لا يضع عبدالرحمن الشهري قارئه أمام اسمٍ سينمائي بقدر ما يضعه أمام سؤال وجودي متخفٍ في هيئة عنوان.. “رأيت بروك شيلدز” ليست استدعاء لنجمة بل اعترافاً بأن الجمال حين يمر لا يُمسك، وحين يُمسك يفقد طبيعته، وحين يُكتب يتحوّل إلى ذاكرة تتنفس داخل اللغة. هذه ليست مجموعة تبحث عن الإدهاش، ولا نصوصاً تستعرض براعة لغوية. هي كتابة تمشي على مهل، مثل شخص يخاف أن يوقظ ما في داخله إذا أسرع. لا صراخ شعري، ولا ادعاء بطولة لغوية، بل صوت إنسان يكتب ليبقى متوازناً في عالم يميل بسرعة. هنا الشعر لا يُستعمل للزينة بل كوسيلة نجاة هادئة. بروك شيلدز في هذا السياق ليست بطلة، بل رمز لجمال مرّ، ثم غاب، ثم عاد على هيئة كتابة. صورة بعيدة تحولت إلى لغة، ثم إلى حياة ثانية داخل النص. هي الذاكرة حين ترفض أن تموت، والجمال حين يقرر أن يقيم في الكلمات لا في الصور. قصيدة النثر عند الشهري لا تأتي بوصفها مغامرة شكلية، بل بوصفها اختياراً أخلاقياً تقريباً. لغة متخففة، هادئة، كأنها لا تريد أن تثقل على القارئ، ولا أن تثقل على نفسها. كل قصيدة بيت صغير من الكلمات، يصلح للسكن المؤقت، للراحة، لمراجعة الذات. لا أبراج شعرية هنا، بل نوافذ مفتوحة. الشهري يكتب عن الهشاشة كما لو كانت وطنه الأخير. هشاشة العمر وهشاشة الجمال وهشاشة الذاكرة. لا يحاول أن يحوّلها إلى ملاحم، بل يعاملها كحقائق يومية. شيء نعيشه لا شيء نتباهى به. قصائده تشبه دفتر ملاحظات وجودي، لا يريد أن يبرر الحياة، بل فقط أن يفهم لماذا ما زال يحبها رغم كل شيء. حين يقول: “لا أدّعي مجداً في الخمسين ولا أنوي تغيير العالم…” فهو لا يقدّم موقفاً شعرياً بل سيرة داخلية لإنسان يراقب عمره وهو يكبر بصمت، بلا بطولات وبلا تصفيق. القفص هنا ليس مكاناً بل الزمن نفسه. الأيام التي نعيشها ثم نكتشف فجأة أننا كبرنا داخلها دون أن نشعر. الزمن في هذه المجموعة ليس خطاً مستقيماً بل دائرة حساسة. الماضي لا يعود بوصفه حنيناً، بل بوصفه مادة شعرية حية. كل نص محاولة لترميم علاقة مع الذات، مع الأم، مع الجسد، مع الذكريات التي لم يُمنح لها وقت كافٍ حين حدثت. حتى الموت لا يدخل النصوص كفاجعة، بل كمرحلة من مراحل التخفف: “أتخفف من أحلامي، كأي ميت…” هنا الموت ليس نهاية بل لحظة صفاء. تخلي عن أحلام أثقلت القلب أكثر مما غذّته. كأن الشاعر لا يريد حياة أكبر بل حياة أخف. الطبيعة في المجموعة ليست ديكوراً بل مرآة نفسية: “قلبي يعيش بقلب غزال يخاف من ظله وقت الظهيرة.” هذه ليست صورة فنية فقط بل تعريف كامل لشخصية النص، قلب حساس مرتاب من العالم ومن نفسه أيضاً. خوفه ليس ضعفاً بل شكل من أشكال الوعي الحاد. الجمال عند الشهري لا يُقدَّم بوصفه نعمة مطلقة. هو جمال مؤلم قليلاً لأننا لا نراه إلا حين نفقده: “تحب الوردة لحظة القطف…” الجمال هنا لحظة اكتمال تسبق الفقد. لذلك لا يقول: أملك الجمال، بل: رأيته. الرؤية فعل مؤقت، والكتابة محاولة لإطالة هذا المؤقت. الكتابة عند الشهري وظيفة وجودية. ليست هواية، ولا ترفاً بل طريقة للبقاء: “أكتب كي لا أصحو في يوم وأنا عاجز عن معرفة من أكون.” هذه جملة يمكن اعتبارها بيان المجموعة كله. الكتابة ليست لإنتاج نص، بل لحماية الهوية من التآكل. قد يشعر بعض القراء أن النصوص تدور كثيراً حول الذات، وأن الإيقاع هادئ أكثر مما ينبغي. لكن هذا التباطؤ نفسه جزء من فلسفة الكتابة هنا. الشهري لا يريد أن يصل بسرعة، لأنه يعرف أن السرعة لا تناسب الأسئلة الثقيلة. وحين يقول: “حياتي لغة هادئة، وقصيدة تتهيأ لأن تخرج.” فهو لا يكتب شعاراً شعرياً بل يلخّص طريقته في العيش. الحياة تمهيد للقصيدة، والقصيدة امتداد للحياة دون فواصل درامية. “رأيت بروك شيلدز” ليست مجموعة تُقرأ دفعة واحدة، بل تُقرأ كما تُفتح نافذة في مساء طويل. نصوصها لا تطلب الإعجاب بل المشاركة. لا تقول انظر إلى مهارتي، بل تقول تعال لنجلس قليلاً، ونتذكر معاً كيف يمر الجمال، وكيف نحاول بكل هذا الارتباك الإنساني الجميل أن نكتبه قبل أن يضيع تماماً.