إن كان ثمّة جفوةٌ للكلام؛ فبماذا يمكننا أن نُفسّر كلّ هذا الكلام الذي بين أيدينا على هيئة مجموعة شعرية تحت عنوان “جفوة الكلام ـ 2025 م” للشاعر أحمد سالم؟! يضعك الديوان من العنوان في مأزق وجوده، وعلينا أن تجد طريقةً ما للخروج من هذا المأزق، ليكون للكلام وهو في حال الجفوة تلك معنىً ما! لهذا لا بدّ من العودة إلى تجربة أحمد سالم في دواوينه السابقة لعلّنا نفهم منطقيّة العنوان في تجربة أحمد سالم. للشعر والفنّ عموماً منطقه الخاص به. لكننا سنحاول ذلك. أصدر أحمد سالم قبل هذا الديوان الذي نحن بصدد الحديث عنه ثلاث مجموعاتٍ وهي: •الغرق باستخدام امرأة ـ 2017 م. •أشياء تتهاوى في أبدها الرتيب ـ 2021 م. •براعة الالتهاء ـ 2023 م. وإذا مررنا مروراً عابراً على المجموعة الأولى “الغرق باستخدام امرأة” الذي يمثّل تجربة ذاتية ـ وهذا طبيعي جداً في بداية التجربة ـ لكنّه تغلب عليه حدّةٌ، ربما نتيجة تشبّثٍ أخير قبل الغرق الذي تحاول المجموعة الإمساك به، فنراه يقول مثلاً: “أخترع صورتك/ وأثبتها بوخزاتٍ متفاوتةٍ/ على الهواء.” أو يقول: “وبعيداً تشيحين بنظرك/ عن فضولي/ ويدكِ المرتعشة/ لا تتوقّف عن سكب القهوة/ خارج الفنجان.” أو: “ومثلما تغادر الآن/ بجرحٍ في وجهك/ إثر شفرة الحلاقة.” وتنسجم هذه الحدّة مع غرقٍ متوقّع، يقول: “كأنها ستتوقف/ عن التقاط أنفاسي من الهواء/ حين نصطدم/ في ممرّ حافلة مزدحمة.” ويأتي التنويع على التنفس كردّة فعلٍ ضروريةٍ للغرق، يقول: “لا نحلم بأكثر/ من ترك أنفاسٍ أكثر دفئاً/ من سابقتها/ على سماعة الهاتف.” وبشكلٍ أكثر وضوحاً، يقول: “تستطيعين/ أن ترحلي متى شئتِ/ كغريقٍ يُودع أنفاسه/ صدرَ ناجٍ آخر.” وفي هذه المجموعة الأولى، وإن كانت التجربة الذاتية الخاصة تفيض نوعاً ما على ما يمكن أن يميّز تجربة أحمد سالم، إلا أنك تجد أسلوباً يتشكّل شيئاً فشيئاً في مواضع هنا وهناك، يقول مثلاً: “بينما/ تغلق يدٌ وراءنا الباب/ كمن يغمض جفناً/ إلى الأبد.” أو يقول: “اليد التي لسهوتها/ تُوقع شيئاً داخل فكرةٍ/ في رأسٍ ما.” أو يقول: “تلك النظرة/ التي استخدمتْ لمرة واحدة/ ولم يعبأ أحد.” يُحيل هذا إلى عبارة صمويل بيكيت: “ لا شيء يأتي، لا شيء يحدث، لا أحد يجيء، إنّ هذا لا يُطاق”. هذا السهو وعدم الاكتراث، أو ربما أُسمّيه الالتهاء، سوف يتبدّى لنا جليّاً في المجموعات اللاحقة، وسوف نحاول أن نُفسّر به ما نحن بصدده في مجموعة “جفوة الكلام”. يقول ريفاتر: الكلام يعبّر، والأسلوب يُبرِز. في مجموعة “أشياء تتهاوى في أبدها الرتيب” يبرز الأسلوب أكثر، حيث يحاول الشاعر استعادة ما لا يُستعاد، فكلّ الأشياء تتهاوى حتى يصل إلى واقعٍ لا لبس فيه: “وخرجتُ بحياةٍ كهذه”! إذ تتهاوى الأشياء يتعاظم السهو والشرود إفلات الأشياء والنظرة الهائمة، هكذا يعرّف الحياة عبر السهو: “متى ما سهوتُ وأغمضتُ عيني على شعورٍ منذ الأزل وهو يُسيّر حياتي” ويقول بيقينٍ: “حياتي القصيرة إذ يظلّلها السهو”. ونحن لو تتبّعنا عناوين المجموعة، فإنها أقرب إلى صور الغياب في تمثّلاته المتعددة: حياة تنمو في الفراغ ـ غبار من أيدٍ وشجر ـ دوار ـ شجن النهاية ـ شرود ليعلنها تنهيدةً ناجزةً: “لم أستعد من غيابيَ غير الغياب”. يكاد أحمد سالم يرى طريقه، ويقبض على طريقته بوضوح هذه المرة من خلال عنوان مجموعته الثالثة “براعة الالتهاء”، هنا يكمن أسلوب أحمد سالم في هذه البراعة الموجعة والحميمة في آنٍ واحدٍ، بداية من الإهداء: “ إلى أقدم الأماكن في البال وأعتقها في المخيّلة، ما زلتُ أعود، ولا أجد أحداً” يمارس أحمد سالم طوال المجموعة براعة الالتهاء عن الحياة، فهو غير موجود تقريباً، وهو الذي يهجس بالوجود من أول نصّ. يقول: “ما ملتُ عن جهةٍ/ إلا لأقصد/ مكاناً غير ما سأنتهي إليه حتماً في كلّ مرة/ لأحيا في ظلال هذا الخلل.” ويعزز ذلك: “لا أكون إلا فيما قاله الخيال عني” ويوجع نفسه وقارئ هذه المجموعة إذ يقول: “وكأنّ لي حياةً مؤقتةً/ عشتها/ ومضيت عنها/ وانتهيت.” هكذا بهذه البساطة الحادة. لم يكن يرى الشاعر هنا إلا: “أرى/ حديقةً في البال/ وخضرةً سمّيتها براعة الالتهاء” تستمر المجموعة في رسم حياة ليست موجودة تقريباً، يتلهّى الشاعر عنها: ـ هكذا مستمراً أمام ظلٍّ يتلاشى يحاول أن يكونَ لي وأكون هو. ـ بريئاً من حياةٍ مضت. ـ فلا أنا الواقف أمام المرآة ولستُ الانعكاس الخفيف عليها ولا حتى ملايين الاحتمالات بين هذه وتلك. ـ وللنسيان سلّمتُ نفسي. ذلك المعنى الغريب صعب الانقياد ونادر التجلّي اختفى. ـ مشهد حياتي الذي مهما اتّسع وازدحم بالآخرين يظلّ ينقصه وجودي. حياة ينقصها وجوده، هذا كلّ ما في الأمر. ويظلّ السؤال كيف يمكن التعبير بالكلمات عن هكذا حياة، يقول أحمد: “لا أُلحّ/ أقول، وأترك الكلمات/ تتداعى في فضاء احتمالاتها/ ربّ كلمةٍ أطلعتني على ما أقصدهُ/ ومنعتني عن البوح عنه.” هذه العلاقة الشائكة مع الكلمات التي بإمكانها ربّما التعبير عن هذه الحياة، هي أسلوب أحمد سالم الذي يجعله قادراً على الكلام. ما الذي حدث إذن كي يصل الشاعر إلى “جفوة الكلام”؟! ظلّ أحمد طوال تجربته السابقة: “مهتمٌ بما يفوت/ بما لا قدرةَ على اللحاق به/ بما كان ولا يزال يجمدني في صورته التي امّحت”. ولم يكن يسعى إلى الاحتفاظ بالأشياء: “ ... بيدي إذ لا تصرّ على الاحتفاظ بالأشياء” لم يجد الحياة يوماً، يقول: “خمّن مرةً واحدةً/ أي شيء تستطيع وضع يدك عليه/ وتقول: هذه حياتي”. هذه الحياة التي يقول عنها: “ أتابع حياتي كأنها تخصّ غيري” ويؤكد على تسرّبها منه: “أشعر بها تنفرط وتتسرّب في كلامي” هذه الحياة التي يرثيها وتتسرّب في كلامه، رغم ما قيل عنها، لقد كانت حياة. هو لم يفقدها إلا مجازاً. لم يجرّب بعد أن يفقد حياةً! في مجموعة “جفوة الكلام” ترتطم بحياةٍ حقيقيةٍ فُقدت، إذ يُهدي أحمد سالم ـ دون إهداء ـ المجموعة كلها إلى والده الذي رحل: “ إلى أبي وتفاصيله... رحمك الله وأحسن إليك كما أحسنت إلينا” الشاعر روكي دالتون سمّى ديوانه “الموتى يصبحون كلّ يومٍ أصعب مراساً”، هذا ربما ما حدث مع أحمد سالم، نحن لا نستطيع مواجهة الموت بالكلام. وهنا تماماً تُصبح الكلمة: “مصيرٌ لطالما مشيتُ نحوه مكشوف الصدر وفارغ الفؤاد” هذا هو مصيرنا جميعاً: “ مصيري/ الذي أتحاشاه منذ كنت، ويتربّص بي منذ كان” وحين يجيء هذا المصير الحتميّ: “ وحين يجيء/ بعد لأيٍ/ لا يترك لي فرصةً للقول/ ولا نصيباً من الكلام” وكأنّ القصيدة تصبح “نقشاً على ضريح” حسب تعبير ت إس إليوت. في المجموعة الكثير من الالتفاتات للوراء، ما الذي لا يريد قوله، يقول قاسم حداد: “يكتب الشاعر قصيدته الجديدة، لأن لديه شيئاً لا يريد قوله”، ظلّ الشاعر يراوح مكانه، يقول: ـ أنا من ينتظر عندما لا يُفكّر في العودة لأحد. ـ ولمن أفتح دوماً هذا الباب الذي لن أجد أبداً من ينتظرني وراءه. ـ ألف مرة جئتُ ولم أصل بعد. ـ مثقلاً بالوصايا جئتُ وبالكثير الكثير من الالتفاتات المتكررة إلى الوراء. ـ أصغي باهتمامٍ لوصيّةٍ تقول: لا تُطل التحديق ولا تجترح إثم الالتفات. لم يعد هناك ما يقال، كيف نرثي ما لا يُقال. في تجربة أحمد سالم كان الكلام هو ردّة الفعل القصوى لحياةٍ غائبةٍ أو تكاد. فانتقل رغماً عنه من رثاء الحياة بالكلام إلى رثاء الكلام نفسه، يقول في نصّ “جفوة الكلام”: لم يعد لديّ ما أحتاج إلى قوله، كلّ الكلام الذي استبقيته طويلاً وادّخرته لأيامٍ مثل هذه؛ انتبهت لتسرّبه إلى أحاديثي، إلى صخبي الطارئ، وانفعالاتي الطائشة، وزلات لساني؛ حتى جفاني الكلامُ وركنتُ إلى الصمت وفراغه الشاسع كالذين لم يكتشفوا بعدُ ما الكلمة! “لا شعر يهزم الموت في ساعة اللقاء” حسب محمود درويش، كان الشاعر يريد أن يرثي الحياة التي فقدها بالكلام، فلمّا لم يستطع حاول أن يرثي الكلام، ولكن: “ما بقيّ من الكلمات لا يكفي لأقوله ولكنّه يكفي لأختنق.” كما يليق بختام مجموعة “جفوة الكلام” أن تكون. *شاعر وناقد