الرواية كحوار مع الزمن.

عند الانخراط في قراءة أي عمل روائي أو قصصي، لا يكون مرور القارئ بين السطور فعلاً عابراً أو نظرة سريعة لالتقاط الحكاية، بل هو عبور داخلي أعمق، يتقاطع فيه النفسي بالإنساني، ويتجاوز حدود الزمن والمكان. فهناك أعمال روائية خالدة ما زالت تسكن الذاكرة الجمعية للقراء رغم مرور عقود طويلة على صدورها، وليس سر بقائها إلا ذلك العمق الفلسفي الكامن في نصوصها، والأسئلة المفتوحة التي لم تفقد قدرتها على الإرباك. ومع القراءة المتأنية والتحليل، يتجاوز القارئ دوره التقليدي ليصبح مختبراً إنسانياً قائماً بذاته، يُسقط على النص تجاربه الخاصة، ويفككه وفق ما مرّ به في جوهره، ليستخلص منه ما ينسجم مع تجربته. وهنا يدرك أن القراءة العميقة لا تمنحه أجوبة جاهزة، بل تضعه أمام أسئلة مؤجلة، تُربك يقينه وتعيد ترتيب شتاته ، وكأن النص لا ينتهي مع الصفحة الأخيرة، بل يواصل الكتابة داخل خلاياه ووعيه. خلال حضوري إحدى الأمسيات الأدبية، طُرح سؤال جوهري حول ديمومة الرواية: هل تشيخ الأعمال الأدبية؟ وهل من المشروع إعادة تقديم عمل سابق بصيغة تتلاءم مع العصر الحديث بما يحمله من تسارع وتكنولوجيا وتعقيدات نفسية جديدة؟ بمعنى آخر، إذا كان العمل الذي كُتب في ستينات القرن الماضي قد عبّر بصدق عن أسئلة زمنه، فهل يمكن اليوم إعادة طرح تلك الأسئلة بروح معاصرة تستوعب تحولات الحياة الحديثة؟ فقد تغيّرت الانفعالات النفسية والعاطفية، وتبدلت طبيعة العلاقات الإنسانية، فهل ثمة من يرصد هذه التحولات بدقة ويعيد صياغتها روائياً بأفق أوسع، أم أن الاستمرار في النهج الروائي القديم ما زال كافياً؟ وإذا نظرنا إلى الفلسفة، نجد أنها عادت إلى الواجهة بصيغ حديثة عبر كتّاب مثل آلان دو بوتون، الذي قدّم أفكاراً فلسفية بلغة العصر وحققت أعماله صدى واسعاً، مثل قلق السعي إلى المكانة. فهل في الرواية من يلتقط الانفعالات الجديدة ويمنحها شكلاً سردياً يواكب زمنها، أم أن الراسخات الروائية ستبقى الذروة التي لم تُتجاوز؟ هذا التساؤل يقود إلى إشكالية أعمق كيف يمكن إعادة إنتاج عمل سابق بعد تشريحه والانطلاق من السؤال ذاته؟ فالحقيقة أن الفلسفة داخل الرواية ليست ثابتة، بل نسبية ومتغيرة بتغير الإنسان وتطوره. ومن هنا تنبع الأسئلة حول الأعمال الجديدة: هل تمتلك مقومات العمق الذي يجعلها ساكنه بعقول القراء لعقود قادمة ، أم أننا أمام فراغ تركه كبار الروائيين مثل نجيب محفوظ ودوستويفسكي وغيرهم؟ فالكاتب الحقيقي لا يكتب لمجرد الكتابة، ولا يكتفي باستنساخ النصوص الخالدة أو الدوران في فلكها، بل عليه أن يقدم رؤية مغايرة تتجاوز الترف النظري، لتغدو أساساً لفعل إبداعي معاصر. إنها مغامرة تقوم على استنطاق النص القديم وتشريحه برؤية اتصالية، لا بهدف المحاكاة، بل لإعادة تقديمه بروح زمن جديد عبر عمل مستقل بأسئلته وكيانه. في هذه اللحظة، يتحول النص السابق إلى مختبر يمهّد لولادة فكرة مختلفة، وتغدو الكتابة حواراً نقدياً مستمراً بين الأزمنة ، لا مجرد سرد للحكايات. القارئ الحقيقي لا يقرأ بعقله المنطقي وحده، بل يقرأ بمخزون ألمه ودهشته وتجربته الحياتية. فالتفاصيل الصغيرة التي قد تمر عابرة أمام عينٍ ما، يراها قارئ آخر ملحمة إنسانية كاملة لأنه ذاق مرارتها يوماً. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية اليوم لا تكمن في اجترار القراءات القديمة، بل في مقاربة هذه الأعمال بوعي جديد يتناغم مع إيقاع العصر. فالأسئلة التي شغلت إنسان الأمس، كسؤال السعادة مثلاً، لم تعد تُطرح اليوم بالمنطق ذاته، بل تحتاج إلى أعمال تواكب تعقيدات التكنولوجيا وتسارع الحياة وتبدّل الأحوال . فالرواية ليست نصاً مغلقاً، بل فضاء احتمالي يسمح باستخراج طبقات من المعنى كانت كامنة أو مؤجلة، تنتظر وعياً أكثر نضجاً لتكشف عن وجوهها المختلفة. وفي المحصلة، حين تكون الكتابة جسراً يربط الماضي بالحاضر، ويصل الإنسان بذاته وبأوجاع الآخرين، من خلال نص يلامس العمق الإنساني، فإنها تمنح العمل قدرة على البقاء والرسوخ . فالأعمال التي تقترب من الإنسان، وتنبع من الإنسان، وتعيد مساءلته في كل زمن، هي وحدها القادرة على أن تعيش طويلاً في وجدان القراء، مهما تغيّرت العصور وتبدّلت الأزمنة. * طبيب وكاتب روائي سعودي