في دمشق تعلم الفرنسية. وبعد الثانوية، سافر إلى إيطاليا لدراسة لغتها، وحصل على البكالوريوس من جامعة سيينا الإيطالية، ثم الماجستير في الثقافة الأدبية الأوروبية من جامعة بولونيا الإيطالية وجامعة مولوز الفرنسية. ترجم كثيراً من الأعمال الروائية من اللغة الإيطالية إلى اللغة العربية، ونال الجائزة التشجيعية من جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في قطر عام 2018م. في هذا الحوار، يحدثنا المترجم معاوية عبدالمجيد عن رحلته مع الترجمة، وطبيعة الأعمال الأدبية التي ينتقيها للقارئ العربي، وأثرها عليه، وتأثيرها فيها. •ما الذي دفعك إلى دراسة اللغة الإيطالية بالتحديد؟ وكيف وجدت نفسك تتخصص -لاحقاً- في ترجمة الأدب الإيطالي؟ بدأت الحكاية حين كنّا صغاراً نتابع بطولات كرة القدم الدولية. كان المنتخب الإيطالي لامعاً، بإنجازاته وهزائمه على حدٍّ سواء. ثم حين كنت في الصف الخامس، كانت المدارس في سوريا تضع أمام التلاميذ الصغار قُرعة، ويجري السحب لاختيار اللغة الثانية: إنكليزيّة أو فرنسيّة. فكانت اللغة الفرنسيّة من نصيبي، وهكذا كلّما كبرت تعرَّفت على الثقافات الأوروبيّة ذات المنشأ اللاتينيّ. ولأنّ إيطاليا مؤثِّرٌ أساسيٌّ في اللغة الفرنسيّة، عادت نجمة إيطاليا للسطوع في مخيّلتي، ولكن هذه المرّة مع تاريخ البلد وفنونه وحضاراته، وتحديداً مع لغته. لاحقاً، حصلت على منحة دراسية لدراسة الأدب الإيطاليّ. كانت كليّة الآداب بجامعة دمشق تتهيَّأ لافتتاح أقسام لغات غير موجودة من قبل، كالألمانيّة، والإسبانيّة، والفارسيّة، والصينيّة، واليابانيّة، والإيطاليّة. تخرّجت في جامعة سيينا وعدت إلى سوريا، التي كانت تغلي، لتعليم الإيطاليّة في الكليّة. لكنّ كليّة الآداب لم تفتح القسم بعد، ولم يكن في المدى المنظور أيّ نيّة حقيقيّة وجدّيّة لافتتاحه. فاقتصرتُ على تعليم اللغة في معهد اللغات. وبدأت فكرة ترجمة الأدب الإيطاليّ تراودني مع انفجار الغليان واندلاع الثورة السوريّة. كثيرٌ من أهلي وأصدقائي كانوا يسألونني عن هذا الأدب غير المنتشر بما فيه الكفاية، ويشجِّعونني على ترجمة بعض الأشياء من قصص وأغانٍ ومقالات. هذه حكاية بداياتي. •عندما اقتربت من الإيطالية للمرة الأولى، ما الذي جذبك إليها على مستوى الإيقاع والموسيقى الداخلية للغة؟ ما “اللحن” الذي سمعته؟ لا يمكنني أن أسمّي التقائي باللغة الإيطاليّة اقتراباً، إنّما انغماس. لقد انغمستُ في هذه اللغة، ذلك أنّي درستُها في إيطاليا. ولتقوية مستواي، كنتُ أندمج بالإيطاليّين لتعلُّم اللغة وممارستها فعليّاً. أكثر ما كان يجذبني إلى هذه اللغة هو أنَّها لا تقع على ساكن؛ كلُّ الكلمات الإيطاليّة -تقريباً- التي تنتهي بحرفٍ ساكن أصلُها أجنبيّ. ميزة الكلمة الإيطاليّة أنّها تنتهي بحرف صوتيّ: آ، و، ي وأخواتها. تشعرين أنّ اللغة تُغنَّى أكثر ممّا تُلفَظ، وموسيقاها الداخليّة مسموعة، “ملموسة”، واضحة؛ والإيقاع ضروريّ وله حصَّة من بناء الجملة، واللحن جوهريّ ومن دونه لا يمكن تمييز الجملة الخبرية عن الجملة الاستفهاميّة عن التعجُّبيَّة. إضافة إلى أنّ الحياة في إيطاليا كانت بالنسبة إليّ انفتاحاً على الجمال حرفيّاً، ويعلم الجميع أنَّ هذا البلد متحفٌ كبير ،ومدنٌ عريقة، وألوانٌ كرنفاليّة، وطقوسٌ مذهلة، وجبالٌ، ووديانٌ، وشواطئُ، وبحارٌ ،وبراكين. •خلال مرحلة تعلم اللغة، هل واجهت لحظة شعرت فيها بأنك لا تدرس لغة جديدة فحسب، بل تتعرف إلى هوية مجتمع مختلف وثقافة واسعة؟ وكيف انعكس هذا على رؤيتك للأدب الإيطالي؟ بالطبع، خاصَّةً -كما ذكرتُ آنفاً- أنّي تعلَّمتُ اللغةَ في موطنها، ومن أهلها مباشرة، ودرستُ الأدب متتلمذاً على يد أساتذة إيطاليّين. وهنا أجيب على السؤالين معاً: إيطاليا بلدٌ ثريٌّ بثقافته، ذلك أنَّ مدنه ومناطقه لطالما كانت مستقلّة وتنحو لرسم هويّة تخصُّها. ومع توحيد البلاد، بتنا إزاء وطنٍ متنوُّع إلى أبعد الحدود، من حيث اللهجة المحلّيّة، والتقاليد الشعبيّة، وأذواق الطعام، واللباس، والشراب. لذا فإنَّ رؤيتنا للأدب الإيطاليّ تتّسع بقدر ما يتّسع هذا المشهد المتنوّع: مدينةٌ مثل تورينو (شماليَّة، جبليَّة، ثلجيَّة) تختلف مصاعبها الاجتماعيَّة عن مدينة مثل نابولي (جنوبيَّة، ساحليَّة، متوسِّطيَّة)؛ وعليه فإنّ روايةً تدور أحداثُها في تورينو ستختلف اختلافاً جذريّاً (تاريخيّاً وحضاريّاً) عن روايةٍ تتخِّذ من نابولي مسرحاً لها. •من موقع خبرتك، ما الذي يميز الأدب الإيطالي جمالياً وفكرياً؟ وما الذي يمنحه خصوصيته مقارنة ببقية الآداب العالمية؟ الأدب الإيطاليّ عريقٌ جدّاً، ذلك أنَّ اللغة الإيطاليّة كانت من أوائل اللغات التي انبثقت عن اللاتينيَّة العامّيَّة. ولكن، وهنا يصبح المشهد عجيباً، تاريخ لغة هذا البلد وأدبه مرَّا بمراحل تختلف جدّاً عن لغاتٍ وآدابٍ أخرى؛ حيث جرى توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر، وعندئذٍ تنبَّه المفكِّرون إلى الفروقات اللسانيَّة الموجودة بين منطقة وأخرى، وتوجَّب عليهم اعتماد لغةٍ تحمل رمزيَّةً كبرى، وهي امتداد اللغة التي ألَّف بها دانتي أليجييري “الكوميديا الإلهيَّة”، وكانت هذه مهمَّةً في غاية الصعوبة؛ إذ لم تنجح هذه المساعي كلّيّاً إلّا مع قدوم الراديو، ومن ثم التلفزيون. فهذه وسائل جماهيريَّة استطاعت أن تصل الإيطاليّين بعضهم ببعض. ومن جهة أخرى، نجد أنّ الأدب الإيطاليّ لم ينقطع منذ دانتي أليجييري. فهو أدبٌ ثريٌّ جدّاً، لكنَّه كان مرتبطاً بالشعر والطبقة الأرستقراطيَّة تحديداً، وهكذا وجد هذا الأدب صعوبةً في دخول عصر الحداثة، الذي رفع طبقاتٍ وأخفض طبقات، واعتمد الرواية بصفتها رسالةً موجَّهةً إلى الجمهور العريض. فتعثَّرَ الأدب الإيطاليّ في هذا الشوط من تاريخه، إلى أن استعاد مكانته الطبيعيّة بين الآداب الأوروبيّة مع انهيار الفاشيّة، وتعزيز حريّة الرأي والتعبير، والانفتاح على سائر الثقافات الإنسانيَّة. •في عملك على الترجمة، هل صادفت كلمات أو صوراً أدبية إيطالية لم تجد لها مكافئاً مباشراً في العربية؟ وكيف عالجت هذه الاختلافات دون الإخلال بالنص؟ طبعاً، لكلّ لغة خصوصيّتها وطريقتها في صياغة التعابير، وهنالك الكثير من الصور والتعابير الإيطالية التي من الصعب نقلها كما هي. مثلاً: لدينا عبارة (In bocca al lupo)، وتعني حرفيّاً: (في فم الذئب)، وتترجم إلى العربيّة عادةً: (بالتوفيق) أو (حظّاً طيِّباً). كما صادفتني تعابير أخرى، أذكر على سبيل المثال، في رواية “حياة عنيفة” للكاتب بيير باولو بازوليني، تقول إحدى الشخصيّات للأخرى: («اضحكْ، اضحك، فأمّك قد طبخت النيوكّي!»)، والمعنى هو: (لماذا أنت سعيدٌ إلى هذه الدرجة؟ أمُّك لم تطبخ النيوكّي)، لأنّ النيوكّي من ألذّ الوجبات الإيطاليّة والمعروفة عالميّاً. كيفيّة المعالجة: تركتُ هنا التعبير على حاله في النصّ، ووضعتُ ملاحظة أسفل الصفحة: (تعبير شعبيّ رائج في إيطاليا، بما معناه: «لا يوجد أيّ سببٍ للضحك». والنيوكّي نوعٌ من الباستا، يُصنَع من عجينة البطاطس بالقمح والدقيق. ولأنّها وجبة شهيّة ولذيذة، يصبح المعنى: «لا داعي لكلّ هذا الابتهاج، فأمّك لم تطبخ النيوكّي!»). وبوسعي أن أسرد من تعابير وأوصاف وصور إلى ما لا نهاية، نحافظ عليها أحياناً، ونستبدلها بمكافئها العربيّ أحياناً، أو نحافظ عليها ونشرحها أحياناً أخرى. في اللغة الإيطاليّة أيضاً أصواتٌ تُكتَبُ كما هي، وتحتاج إلى كلمات طويلة لاستبدالها، مثلاً: (Boh) تعني (لا أدري!)، و(Mah) تعني (لديّ شكوك حيال الأمر)، و(Beh) تعني (حسناً، انسَ الموضوع) إلخ، وهذه الأصوات ليس لها مكافئ في لغات كثيرة. •يُهمُّ القرّاء دوماً معرفة كيفية اختيار الكتب التي تُترجم. فما المعايير التي تعتمدها أنت في اختيار أعمالك: قيمتها داخل الأدب الإيطالي، أم رؤيتك الشخصية وما تريد تقديمه للقارئ العربي؟ لكلّ كتاب نترجمه حكاية. فإضافةً إلى الكتب التي يرشّحها الناشرون، لأسباب متعددة، ثمّة كتبٌ نرشّحها بأنفسنا. أوّلاً: وقبل كلّ شيء، يجب أن يكون الكتاب مكتوباً بلغة جيّدة، لكي نترجمه إلى ما يناسب مستواه بالعربيّة؛ بحيث إنّه إذا لم يعجب القارئ العربيّ بالكتاب، أو لم تستهوه الفكرة الأساسيّة، فعلى الأقلّ نضمن له أنّ الكتاب مكتوبٌ بلغة جيِّدة، وأنّ فيه متعةً لغويّة معيَّنة. ثانياً: يجب أن يكون مهمّاً بالنسبة إلى الجمهور الإيطاليّ في المقام الأوّل، أي أن يكون قد لاقى اهتماماً نسبيّاً لدى القراء الإيطاليّين، وإلّا فلماذا يجب على القارئ العربيّ أن يقرأه، ما لم يكن مقروءاً في لغته الأمّ؟ ثالثاً: حبّذا أن يكون قد ترجم إلى لغات أخرى، ما يعني أنّه خرج بلغةٍ أخرى وواجه قرَّاء مختلفين. رابعاً: وهنا نأتي إلى فحوى الرسالة، ونتساءل: هل الفكرة التي يقدمها الكاتب تستحقّ إطلاع القارئ العربيّ عليها؟ هل عالج المشكلة بطريقة ذكيّة أو إبداعيّة على الأقلّ؟ خامساً: نأتي إلى أسلوب الكاتب: الزمان، المكان، الشخصيّات، الحدث التاريخيّ، الخلفيّة الثقافيّة، الحبكة، اللغة، التعبير، الوصف، العمق. وهناك معايير أخرى، لكنّنا سنكتفي بهذه النقاط الخمس هنا. وأكرّر، وهذا مهمّ جدّاً: هذه معايير وليست شروطاً، وبالتالي هنالك استثناءات دائماً. عن نفسي، أقول إنّي قد رشَّحت من بين كتبٍ كثيرة: كتاب “الرسائل الأخيرة لياكوبو أورتس” للشاعر أوغو فوسكولو، و”ضمير السيّد زينو” للكاتب إيتالو سفيفو، وهذان كتابان مهمّان في الأدب الإيطاليّ الحديث، ويمثِّلان حجر أساس فيه، ولا يمكن تجاهلهما أبداً. •يُقال إن المترجم يعيد كتابة النص بأسلوب يسمح له بالتنفس داخل اللغة الجديدة، مما يتطلب مهارة أدبية. هل ترى أن المترجم بحاجة إلى أن يكون كاتباً ليتمكّن من أداء دوره على أكمل وجه؟ من الضروري أن يتزوَّد المترجم بتقنيات الكتابة. ففي نهاية المطاف، هو يكتب بلغة ثانية ما يقرأه من اللغة الأولى. وعادة ما نُعرِّف شخصيّة ثقافيّة بأنّه كاتب ومترجم وصحفي، إلخ، لعلّه كتب مئات المقالات وعشرات الكتب، لكنّه ترجم كتاباً واحداً أو اثنين، لا نجد مشكلة في إضافة صفة المترجم على الكاتب إذا مارس الترجمة. يتعقّد المشهد حين نُعرِّف مترجماً محترفاً، ترجم عشرات الكتب وله باع طويل في الترجمة، بأنّه كاتبٌ أيضاً: يجب أن يؤلّف أعمالاً كثيرة لكي يستحقّ لقب المؤلّف أو الكاتب. وفي هذا لغطٌ كبير، وتكريمات فخريّة قد لا تكون مهمّة من حيث التقييم النهائيّ للمنجز. رأيت في كثير من الأحيان تعليقاتٍ تنتقد اتّجاه مترجمٍ مّا إلى الكتابة، بالقول إنّه كان من الأفضل لو التزم في مجاله، أي في الترجمة، وهذا تقزيمٌ من شغف الكتابة، ووسوستها بالنسبة إلى كثيرٍ من العاملين في مجال الثقافة. وبصفة عامّة، ليس من الضروري أن يكون المترجم روائيّاً ليترجم رواية، لكنَّ تقنيّات الكتابة حتميّة للعمل في الترجمة، مثلما هي تقنيّات القراءة. •في الختام، هل هناك نص شعرت أثناء ترجمته بأنك تخوض رحلة شخصية عميقة، لا مجرد عمل مهني؟ وما الذي تركته تلك التجربة فيك؟ كلّ النصوص التي ترجمتها أضافت إليّ الكثير. وبوسعي أن أتحدّث عمّا تركته فيَّ تجربة كل عملٍ ترجمته. أقصد أنّ كلّ كتاب نترجمه هو بمنزلة رحلة نفسيّة طويلة؛ لأنّ المترجم الجادّ يقرأ العمل ويكتبه ما لا يقلّ عن خمس مرّات. وكلّ مراجعة تحيلنا إلى مستوى من القراءة، وكلّ مستوى يحيل إلى جيلٍ بأكمله. ترجمة رباعيّة “صديقتي المذهلة” هي واحدة من تلك التجارب؛ لأنّها رواية طويلة تمتدّ على أربعة أجزاء، تنطلق من الطفولة إلى الشيخوخة، مروراً بسنّ الشباب وأواسط العمر. هي تجربة حياتيّة كاملة تقريباً، تتشابك فيها كثيرٌ من الخيوط: الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة. كما أنّ ترجمة “كلّهم على حقّ”، للمخرج باولو سورنتينو، أضافت إلى شخصيّتي الكثير، ويكفي أن نقرأ العمل لنرى حجم تأثيره على القارئ، فما بالك بالمترجم. كتب أمبرتو إيكو هي دائماً دسمة: “الشعلة الخفيّة للملكة لوانا” و”بابي ساتان أليبي، وقائع مجتمع سائل”؛ تثري المترجم بمعلومات وأخبار واسعة عن أشياء كثيرة لا يمكن حصرها. وأريد أن أقول إنّ كتاب “مئوية” للأديب الإيطالي جورجو مانغانيلّي، عملتُ عليه ليل نهار، واستمتعتُ بترجمته، وكنت أراها تحدّيّاً مريراً؛ لأنّ الكتاب ينتمي إلى المدرسة التجريبيّة المفتوحة على كافّة التأويلات، وعليه يجب أن يكون النصُّ باللغة العربيّة على مستوىً رفيع لكي يتمكّن القارئ العربيّ من التغلغل في خيالات مانغانيلّي الأسطوريّة. وهذا ليس كلَّ شيء.