكرار والنداء، وتراهن على التأثير العاطفي المباشر، الصورة الشعرية هنا احتفالية حسية مشبعة بالأنوثة والضوء والجسد، لا تسعى إلى تعقيد الدلالة بقدر ما تسعى إلى إشاعة الدهشة وبناء حالة شعورية مكتملة، نصوصها أقرب إلى الإنشاد وأكثر قابلية للتلقي السريع لكنها لا تخلو من وعي جمالي يجعلها بعيدة عن السطحية أو الاستهلاك العاطفي هذا الاختلاف في المنطلق والرؤية ينعكس بوضوح على طبيعة اللغة عند الطرفين، لغة معبر النهاري لغة تفكير وتأمل تتقصد البطء وتراكم المعنى عبر الصمت بقدر ما تراكمه عبر الكلام، أما لغة سعاد أبو شال فهي لغة إحساس تنساب بثقة وتبني أثرها من خلال الموسيقى والدفء العاطفي، وبين هذين المستويين تتشكل المساحة الجمالية للديوان مساحة لا تقوم على المفاضلة بل على التكامل أما الصورة الشعرية في هيولى فهي عند معبر أداة معرفية وعند سعاد أداة احتفال، الأولى تسأل وتقلق والثانية تدهش وتحتضن، كذلك الإيقاع إيقاع داخلي خافت عند معبر يقوم على التوتر الدلالي، وإيقاع ظاهر غنائي عند سعاد ينهض على الوزن والإنشاد ومع ذلك لا يبدو هذا التفاوت خللا بنيويا بل جزءا من هوية الديوان نفسه، وكأن الهيولى لا تكتمل إلا بوجود هذين القطبين قطب السؤال وقطب اليقين من هنا لا يمكن قراءة هيولى بوصفه ديوان حب تقليديا ولا بوصفه ديوان حزن أو تأمل فلسفي خالص بل بوصفه محاولة لالتقاط الإنسان في لحظة بينية بين الامتلاء والانكسار، بين الرغبة في الذوبان والرغبة في الفهم، قوته الحقيقية تكمن في هذه المسافة الخلاقة بين الصوتين حيث لا يطغى أحدهما ولا يتحول الآخر إلى صدى بل يتجاوران ليقولا إن الوجود لا يرى من زاوية واحدة وإن الشعر مثل الحياة لا يصاغ إلا من التناقض وإذا كان يؤخذ على الديوان ميل بعض النصوص إلى الإطالة أو تشابه بعض الصور داخل كل تجربة على حدة فإن ذلك لا ينتقص من قيمته بوصفه مشروعا واعيا يشتغل على اللغة بجدية ويقترح تجربة مشتركة نادرة في المشهد الشعري، هيولى ليس كتابا عن اكتمال المعنى بل عن تشكله المستمر وعن الشعر وهو يحاول أن يمسك بما يتفلت دائما، الإنسان والحب والوجود