الكسوف الأدبي ..

بارتلبي وأصدقاؤه السعوديون

1 بارتلبي النساخ هو عنوان قصة نشرها هرمان ملفل أول مرة عام 1853 (مترجمة إلى العربية) عمل بارتلبي أولا في مكتب بريد قيما على الرسائل التي لا تصل إلى أصحابها. ثم عمل نساخا في مكتب محاماة. اشتهر بعبارته (أفضل ألا أفعل). لم يقل بارتلبي (لن أفعل) لكي لا يستثير صاحب مكتب المحاماة باعتبارها رفضا مستفزا، بل يقول (أفضل ألا) وهي صيغة مربكة ، لأن صاحب المكتب لا يستطيع أن يعاقبه، لعدم وجود مبرر لكنه لا تستطيع أن يتجاهل رفضه. إذا ما شئت أن أستعير عبارة معروفة للتعبير عن إرباك عبارة (أفضل ألا) لصحاب مكتب المحاماة فهي عبارة شهيرة للبرلماني والكاتب البريطاني إدموند بيرك. فحين سمع بالثورة الفرنسية قال إذا كانت حكمة الاحتياط واللياقة تملي السكوت في بعض الظروف، فإن حكمة من نوع أسمى قد تبرر لنا الحديث عن أفكارنا، والمعنى يستحيل الحديث وفي الوقت ذاته يستحيل السكوت، وهذا هو بالفعل موقف صاحب مكتب المحاماة الذي عمل عنده بارتلبي نساخا. حاول صاحب المكتب أن يدفعه إلى العمل لكن جوابه الدائم (أفضل ألا). لكنه أصيب بالذهول أمام هدوء بارتلبي ولا مبالاته. وبدلا من أن يطرده تعامل معه بشفقة وتسامح بوصفه إنسانا محطما. حاول استمالته لكن بارتلبي يفضل ألا. نقل محل المحاماة إلى مكان آخر ليتخلص منه، وفي الوقت ذاته يتخلص من الشعور بالذنب فيما لو طرده. يموت بارتلبي في السجن. وينتهي القصة بعبارة صاحب المكتب “آه يا بارتلبي.. آه أيها الإنسانية”. 2 هناك شخصية قصصية أخرى قريبة الشبه ببارتلبي، وهي شخصية ويكفيلد إحدى شخصيات قصة بالعنوان ذاته للكاتب الأمريكي هوثورن. عاش ويكفيلد حياة مريحة هو وزوجته. وفي إحدى اللحظات الناشزة من الحياة يقرر أن يغادر بيته، ويستأجر شقة قريبة من بيته من دون أن يعرف أحد ذلك بمن فيهم زوجته التي مرضت في أيام مرضه الأولى. استدعت الطبيب بينما هو يراقب بنوع من الغرور المرضي، منتظرا الوقت الذي ستموت فيه حزنا عليه. لكن على الضد مما توقع بدأت زوجته تتعافى تدريجيا. لم يكن ويكفيلد يعرف أن الإنسان يتكيف كما تتكيف الحلزونة مع العتمة، وكما يسعى الفار إلى الخروج من المتاهة. وأن الإنسان لا يختلف عن الحلزونة ولا عن الفأر. فالجميع يتعلم وينسى وفق قانون واحد. وأن الرسم البياني يظهر أن البشر يتعلمون كما تتعلم الكائنات التي نصفها بغير العاقلة. مع تنامي الوقت لم تعد زوجته تحفل بغيابه. ثم نظرت إليه على أنه زوج ميت وليس زوجا مفقودا، مما يعني أنها لم تعد زوجة، بل أرملة. سوت ميراثه وعاشت بهدوء. ولم يبق منه في ذاكرتها سوى ابتسامته الماكرة قبل الرحيل. بعد عشرين سنة وجد ويكفيلد أن حياة زوجته استمرت من دونه، وأن الحياة لا تتوقف من أجل فرد غائب مهما كان نوع غيابه، ومهما كانت أهميته. لقد أراد أن يختبر أثر غيابه في زوجته، مدفوعا بالفضول وبالغرور، لكنها استمرت في حياتها. وفي ليلة باردة وممطرة شاهد مدفأة في بيته القديم فدخل ليتدفأ كما لو أنه لم يغب سوى يوم واحد. 3 سأوضح أكثر لمن لم يقرأ القصتين. يظهر بارتلبي النساخ في قصة هرمان ملفل، كشخص غريب الأطوار يعمل في مكتب محاماة، لكنه يرفض أداء أي عمل يُطلب منه بكلمات هادئة ومتكررة: - أفضل ألا أفعل ذلك. لا يشكل هذا الرفض تحديًا صريحًا لصاحب المكتب، لكنه يربكه ويضعه في موقف أخلاقي معقد، لأنه لا يستطيع إجبار بارتلبي، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل رفضه. يعيش بارتلبي معظم وقته واقفًا أمام نافذة المكتب، يراقب الحياة من الخارج دون المشاركة فيها، حتى في أيام الإجازات، يعيش في عزلة عميقة وكأنه رفض كل ما يربطه بالمجتمع. وعندما تُستنفد كل المحاولات لإعادته إلى العمل، يُنقل إلى السجن، حيث يموت، لينتهي النص بعبارة صاحب المكتب: - آه يا بارتلبي… آه أيها الإنسانية بهذه النهاية، يصبح بارتلبي رمزًا للرفض العميق للعالم، ولـأدب الصمت الذي يعكس موقفًا فلسفيًا من الحياة. أما في قصة ويكفيلد لهوثرن، فنجد شخصًا آخر يعيش حياة مزدوجة، لكنه مختلف عن بارتلبي. يقرر ويكفيلد مغادرة منزله فجأة واستئجار شقة قريبة دون أن يعلم أحد، حتى زوجته، ليختبر أثر غيابه على حياتها. على عكس توقعه، تتعافى زوجته تدريجيًا وتستمر حياتها بشكل طبيعي، وكأن حياته لم تتوقف من أجلها. طوال عشرين عامًا، يراقب ويكفيلد حياته القديمة متخفياً، يكرر - سأعود غدا. يكرر ذلك يوميًا دون أن ينفذها، منعزلًا عن العالم، لكنه لا يرفض الحياة فلسفيًا كما فعل بارتلبي. في النهاية، يجد أن زوجته لم تعد تعتبره حاضرًا، بل وكأنه ميت، مما يوضح كيف يؤدي الانسحاب الكامل من الحياة الاجتماعية إلى فقدان المكانة والذاكرة في المجتمع. هكذا، يقدم بارتلبي وويكفيلد نموذجين للانعزال والصمت، الأول على مستوى الرفض الوجودي والفلسفي، والثاني على مستوى المراقبة والانفصال الاجتماعي، ليكشف كل منهما جانبًا مختلفًا من العلاقة بين الفرد والمجتمع وبين الكتابة والحياة. 4 لم يقرأ بارتلبي النساخ أي صحيفة. لم يشرب بيرة قط، لم يشرب شايا ولا قهوة كما يشرب الآخرون. يعيش في المكتب، ولم يخرج منه حتى في أيام الإجازات. إجابته الدائمة عن أسئلة من نوع أين ولدت، من فضلك قم بهذا العمل هي أفضل ألا أفعل ذلك. يفضل أن يقضي وقته واقفا أمام نافذة المكتب ليراقب الحياة من دون أن يكون فاعلا فيها. وحين يطلب من صاحب المكتب أن يعمل، أو يحضر شيئا ما، أو يسأل من هو يجيب (أفضل ألا أفعل). وعلى النظير عاش ويكفيلد عشرين عاما بالقرب من حياته القديمة من دون أن يشارك فيها. كان جامدا روحيا، ومراقبا سلبيا. قضى كل هذه السنين غاديا وعائدا أمام منزله بعد أن صبغ شعره، ولبس ما يخفي هويته. سأعود غدا. كرر هذه العبارة يوميا وعلى امتداد عشرين سنة، من دون أن يملك إرادة للتنفيذ. لم يعد يعمل، ومن دون أصدقاء. منبوذ الكون كما يصفه الراوي. توقفت الدراسات كثيرا عند القصتين. فويكفيلد بوصفه فردا مرتبط بنظام اجتماعي. وبمجرد أن يغادر الفرد هذا النظام فإنه يفقد مكانته مهما كانت. وكلما زاد الزمن عمق فقدان المكانة بشكل أعمق حتى يختفي من الذاكرة. لقد كان ناتجا من نتائج الرومانسية المظلمة، وأثرا من أثر بعض القرارات التي تؤدي إلى خسارة عميقة، وإلى فقدان الذات، وإلى الانفصال عن المجتمع الذي يؤدي إلى الضياع. أما بارتلبي فقد تقمصه رفض عميق للعالم، واعترته ميول إلى اللاشيء. ما يهم موضوع المقال فهو أن بارتلبي بدرجة أولى ثم ويكفيلد في قليل من الدراسات تحولا -لاسيما بارتلبي- إلى رمز إلى الكتاب الذين كتبوا كتابا أو اثنين ثم صمتوا نهائيا، عاجزين عن أن يكملوا ما بدؤوه. هناك من يطلق عليهم متلازمة سالينجر الذي أصدر رواية ثم صمت نهائيا، فبعد نجاح روايته الحارس في حقل الشوفان التي نشرت عام 1951 متناولة قضايا الاغتراب والمراهقة، قضى أكثر من خمسين سنة مختبئا في منزله الريفي، رافضا إجراء الحوارات الصحفية، والظهور العلني إلى أن مات عام 2010. أنا أفضل تسمية هؤلاء بأصحاب بارتلبي لسبب سنعرفه بعد قليل. سأكتفي هنا بالقول أن بارتلبي أصبح رمزا لأدب الصمت، وهو تيار يمكن أن نصفه بأنه تيار أدبي وفلسفي يتعلق بالكتاب الذين توقفوا عن الكتابة بعد أن أصدروا كتابا أو كتابين. إنهم كتاب (ألا) وأدباء (لا). 4 لكن لماذا يفضل هؤلاء (ألا)؟ كتب أوغستو مونتيروسو قصة في مجموعته (أيها القناع أعرفك جيدا/ مترجمة إلى العربية) عنوانها الأعمال الكاملة أو الثعلب هو الأكثر مكرا. والقصة هي أن ثعلبا شعر بالحزن لأنه لم يعد يملك نقودا. لذلك قرر أن يصبح كاتبا. حقق كتابه الأول نجاحا باهرا. أطراه الناس والنقاد حتى أنه ترجم إلى لغات عدة. كان كتابه الثاني أفضل من الأول حتى أن أهم الأكاديميين في جامعات مرموقة علقوا عليه، وكتبوا كتابا عن كتب الثعلب. سارت الأمور بشكل جيد إلى أن شعر بالرضا عن نفسه. ومرت سنة تلو سنة ولم ينشر كتابا آخر. بدأ القراء يتهامسون ما الذي حدث للثعلب، وأثناء الحفلات التي يحضرها يجتمعون حوله حاثين إياه على أن يصدر كتبا جديدة. يرد عليهم متثاقلا لقد نشرت كتابين. يكفي ذلك. لكنهم يصفون الكتابين بالجيدين، وعليه أن ينشر كتابا آخر. فكر الثعلب ثم توصل إلى أنهم يريدون منه أن يتعجل في النشر، فينشر كتابا سيئا. لكن بما إن الثعلب، فلن ينشر. ولم يكتب بعد. ما نفهمه من رد فعل الثعلب أن إصدار كتاب ثالث أقل مستوى سيدمر إرث الكتابين اللذين سبقاه. وأن الشك ينخره في أن القراء والنقاد ينتظرون سقطته لكي ينقضون عليه. يشعر بأنه هؤلاء يتربصون به. شعر بالتهديد، وبعدم الأمان الأدبي إن صح هذا الوصف. فضلا عن ذلك شعر الثعلب بأن قيمته مرتبطة بكمال كتابيه السابقين، ولا يريد أن يخدش ذلك الكمال. يرى الثعلب أن هناك جانبا مظلما في طبيعة القراء والنقاد، وهو الرغبة في إسقاط الكاتب الناجح، ليصبح متساويا معهم في كونهم غير ناجحين. وبالتالي فعدم إصداره كتابا ثالثا هو حيلة هجومية تجاه هذه الطبيعة المظلمة، وليس دفاعا، وأن عدم الإصدار هو ما يجعله ممسكا بزمام المبادرة والسيطرة، ولا يريد أن يخسرهما. هناك نسخة مثالية للثعلب بوصفه كاتبا شكلها القراء والنقاد ولم يشكلها هو نفسه. وبذلك تحول الكتاب الثالث إلى عبء، لأن المقارنة ستكون حاضرة مع صورة الكتابين المثالية وكاتبها. فتحول نجاحه السابق إلى عدو، وعمله القادم إلى تهديد. 5 أصدر الكاتب الإسباني انريكه بيلا- ماتاس رواية عنوانها (بارتلبي وأصحابه). موظف بائس يدعى مارسيلو نشر رواية قبل خمسة وعشرين عاما عن استحالة الحب. يعاني من وحدة قاسية، ربما لتشوه جسده (أحب) علاقة بعزلته. لم يصدر غير تلك الرواية. لكنه نصب نفسه راعيا للكتاب المرضى بـ (لا) التي تظهر فجأة في مسيرة الكتاب فـ (يفضلون ألا) على طريقة بارتلبي. نصب مارسيلو نفسه وصيا على كل بارتلبي لاحق تقمصه رفض عميق للعالم، أو أصبح ميالا إلى اللاشيء الذي يغدو ديدن بعض الكتاب الذي يسمي أدبهم أدب الـ (لا). يزعم مارسيلو أن ما سيكتبه عن الكتاب الذين أصابتهم لعنة بارتلبي هو الكتاب المفقود الذي لم ينشره. ويصف فصول هذا الكتاب المفقود بأنها هوامش على هذا الكتاب غير المرئي. تمثل رواية ماتاس عملا أدبيا استثنائيا، يتدخل فيها الفكر الأدبي والنقد. تتكون من ستة وثمانين فصلا (هامشا وفق وصف مارسيلو). وفق مارسيلو لا يوجد حكاية لتروى. وما يكتبه مجرد هوامش بدون نص، وبدون شكل. وما يكتبه مجرد تأملات في هامش الأدب، وتعليقات على تصرفات الآخرين الأدبية. يكتب عن المصابين بلعنة بارتلبي لأنه يريد أن يكون مكتوبا. يرى بارتلبي أن هناك كتبا تنتمي إلى تاريخ أفضل ألا. كتب شبحية وغير مرئية. كتب يضمها بعض الكتاب في داخله إلى حد أنهم لا يستطيعون كتابته ولا قراءته. الكتاب موجود، ولا يشكون في وجوده. قد يظهر هذا الكتاب ثم يختفي لأنهم لم يكونوا يملكون الوقت الكافي لكتابته. تطرح هذه الرواية مجموعة من الأسئلة: هل هؤلاء الكتاب هم حراس العدم؟ هل يمثل صمتهم محافظة على قدسية الأدب؟ هل فشلوا وإذا ما كان الأمر كذلك هل يستحقون التكريم أم يستحقون إتاحة الوقت؟ هل يجب أن يُذكر هؤلاء الذين فضلوا الظل؟ أليس من المفترض أن من اختار الظل عليه أن يبقى في الظل؟ هل الصمت أفضل من الكتابة، وإذا ما كان الصمت أفضل فلماذا وجد الكلام واخترعت الكتابة أصلا (بالمناسبة الجاحظ يفضل الكلام والكتابة على الصمت، وأحد أدلته أن الأنبياء أرسلوا بالكلام والكتابة وليس بالصمت) هل الكتابة محاولة يائسة من هؤلاء لملء فراغ وجودي فلما فشلت صمتوا؟ هل يمكن أن يصل الكاتب إلى طريق مسدود فيصمت؟ ألا يكون صمته نتج عن جفاف أفكاره، ولم يكن موقفا لا من الأدب ولا من الوجود؟. 6 فيما لو ضم مارسيلو إلى رعايا مملكة الأدب الصامت التي يرعاها رعايا من الكتاب السعوديين البارتلبيين؛ فما الأسباب المحتملة لصمتهم من وجهة نظره؟ ستعدد احتمالات مارسيلو أمام أصحاب بارتلبي السعوديين حسب شخصية الكاتب السعودي المصاب بلعنة بارتلبي. فربما توقف لأن العزة الفكرية تكمن في الاعتراف بمحدودية الكتابة. ربما مات الكلام، وربما غرقت الأنا في خضم الأشياء المتأزمة، وربما فقد التفكير في أي قضية بشكل مميز. هناك احتمال يتمثل في أنه لم يعثر على اللغة التي تعبر عن الواقع، والأكثر احتمالا أن اللغة لم تجد ما تقوله عن الواقع. قد يحدث ذلك لأن هجر الكتابة تعطي الكاتب فرصة لكي يفكر أكثر مما يفكر وهو يكتب؛ فالكتابة الكثيرة تجعل التفكير أقل. من الممكن أن الكاتب رأى أن الكتابة هي الحماقة بذاتها. وربما أن شعوره بقوته هو الذي أجبره على أن يطمح في ألا يكتب باللغة البشرية، فهو يفكر بلغة لم يتحدثها أحد حتى الآن، ولم يبتكر أحد حتى الآن أي شكل كتابي لأصواتها. قد يكون واقعا في هوة لغوية غير قابلة للردم. من المحتمل أنه رأى الكتابة لعبة سهلة، وأن مهاراته الخاصة أعلى من مجرد كتابة لذلك ازدراها. لا شيء.... 7 ما الذي لم يقله مارسيلو عن أصحاب بارتلبي السعوديين؟ قد يتبنى بارتلبي سعودي رعاية هؤلاء البارتلبيين، ويدون كما دون مارسيلو هوامش على كتاب مفقود. قد ينتقد مارسيلو لأنه لم يخبر هؤلاء الكتاب. لذلك سيضيف إلى أسباب مارسيلو المقترحة أسبابا أخرى كالأساطير الثقافية إذا ما تصرف في مفهوم رولان بارت. خرافات المثقفين عن بعضهم بعض، لاسيما المتعلقة بهؤلاء الصامتين. خرافات الشلل الثقافية التي تنادي هؤلاء وتكتب عنهم واصفين إياهم بالأساتذة والمعلمين والرواد، والمثقفين الحقيقيين الذين فضلوا الظل وابتعدوا عن النور. سيرى هذا البارتلبي المفترض أن غرق الأساطير الثقافية في العاطفي والثقافي هو القناع الذي وضعه الصحفيون الثقافيون، والأصدقاء المثقفون، لجعل صمت هؤلاء ذا معنى. فقد صمت هؤلاء من وجهة نظر هذه الميثولوجيا الثقافية لأنهم لم يجدوا فائدة لكل ثقافة حقيقية، ولا مجال لكل مثقف حقيقي. فالمصير المحتوم لكتاب صادقين كهؤلاء هو الصمت. لقد حاولوا أن يسمعوا فيما لو كان هناك أحياء، لكنهم لم يجدوا أحياء غيرهم. قد يكون ما عرضته الميثولوجيا الثقافية صحيحا، لكن في الوقت ذاته هناك بعد آخر يجعل من هذه الميثولوجيا غير قادرة على التفريق بين الصامتين موقفا والصامتين جفافا إبداعيا أو ثقافيا. لا تشير إلى أن الصمت قد يكون عجزا، وصمتا قسريا لأن المنبع جف. وأن هؤلاء يرغبون في الكتابة وإصدار الكتب لكنهم فقدوا الأداة، وماتت روحهم الإبداعية. صمت يمثل نوعا من الزهايمر الإبداعي والثقافي. واستنزاف المادة الخام من دون القدرة على تجديدها. لا تفرق هذه الميثولوجيا بين الصدق الداخلي لبعض هؤلاء لأنهم واقعيون يرفضون أن يختبروا موهبتهم بعد أن جفت، وقدرتهم بعد أن خارت. لا تميز الجمود الكلي، ولا الخيار الشخصي في ألا يفعل شيئا ثقافيا. لا تظهر أن عيش الحياة هو الأصل إذا ما كان أحد ما يستطيع أن يعيش بلا قراءة ولا كتابة. إذا استطاع أحد أن يعيش على هذا النحو فخيار الصمت أصيل لأن موجود لكي يعيش الحياة لا ليكتب عنها. إذا لم تكن القراءة والكتابة جزءا جوهريا من كياناتهم فهي مجرد قشور، وليست ضرورة وجودية، والصدق مع النفس هو أن يتوقفوا. لا تفرق هذه الميثولوجيا بين النوايا الواضحة والطموح الذي يتصدر الاهتمام. فالأعمال العظيمة كما يرى توماس مان هي ثمرة من ثمرات نوايا أصحابها المتواضعة. لم تسبق هذه الأعمال طموح أصحابها، بل نمت نموا مطردا مع العمل. قد يكون أعظم الأخطاء التي ارتكبها هؤلاء الصامتون أنهم تركوا أنفسهم فريسة للطموح الجامح والمتسرع. الطموح بوصفه غاية في حد ذاته، والمستقل عن العمل. الطموح الباهت للأنا. وعلى هذه الشاكلة وجد هؤلاء الصامتون مصيرهم أشبه بمصير نسر مريض وجد نفسه عاجزا عن الطيران كما يكمل توماس مان عبارته. 8 قد تكون الحالة السردية أهم من مجموعة قصصية مطبوعة. وإلقاء القصة من الذاكرة أهم من قراءتها مكتوبة. الراحل عبدالله بامحرز كان يحفظ قصصه ويلقيها إذا ما طلب منه أصدقاؤه ذلك. قيل عنه إنه حالة نادرة، وربما القاص الوحيد الذي يحفظ قصصه. وهناك دعوات إلى جمعها إن كانت موجودة أصلا مكتوبة عند الأصدقاء وإصدارها. قد يكون تقمص حالة الشاعر وهو يلقي قصيدته أهم من كتابة قصيدة. الراحل عبدالله نور يفعل ذلك مع قصيدة الشنفرى. لم يسبق لي أن قابلتهما، ولم أقرأ شيئا لهما لكنهما أسطورتان من أساطير ساحتنا الثقافية، وفي هذا السياق يحضر حفظ بامحرز لقصصه، وإلقاء نور للامية العرب. لكن لا أحد سأل لم يفعلان ذلك؟ هل يريدان أن يقولا إننا نرى ونفهم لكننا لا نشارك؟ هل يقصدان أن النشر مجرد وسيلة تقنية وليس اختيارا وجوديا؟ هل يريدان أن يبقيا في منطقة الاحتمال؟ هل يحتالان بحفظهما القصص والقصائد على قلقهما؟ هل عدم نشرهما الكتب اختيارا حرا أصيلا أم هروبا؟ هل يؤجلان تحملهما مسؤوليتهما تجاه الواقع؟ هل يمارسان نوعا من الريبة وتحسس سوء نية الأخرين؟ هل يهربان من المخاطرة؟ هل يريدان أن تكون حريتهما داخلية لا خارجية؟. لا تنطبق هذه الأسئلة عليهما فقط، بل تنطبق على آخرين كحسين سرحان وعبدالله عبدالجبار ومحمد العلي ومحمد زايد الألمعي وأحمد أبو دهمان إذا ما اقتصرت على ما يحضرني الآن. ربما يشبه هؤلاء بيدرو غارفيا صديق المخرج الإسباني لويس بونويل. يصفه بأنه شاعر حقيقي. لكنه يعاني من مأساة غريبة. يقضي أياما وليالي في المقاهي بحثا عن صفة واحدة. القصيدة كاملة في ذهنه وجميلة، لكنها تتوقف على تلك الصفة الوحيدة التي ستمنحها الحياة. وهو يبحث عن تلك الصفة قد يشرب عشرين كوبا من القهوة، وهو يحدق في الفراغ. ما إن يراه أحد من معارفه حتى يبادره هل وجدت الصفة؟ لا. ما أزال أبحث عنها. ثم يمضي مفكرا. بالنسبة لبونويل فهذه الصفة المستعصية التي يبحث عنها غارفيا لم تكن مجرد كلمة، بل هي الكلمة المفتاحية التي ستجعل الواقع يبدو مختلفا. هذا البحث المستمر عن صفة واحدة دون كتابة سطر واحد هو أسمى درجات التفاني في الفن. لم يكن كسولا، بل كان مثاليا إلى درجة يعجز فيها عن تلويث قصيدته بالحبر. بأسى انتهى هذا الشاعر الباحث عن صفة واحدة في مقاهي مدريد لاجئا في المكسيك محطما بسبب الغربة والكحول، لكنه ظل في ذاكرة المخرج الإسباني رمزا للشاعر الذي عاش القصيدة بدلا من أن يكتبها.