الأمنية المستحيلة

بعد أن فرغنا من الصلاة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وزيارة مسجد قباء، سألني الصديق المرافق محمود الحسين: الآن، إلى أين؟ قلت: هذا وقت «علي حسون»، أحد العلامات الأصلية لطيبة الطيبة. عندما تكون في المدينة المنورة، قلت لمحمود، فإن أول من يفترض أن تبحث عنه هو علي حسون؛ الإنسان الذي تتجسّد فيه كثير من صفات هذه المدينة المقدسة. زيارة الأستاذ في منزله المجاور لأسواق الراشد ليست مجرد لقاء، بل هي جرعة من الطمأنينة والمتعة، وزاد روحي ومعرفي، وأيضًا زاد مادي؛ حيث هدايا الأستاذ التي تحمل روح المدينة: «الشريك» و«نعناع المدينة» الذي طالما زرعه في حدائق مطابع جريدة البلاد. إنه من القلائل الذين يقدّمون لك سردية المدينة المنورة أدبيًا وصحفيًا، بوصفها مكانًا للذاكرة، ولحكايات الناس الذين طالما كتب عنهم في رواياته وقصصه، وفي زاويته الصحفية الشهيرة «من المحبرة»، التي يمكن اعتبارها واحدة من أكثر الزوايا حضورًا في الصحافة المحلية، وأكثرها مقروئية. كنت قد هاتفت الأستاذ مبدِيًا رغبتنا في اليمامة، المشرف على التحرير وهيئة التحرير، في أن يكون هو شخصية ملف الملحق لهذا الشهر. كان الأستاذ يتابع مواعيده في المستشفى وقتها، لكنه، وبرغم حالته الصحية، استقبل الفكرة بابتسامته المعهودة ومزاحه الدافئ: «يعني راح تبهذلني يا عزيز!». لم يكن المعلم الكبير علي حسون روائيًا، ولا كاتبًا، ولا رئيس تحرير فحسب، وإنما كان بمثابة كلية إعلام بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ومع غياب أقسام الصحافة، ومع محدودية دور كليات الإعلام في تزويد الصحف بالمحررين المهنيين - وكان هذا، للمفارقة، موضوع تحقيقات صحفية منشورة آنذاك – كان «العميد» علي حسون، في أيام العصر الذهبي للصحافة، يقدّم كل يوم اسمًا جديدًا في صحيفته؛ يرعاه، ويتعهده، ويصقل أدواته بالصبر والمراجعة، واضعًا خبرته الكاملة في خدمة أجيال من الصحفيين الذين تعلّموا منه المهنة على أصولها. وبرأيي، فإن القيمة الأعمق في تجربة الأستاذ علي حسون تكمن في أثره الإنساني والمهني: في رعايته للأجيال الجديدة من الصحفيين، وفي دفاعه عن حرية الكلمة، وفي إيمانه بالاختلاف، ورفضه لاستخدام القلم الأحمر. وحين ترجل عن رئاسة التحرير، فعل ذلك واقفًا، بعد أن نذر عمره للصحافة، تاركًا خلفه تجربة يصعب اختصارها، وحضورًا لا يخطئه من عرفه قارئًا أو زميلًا أو تلميذًا. أما الخاتمة التي تمنّيتها شخصيًا، فهي لو كان معي مندوب من هيئة الأدب والنشر والترجمة، ليرى مخطوطة رواية الأستاذ التي لم تُطبع بعد؛ فربما أوحت للهيئة بإطلاق سلسلة تعنى بكتب الرواد والأساتذة التي بقيت في الأدراج، ولم تُنشر لأسباب مختلفة، رغم ما تحمله من قيمة تاريخية وإبداعية لا تُقدَّر بثمن. يا للأمنية المستحيلة لو تتحقق!