هذا الكتاب هو الذي تحدث فيه توفيق الحكيم عن حياته في فرنسا، ذهب طالبا للدكتوراة في الحقوق ولكنه عاد بغيرها ، فقد عب من فنون وآداب وفلسفة باريس، تكاد لا تجد حفلا موسيقيا لأى موسيقار أوروبي مهم لم يحضره ولم يتفاعل معه روحيا وماديا، يبالغ في وصف ما وصلت إليه موسيقاهم فيقول إن الشرق قد انفرد عن الغرب بالأنبياء، ولكن الغرب تميز عنهم بالموسيقى حتى ليكادوا يمنحون موسيقييهم الكبار مكانة الأنبياء. ولذلك فلم يدع متحفا أو معرضا للفنون لم يقض فيه ساعات طوالا، فهو يذكر أنه زهد في العلاقة مع إحدى الجميلات، رغم أن غاية مناه كانت صداقتها حتى لو ذُبح عند قدميها ، لأنه توقع ألا تطيق أن تقضي سبع ساعات من كل يوم أحد يتأملان ما يضمه متحف اللوفر من مقتنيات يعتبرها أرفع ما وصل إليه الفن. إضافة إلى قراءات مكثفة للروايات والمسرحيات، ومحاولات حثيثة للكتابة الفنية باللغة الفرنسية مستوحيا ما اطلع عليه من أساليب عمالقة الكتاب الأوروبيين. والكتاب على شكل رسائل منه إلى صديقه أندريه، احتفظ بها صديقه ثم استعادها توفيق ليعيد كتابتها، إنك إن قرأت كتابه الذي أطلق عليها اسم رواية “عصفور من الشرق”، تعرف أن أندريه هو ابن العائلة التى سكن توفيق معها فترة والتي أطلقت عليه صفة عصفور من الشرق، لأنه لا يشبه غيره من الشباب الذين يجدون سعادتهم في الأنشطة الشبابية التى تحفل بها باريس، هو ينتقي من ثراء باريس ما يناسبه، ويجلس منعزلا مع كتبه وموسيقاه، عرفت العائلة أن قلبه متعلق بفتاة تبيع تذاكر السينما، لها عينان فيروزتيان، وهو لا يجد في نفسه الجرأة ليتحدث إليها أو مواعدتها، نصحه أندريه وجرمين بأن يحمل لها باقة ورد أو زجاجة عطر، هذا أكبر عربون للصداقة بين فتى وفتاة في باريس، لكن الرجل يظل يحوم حولها ويبتدع أساليب للقيا ، وهو يروي عن لقائه بها حكايتين مختلفتين واحدة في هذا الكتاب والأخرى في كتاب ذكرياته الآخر “ مصر بين عهدين “، وفي كلتيهما ما يثير السخرية، الرجل الشرقي عادة ينظر إلى الأنثى بتحفظ شديد، يربط لسانه، وربما لعفته التى بناها على أنه لن يغضب الله، وربما لطبعه المنغلق على النفس لم يستطع الشيطان أن يكون ثالثا في العلاقة مع الفتاتين اللتين طمح إليهما بحبه، الأولى تبين له أنها قضت في صحبته أسبوعين، اتخذته صاحبا لتشغل بها عن فترة الهجر التى حصلت بينها و بين عشيقها، ولكنها سرعان ما عادت إلى العشيق الأصلي بل وتمنت لو لم تعش أسبوعي الفراق مع العصفور الشرقي. عائلة أندريه وجرمين عائلة تمثل الإنسان العامل البائس في المجتمع الرأسمالي، الزوجان من عمال المصانع يقضيان في العمل وقتا طويلا مجهدا، مرتبهما الشهري بالكاد يطعمهما الفتات، الوالدان متقاعدان، ولولا أنهما استضافا توفيق، وكانا يأخذان منه مالا مقابل سكنه وطعامه لما استطاعا أن يكفيا نفسيهما الحاجة. يترك أندريه باريس ليعمل في أحد مصانع مدينة ليل، وهنا حصلت المراسلات بينه وبين توفيق، يخرج صاحبنا مع الزوجة وطفلها إلى المسرح وإلى السينما وإلى الحدائق، في إحدى الرسائل يمتدح توفيق زوجة أندريه، ويبلغه كم هى مولعة بزوجها، يرد الزوج أن زوجته مرتاحة لرعاية توفيق لهما، والشيء الوحيد الذي تشكره عليه هو أنه لم يغازلها قط. فيرد توفيق: يا لظرف الباريسيات، أكنت- وأنا الشرقي- قادرا على ذلك في غيبة زوجها، أفهمها أنني سأحاول ذلك مرة في حضرتك، حتى تعلم أنني لست ممن يستهين بجمالها ومع ذلك فهى لا تجهل أي سرور أجنيه إن يُتاح لي لقاؤها من حين إلى حين، فإنك لا تتصور مقدار ما يحدثه جلوسي إليها من نتائج فكرية! وواضح من هذا الحوار أنه يسر بالقرب من الأنثى لكن مع قدرٍ من القرب لا يتيح الملامسة! رغم أنه يصف باريس بأنها “ فاترينة العالم” ، ويقصد أن عرض كل الاشياء ذات القيمة في الفن إذا عرضت في باريس تألقت وازدهرت، إلا أنه بالمقابل يذكر عن الفندق الذي نزل فيه يوم أن حل بباريس في العشرينيات، كان الفندق يخلو من أي حمام، يقصد مكانا ينظف الناس فيه أجسادهم، ولذا كان على النزلاء أن يذهبوا خارج المبنى إذا أرادوا الاستحمام، ولما كان حريصا على التطهر من أجل الصلاة فقد كان يأخذ معه إناء إذا ذهب إلى المرحاض كل مرة، علقت العجوز التى تنظف الغرفة قائلة بسخرية، ماذا تفعل؟ هل تخشى أن تعطش وأنت في المرحاض؟ هذا رغم جمال الطبيعة من حوله، ولا يبدو أن الفندق كان من فنادق المرتبة الأدنى إذ أنه كان يقع في مواجهة “ الكوليج دي فرانس” ، وهو معهد من مفاخر باريس، يلقى الفلاسفة ورجال الفكر فيه محاضرات وغيرها من أنشطة الثقافة بغير مقابل لمن يحب أن يفوز بالعلم لا بالشهادة. كان وقت إقامته الأولى في باريس بعد الحرب العالمية الأولى، وهنا نلتقي ببعض آثارها على الناس، فهذه الفتاة الألمانية التي فتنته جمالا وإغراء، تشبه “ أفروديت” ، أما عشيقها فيشبه “أبولون” ، ولربما كان يقصد أبولو، أفروديت وأبولو من آلهه الإغريق التى ما أنزل الله بها من سلطان وترمزان للحب والجمال، سرعان ما تكشف له أنها كانت ابنة أحد مدراء السكة الحديدية في ألمانيا، قُتل أبوها في الحرب، وتشتت إخوتها في أصقاع أوروبا، ثم وقعت ضحية متشرد إسباني آخر انتهب القليل الذي بين يديها، فأصبحت تبحث عن مأوى، وجدته عند توفيق، الذي زهد في أفروديت بعد أن كانت متاحة، ثم تحولت إلى راقصة، لم يشر توفيق إلى نوع الرقص الذي امتهنته ازدراء ، يبدو هذا الرقص أقرب إلى الرقص الشرقي، الذي يسميه الأوروبيون “ هز الأرداف “ احتقارا، وتمييزا له عن أنواع الرقص الراقي الذي يصاحب الموسيقى الأكسترالية التى سرقت قلب الحكيم. كما نرى صديقه العامل الروسي البائس ايفانوفيتش الذي هرب من روسيا بعد الثورة الشيوعية، تعرف توفيق إليه وهو يقرأ كتاب “ رأس المال “ لكارل ماركس، روع توفيق لبؤس حياته وتساءل: كيف يهرب من روسيا التى أصبحت بعد الشيوعية جنة الفقراء؟ قال الرجل: جنة الفقراء ليست على الأرض، وإنما في السماء، فإن مشكلة الدنيا لم تُحل: “وجود أغنياء وفقراء وتعساء وسعداء” ، إن الشرق قد حل المعضلة في يوم ما، أنبياء الشرق فهموا أن المساواة لا يمكن أن تقوم على هذه الأرض وأنه ليس بمقدورهم تقسيم مملكة الأرض بين الأغنياء والفقراء، فأدخلوا في القيمة “ مملكة السماء“، وجعلوا أساس التوزيع بين الناس “الأرض والسماء” معا: فمن حُرم الحظ في جنة الأرض، فحقه محفوظ في جنة السماء! .. ولو استمرت هذه المبادئ لما عانى العالم في هذا الأتون المضطرم. مسكين ايفانوفيتش الفقير، لم تعالج الشيوعية فقره، هرب إلى الرأسمالية وحلم بالخلاص، فقرر أن يهاجر إلى الشرق بلاد الأنبياء ولكن الموت عاجله دون حلمه. وهكذا نرى الحكيم، فهو إن تحدث عن الفنون والآداب والنظام والعقل المنتج انحاز إلى باريس، وإن تحدث عن الصفاء الروحي تحدث عن “ السيدة زينب” التي أهداها كتابه “عصفور من الشرق”، وأسماها حاميته الطاهرة. بدأ الحكيم مراسلاته عندما كان في باريس وواصلها عندما عاد إلى مصر، فهو يرسل رسائل من كل مدينة عمل فيها، من الإسكندرية وطنطا ودسوق، وفي رسائله حديث عن الأدب العربي، الذي برع فيه الشعر، لأن الشعر ينبت في الخلاء، ولكن فنون النثر تحتاج إلى حياة ثرية كحياة المدن حيث الغنى بالتفاصيل، وحيث تظهر كل أنواع الفنون، وعندما جاء القرآن وآن الأوان لازدهار كافة الفنون الأخرى تأثرا بالقرآن الكريم، ذهب الكُتاب إلى المحسنات اللفظية فظلت فنون النثر متأخرة ولكن الأدب الشعبى - حيث سير عنترة وأبي زيد الهلالي والأميرة ذات الهمة، وقبلها ألف ليلة وليلة- استطاع النهوض بفنون النثر، وعلى جانبها تألق الجاحظ، وابن عبد ربه في “ العقد الفريد “ والأصفهاني في “ الأغاني” وابن المقفع في “ كليلة ودمنة”. أما هو فقد حاول لسنوات الكتابة بالفرنسية ولكن من قرأوا له من الفرنسيين لم يتحمسوا له وإن أشادوا بموهبته في بناء الحوار فكان يلقى ما يكتبه إلى النفايات. وبينما كان الشباب في باريس يضحكون ويلهون مستمتعين بمباهح الحياة وجمال الطبيعة ، كان هو منكبا على القراءة والكتابة وقد انحنى ظهره، ولم يصل إلى الأسلوب الخاص به، وبقي يتلقى نفس الملاحظة: لماذا تحاول أن تتكلف الأسلوب تكلفا؟! إنه لا يفوح من أسلوبك الفرنسي أي عطر شخصى أخاذ، إنها عبارات محفوظة في كتب البلاغة تحسب أنها أسلوب رائع! بعدها فهم توفيق أن الأسلوب أحيانا حجة الكاتب الذي لا يجد ما يقوله! ما الأسلوب إلا تلك الآلة الصناعية التي نتوسل بها للوصول إلى الحقيقة، ولكن ما أروع الحقيقة لو تفجرت وحدها، من أعماق القلب الصادق في كلمات بسيطة. وكأني بالحكيم وقد استقرت في عقله هذه البديهة بعد طول عناء، وصل في كتاباته إلى البساطة والسلاسة اللتين تميزان كتابته وتجذبان قراءه. عاد الحكيم إلى مصر ليعمل في التحقيق القضائي، وكان عليه أن يعاني في متابعة الجرائم، وكان عليه أن يتابع الطبيب الشرعي الذي يستخدم سكاكينه في تشريح الجثث، وهو الذي ظن أنه من رهافة الحس لا يجرؤ على رؤية نقطة دم سالت من أصبع، وكان عليه أن يتحمل سخرية مجتمع رجال القانون في مصر من الأدب والثقافة فكيف إذن يرى فنون التشخيص والفلسفة. كتب الحكيم عن تجربته في سلك القضاء في كتابيه “يوميات نائب في الأرياف” و” عدالة وفن”، وهو يعتبر نفسه (بحق) ثالث الاثنين في الثقافة العربية، طه حسين ابن الأدب، وعباس محمود العقاد ابن الكتب، أما هو فابن الفن.