ما لا تلتقطه العدسة.

عيونُ الآدمي تلتقط معالمَ وصورًا وأشياء تعجز عدسةُ المصوّر الذكية عن التقاطها مهما بلغت براعته؛ فهو يضعك في ملامح صورته من أبعادٍ متعدّدة، لكنّه قد لا يوصل لك الشعورَ الحقيقي الذي تفعله عيونك حين تنفتح حدقتُها على منظرٍ آسر، ليلًا أو نهارًا، في البرّ أو حتى عند جدار بناية. كنّا صغارًا نتسمّر أمام الكاميرا، وغالبًا ما نكون مصطفّين مع بعضنا وقوفًا أو جلوسًا، وبخلاف قيمة الصورة بوصفها توثيقًا، لا تجد عدسةَ المصوّر مثلًا تلتقط جانبًا من البيئة المحيطة بالصورة الرئيسة. أستغرب، وأنا أقلب ألبوم صوري القديمة، أنني لم أجد أي صورة تُظهر ملامح حارتنا القديمة، أو حتى الملامح الزراعية التي تحيط بها؛ فالصور عبارة عن أشخاصٍ في مناسباتٍ مختلفة، جميعهم ينظرون مباشرةً لعدسة المصوّر، ويشغلون مساحةً كبيرةً من الصورة. وذلك ليس عيبًا، لأن الإنسان هو الأهمّ دائمًا، لكن عالم التصوير اليوم بات ينفتح على أكثر من تلك الصورة الرئيسة، وبتنا نرى الصور وما بعد الصورة بمختلف خلفياتها، ومشاعر المصوّر حين يلتقطها، وذلك هو الأهم. حين أخرج للبرّ أستمتع بعشرات المناظر التي أشاهدها، خصوصًا هذه الأيام التي تكتسي فيها الأرضُ اللونَ الأخضر، وتتنوع فيها الأزهارُ والنباتاتُ العطرية، وجبالٌ تتفرّع الأعشابُ بين صخورها، ومنظرُ القمر يتسلّل بين الجبال ليلًا. وحين يدخل الليل، مع قليلٍ من بقايا حمرة الشمس، وضوء النجوم يجعل حوافَّ الجبال مُشاهَدة، تتأسّف أنك لا تملك سوى جوّالٍ إمكاناته لا تُظهر لك جمالَ كل تلك المعالم، ولن تستطيع؛ لأن العدسة ترى عبر ما يريده صاحبها، وهي تعمل بطريقةٍ آليةٍ تخلو من المشاعر والإحساس بجمال المكان. وذلك ما يجعل الغلبة دائمًا لعين الإنسان؛ حين تشاهد منظرًا حسنًا تلتقطه وتشعر به، ويترك فيها أثرًا لا تستوعبه الكاميرا. لكنه أثرٌ يبقى في مساحة الشعور، لا تطاله الكاميرا ولا يُقال كاملًا. لذلك أجدني ألتقط صورًا كثيرةً لأشياء شعرت بها ولمستُ مدى جمالها، لكنني حين أعود إليها أجدها أحيانًا باردة، لا تعدو عن كونها توثيقًا أو صورةً تسترجع فيها بعضَ ذكرياتك. أهداني صديقٌ مجموعةَ صورٍ لأصدقاء الطفولة؛ تعرّفتُ فيها على الوجوه، وبقي المكان الذي التُقطت فيه غيرَ معلوم. وقيل في هذا المعنى: قَد يُخدَعُ المَرءُ بِالأَلوانِ وَالصُّوَرِ وَجَوهَرُ الشَّيءِ قَد يَخفَى عَنِ البَصَرِ