رجل الأشياء السخيفة .

      ما زالتْ أسطَرةُ الشخصيات تبهرني، حتى تلك الشخصيات الغارقة في عاديَّتها، هي أسطورة اليوم؛ بطلةُ حياةٍ مصنعيَّة بامتياز، ورقْمٌ صعب لمدى التفاهم مع العيش بلا أضرار معنوية. لكنني أحتاج إلى نسخة خاصة من أسطورة تلائم ارتيابي وإحباطي المتقلِّبَين، أسطورة أكثر صلابة من نسخة العاديَّة المصنعيَّة، وأكثر رهافة من نسخة (قوقول) في ذلك المعطف، وأشد خفاء من الوهم ومن صوتٍ بعيدٍ في سماعة هاتفي، نسخة أحملها معي أنَّى ذهبتُ وجئت بلا خجل أو مواراة.       فلنتَّفق أننا في زمن صعب بسهولته السطحية، عبء التفكير تحمله عنا أدوات ذكية، عبء الدراسة مالٌ، ثم مالٌ ثم مالٌ ثم وقت. الجهد فلسفة قديمة صارت لها وجهات نظر. الحساب والعد نصله بضغطتين أو ثلاث دون إعمال ذهن، وعبء ملاحقة الدوائر الحكومية محمول في أيادينا لدقائق ذات علاقة قوية بالشبكة، حتى أعباء التربية غدت على كواهل القنوات المرئية، أو على أكتاف آخرين خارج نسق حياتنا، آخرين ينتظرون فرصةَ العمل في مستوياتها الأدنى، ونثق بهم بضمير لم يمت بعد، رغم ثباته على درجة التجمُّد!      فلنتفق أنّ الصعوبة التي تعترضنا مجرد (توفيقات) بين أشياء سهلة جدا يمكن اقترِافُها بمحض الرغبة أو الاضطرار، كمطبّ الحي الذي ما زال وجبة للسيارة ولا يستطيع إصلاحه أحد، لا نقدر على الفكاك من تلك الأشياء (تماما) مهما حرصنا. وأنا أحتاج لنسخة من أسطورة تعي المواجهة والنزال مع تعقيدات السهولة، قادرة على استيعاب تلك النوبة من الهلع المفاجئ التي يمكنها أن تعتريني ليلا أو في وسط ساعات العمل، لأن منطق الأشياء السهلة التي أنازلها يوميا (وبسهولة) لا يستقيم معي، وأهدافي مائيَّة جدا، تتسرب بأدنى شَعْر من صدْعٍ روحيّ أكثر من تسرُّبها من عينيّ.      أحتاج إلى نسخة تتحمل عني السخافات، تتحملها كلها بضمير يُحمَد على درجة تجمده! نسخة تمتص السخافات كإسفنجة، ثم تعيد ترتيبي للخروج إلى الحياة. متوفرة دائما لأنها عاطلة عن العمل الذي تقيِّمُنا عليه الحياة، أو لأن روحها أبويّة سماويّة. أموميةُ الحياةِ مشكوكٌ بها، وعقوقي صار قريبا، والعقل يطلب من الله الرشد كل حين، والوقت انتهى قبل فهْم ما يجري. أتَّجِهُ إلى تلك الوجهات كمن يملأ حقيبته بالأدوية استعدادا لمرض موهوم. لعلّ السهولة الصعبة (تشويش) متعمد يفسد الوصول إلى المخرج؛ فتعددت الإجابات لشيء واحد يحدث بإخلاص ولا يُرى لشدة ما يحدث.       (رجل الأشياء السخيفة) على نسق رجل المهمات الصعبة والمستحيلة، أو الرجال الخارقين في زمن يبحث عن حل واحد لأمور لا تحدث، أمور يُراد اختراق حياة مملة بها. هم رجال تسلية وتقطيع مبهر للوقت، أما النسخة التي أحتاج إليها فمعها كل الأجوبة، أو هكذا أرى، ولا تستطيع إيقاف الغباءات المتعددة في تفاصيل حياةٍ هشّة. أريد أن تكون موجودة لامتصاص أعراضي الجانبية من هذه الحياة. ويكفي أن تكون موجودة، ولو كانت ذات هيئة ملتبِسة بأشخاص (عاديين)، أن تحتملني مسؤولتي مثلا في العمل لأجلي فقط، وتواسيني مشرفتي لأجلي فقط، أن يربت على ارتيابي ناشري لأنني فقط. وأن يتعاهدني كاتبي المفضل أو شاعري لأنني جزء مما يحدث في عالمه المتخيّل، فالمبدع يدرك أن المبدع مثله -وإن تبدل دوره إلى قارئ- يصل إلى الحقائق على نحو غريب جدا، وأزعم أنَّ مثلي وسيلة لذلك… أنا إحدى حقائقه فيما يحدث من الأمور العظيمة والسخيفة… أو لأنني فقط… وقد يكون قارئي مثلا، والقارئ طيفٌ جميل، يحاول ردّ متعة قراءتي بما يقدر عليه، وهو في قبيلة النسخة التي أحتاج إليها. لعلَّ وشائج الحياة الصعبة بسهولتها قدمت لي أولئك كلهم؛ من يحتملون الأشياء السخيفة عني دون أدنى فائدة يجنونها سوى أنني (أنا فقط). إنه الربح السهل الذي غاب عن فطنة هذا النوع من الحياة مذ بدأت في الحدوث… لم تدرك الحياة وهي تسقط في فخ (السهولة الصعبة) أنَّ هناك مَنْ هم نسخٌ من أنفسهم هم فقط، وأنهم سيحاولون التمسك بذلك رغما عن كل الأشياء السخيفة التي تكررها الحياة في وقتنا هذا، وقتنا الذي برَعَ في اختراع شخصياته الخارقة، ونسي أن الأشياء السخيفة ما زالت تحدث، ولا يقوم بدورها أحد أبدا.