الحرية التي تصنعها النفس.

حينما تسخر من شخص، لتقلل منه، وتصنع ما يشوه سيرته، وتتجاوز ذلك إلى حبكة خيالية من إعدادك، تكيل له فيها أصنافًا من الصفات وتستطرد في الحديث عنه، فإنك في الحقيقة تبني أسوارًا من الكيد حول نفسك قبل أن تصيب الآخرين. فكل محاولة للنيل من سيرة عطرة بناها شخص آخر، وكل قراءة خاطئة لصعوبات الحياة التي واجهها، تتحول إلى سجن داخلي لك، بينما تصوّر لنفسك أنك المدبر الخفي، الباحث دائمًا عن من دبر ذلك. ثم تتبدد صورك بينك وبين نفسك، وتستثمر أوقاتك في الكيد للآخرين، حتى يصل بك الأمر إلى مرحلة يصبح فيها كل ضحك صادق، وكل نجاح صغير، مصحوبًا بشكوك وريبة. تدرك ببطء أن كل صفّة أساءت إطلاقها عن الآخرين، وكل محكمة وهمية قضيت بها على سيرتهم، هي انعكاس لما بداخلك: شعور بالنقص، أو الخوف، أو الغيرة. وهنا، يبدأ وعيك يشعر بثقل الكلمات التي كتبتها أو فكرت فيها، وكأنها سلاسل تصيبك قبل أن تصيبهم، تُكبّلك عن الرؤية الصافية، وتجعل قلبك سجينا في عالم من الشك والمطاردة الخيالية. ومع مرور الوقت، يدرك عقلك أن الطريق الذي اعتقدت أنه مغلق أمام الآخرين، لم يكن مغلقًا إلا أمام قلبك وعقلك، وأنك أنت من أقفل الأبواب بمفتاح الكيد. فتصبح لحظات الهدوء نادرة وثمينة، لأن السلام لا يأتي إلا عندما تتوقف عن تحويل كل موقف إلى مؤامرة، وكل نظرة إلى غرض شخصي، وتبدأ في رؤية العالم كما هو، لا كما أراد الخيال الغاضب أن يصوره. ثم، في صمت عميق، تبدأ الحقيقة بالنفاذ: الحرية لا تُمنح من الخارج، ولا يُقاس نجاحك بإسقاط الآخرين، بل تُصنع داخليًا حين تتخلى عن حبكة الكيد، وتترك الخيال الذي شوه الواقع، وتسمح لذاتك بأن تتنفس بلا قيود. وتدرك أن النيل من الآخرين لم يزدهم إلا صمودًا، بينما بقيت أسيرًا لأوهامك. فتبدأ الرحلة الحقيقية: مواجهة نفسك بصراحة، الاعتراف بالجرح الداخلي الذي دفعك للانتقام، وتنظيف المرآة التي انعكس فيها كل التشويه والغياب. تدريجيًا، تتحرر من عبء الصراعات الوهمية، وتستعيد القدرة على النظر إلى الناس بعين صافية، على الحياة بعقل هادئ، وعلى نفسك بلطف وصدق. ثم تبدأ بإعادة كتابة نفسك، ليس بأقلام الآخرين، ولا بألوان الكيد التي اعتدت صبغ العالم بها، بل بقلم الحقيقة والصدق، وبألوان التسامح والوعي. كل موقف وكل شخصية تصادفها تصبح فرصة للفهم العميق، لا مادة للخيال المؤذي. تتعلم أن القوة ليست في إيقاع الأذى بالآخرين، بل في القدرة على التصالح مع ما بداخلك، وفهم أن الأخطاء والجرح جزء من رحلة الحياة، وليست أدوات للاقصاء أو الانتقام. ويأتي الوقت الذي تدرك فيه أن السلام الداخلي هو أعظم انتصار: أن تتوقف عن البحث عن مدبر خفي، عن مؤامرة تتخيلها، عن عدو وهمي، لتكتشف أن كل تلك المعارك كانت تدور بينك وبين نفسك فقط. وعندها، يصبح كل يوم جديد فرصة لإطلاق نفسك من سجن الخيال المؤذي، ولإعطاء العالم ولذاتك فرصة للنمو بلا سموم، بلا ظلال الماضي الثقيلة، وبلا كيد يعيق الحركة نحو الصفاء ا