حجة رأي الخبير (1).
تطالعنا وتتردد على مسامعنا يوميا دعوات مستندة إلى رأي الخبير؛ لتعطي الرأي موثوقية أكثر(أكد الخبير س بأن..).ومسألة الركون إلى رأي خبير في الحجة مسألة معقولة بمعنى أنها ظنية وجدلية وقابلة للمراجعة.لكن ما الإشكالات التي تعتريها لتنقلها من صورتها السليمة إلى صورتها المُغَالِطة؟ في عام 2020م وفي فترة أزمة جائحة كورونا تحديدًا، تضاربت الآراء والحجج حول اللقاحات ومدى جدواها. وقد تصدّر العاملون في الحقل الطبيّ شبكات التواصل الاجتماعيّ وانهال على المتلقين سيلٌ من الحجج مما أدى إلى نشوء معضلات طبيّة وأخرى فلسفيّة وأخلاقية. لم يقف الأمر عند طرح الحجج، بل تعدى إلى إطلاق التحذيرات والتنبيهات من جدواها وعدمها فخرجت شعارات متعددة كنظرية المؤامرة، والحرب البيولوجيّة، وقولبة الحجج على تسييس القضية. تأثُّر المتلقين بها يحمل صفة المقبولية، إذ إن الحجة الصادرة من مختص أو خبير تتميّز بقدر كبير من الوثوق والطمأنينة، ناهيك عن التسليم السريع عند عامة الناس، بل ومختصيها لمثل هذا النوع من الحجج (حجة رأي الخبير). لعل خطاطة المنطقي دوجلاس والتون لحجة رأي الخبير معقولة، وتسهم في بناء صورة مقبولة لتلك الحجة لجعلها قابلة للمراجعة والدحض: - (خ) خبير في الحقل (ح). - يؤكد (خ) أن القضية (أ) صحيحة. - القضيّة (أ) تنتمي للحقل (ح). - لذلك من المعقول اعتبار القضية (أ) صحيحة. وإذا ما تأملنا حجة رأي الخبير نجدها حجة ظنية تنقل عبء الإثبات إلى الطرف الآخر في الحوار. لكن وجاهة هذه الحجة ومعقوليتها مرهونة بمدى خبرة المصدر الذي عده صاحب الحجة خبيرًا في الحقل الذي تنتمي إليه القضية، وهي لا تعني قطع الطريق على الطرف الآخر فمن حق هذا الأخير مساءلتها أو التشكيك فيها. أمّا إذا مُنع الطرف الآخر من السؤال بحجة احترام الخبير، فهنا نقع في مغالطة الاحترام: أي تحويل الاحترام إلى حاجز يمنع اختبار الحُجّة، ومنعه من طرح أي من هذه الأسئلة النقدية بحجة أن الطرف الثاني لو سأل أيًّا من هذه الأسئلة فهو يحط من قدر واحترام رأي الخبير. والأسئلة النقدية- كما أوردها (والتون)- التي يمكن للطرف الثاني في الحوار طرحها وإعادة عبء الإثبات إلى المُدَّعي مرة أخرى متنوعة: •هل (خ) خبير حقيقي في (ح)؟ •هل أكد (خ) حقًّا القضيّة (أ)؟ •هل (أ) ذات صلة بالحقل (ح)؟ •هل (أ) متسقة مع ما يقوله باقي الخبراء في (ح)؟ •هل (أ) متسقة مع دليل معروف في (ح)؟ وقد لا يسوق المحاور أيًّا من هذه الأسئلة، بل قد يأتي بحجة أخرى من نفس النوع – أي حجة رأي خبير آخر – أو بغيرها من الحجج، وعندها يكون تقييم الحِجَاج المستند لرأي الخبراء وفقًا لهذه الأسئلة التي اقترحها والتون حتى يميز المتلقي الحجة السليمة من المُغَالِطة. وقد تكون الحجة أيضًا في منزلة بين المنزلتين، فبعض حالات التوسل برأي الخبير في المحادثات اليومية توسلات ضعيفة أو غير مؤيِّدة تأييدًا كافيًا لدعوى صاحب الحجة لكنها في الوقت نفسه لا تستحق أن توصف بأنها مُغَالِطة، بل هي حِجَاج معقول يحقق أهداف الحوار ما لم يأت دليل أقوى بخلاف ما تقوله الحجة. والآن ماذا لو أجبنا على الأسئلة النقديّة أعلاه وعرضناها على حجج اللقاحات المؤيدة والمعارضة فهل ستصمد تلك الحجج؟ هل الخبير ينتمي حقًا إلى حقل علم الأدوية واللقاحات؟ هل أكّد الخبير حقًّا جدوى اللقاحات باستدلالات سليمة؟ هل حجة هذا الخبير لها صلة بالحقل المعرفيّ أو أنها بعيدة عنه؟ هل حجة الخبير في مسألة لقاح كورونا متسقة مع ما يقوله الخبراء في نفس حقله المعرفيّ؟ هل حجته متسقة مع أدلة معروفة في الحقل المعرفي؟إن لم يكن خبيرًا كيف تعامل مع أقوال الخبراء المؤيدة والمضادة؟ عزيزي القارئ كم مرة سلمت عقلك لـ:( قال الخبير س، وأثبتت الدراسة س)؟ وكم مرة تعاملت مع تلك المقولات على أنها نهاية النقاش لا بدايته؟