لا أدري هل كانت أول رواية قرأتها في حياتي هي البؤساء أو سلامة القس لعلي أحمد باكثير، لكن الذي أعرفه أنني بدأت بقراءة الأدب الروسي أولا ثم الفرنسي، ثم تنقلت قرأت الأدب الياباني وأدب أمريكا الجنوبية، ثم الأدب العربي، بداية الألفية شرعت في قراءة الرواية السعودية، وعندما قرأت عبده خال عرفت حينها أني سأكون كاتبا، ما كتبه عبده كان بوصلتي في عالم الكتابة، صحيح أني في البداية لم أستوعب عوالم الكتابة فكتبت ثلاث روايات من عوالم هجينة، لكن بمجرد أن كتبت “نحو الجنوب” و”أطفال السبيل” شعرت أني بدأت الطريق. كنت ألتقي بعبده كثيرا في نادي جدة الأدبي أيام أستاذنا الكبير عبد الفتاح أبو مدين، وبعده الدكتور عبد المحسن القحطاني، وأيام جماعة حوار التي كان يرأسها الدكتور حسن النعمي، كان عبده حريصا على حضور جماعة حوار، وكنت أحضر باستمرار حينها، وقد نلتقي بعد النادي في مقهى النورس أو النخيل، نتحدث ونعمّر بالقرب من البحر. الجميع يعرف عبده في الجمعات واللقاءات التي يتحول فيها إلى حكواتي يتحلّق حوله المثقفون ويستمعون له وهو يذكر الحكايات والقصص فمرة يحكي قصة حدثت في الحارة، ومرة يحكي موقفا مع زميل أو موقف في حدث ثقافي، ولا تسمع إلا صوت القهقهات في المكان، أتذكر آخرها في ملتقى الأدباء الذي عقد بعد تشكيل الوازرة في أبها، لقد اجتمع حوله جمع هائل من المثقفين والمثقفات لم يكن عبده حكاء فريدا فقط، بل كان محبوبا، لا نعرف له أعداء، كل ما نعرفه أنه قد يقول رأيه الذي يؤمن به وقد يغضب البعض، لكنه يبقى عبده قبل الرأي وبعده. لم أسمع عبده يحكي في سياق غير سياق الود والمحبة، والذكريات، والدعابة، لا كراهية، ولا طعن في ظهور الآخرين، ولا سخط، ولا عتاب، ليس هناك شلة ينحاز لها دون غيرها، ولا تكتل يقصي غيره، في أي مكان يرحب بالجميع، ويدعوه للجلوس. عبده لا يغيب إلا في حالتين فقط أثناء الكتابة ووقت المرض، فمرة كنا في الفجيرة وحضرنا فعالية لمدة خمسة أيام كنا نشاهده في الفعاليات ثم يغيب، ولم يكن يشاركنا السهر، ثم عرفنا أنه يمضي في عوالمه التي ينحاز لها أكثر من أي شيء آخر، لقد كان مشغولا حينها بكتابة رواية، لقد كان يمضي معظم الوقت في الكتابة! وفي وقت المرض كان عبده غيب عن العالم لحظات ثم يعود، أظن أن الأزمات الصحية التي كان يمر فيها عبده، ويغيب عن العالم، كان يزور فيها عوالمه التي صنعها في رواياته، هناك في الموت يمر من هنا ومدن تأكل العشب، والطين والأيام لا تخبئ أحدا، إنه يذهب لزيارة عوالمه ثم يعود مذهولا مصدوما من تلك العوالم، ويشعر أن هناك عالم يشده ويجذبه غير عالمنا، لهذا تتبعثر اللغة، ويتصدع البيان، وتمتزج الصور، وترتعد البلاغة، لهذا يكون بحاجة لمزيد من الوقت حتى يستوعب الحضور من هول الغياب. عندما كان يصاب بجلطة، تصاب الساحة بهزة، ويتحول المستشفى إلى مزار كثيف، ويتحدث معهم عن تلك اللحظة الوجودية الهائلة، يتحدث بنفس الحماس بعد أن ضرب القاموس، يتوقف لحظات وعندما لا تنجده اللغة يفزع للأصدقاء من حوله ويقول: أنجدوني بالكلمات. لقد أصيب عبده بأكثر من جلطة ويقوم بعدها ويتعلم من جديد الكلام والأحرف من أجل العودة للكتابة، لقد تجاوز عبده كل الجلطات المميتة كي يعود إلى الكتابة، وبالفعل يعود ويكتب، وهذه معجزة لم تحدث لأحد بحسب علمي وإحاطتي إلا لعبده خال. يحب الأصدقاء كلهم، يجلس معهم، لا يتردد أبدا في الذهاب مع أحدهم يريده في أمرا ما لتدخين سيجارة، أو شرب بببسي، عبده يحب البيبسي كثرا، رغم السكر، إنه رفيقه أثناء الهبوط، لقد عاش على وئام مع داء العصر بسبب بسطة الحضور، وازدهار الروح. لم يتغير عبده خلال السنوات ولم يترك عيال الحارة، ولقد استمر يقابلهم بعد أن أصبح كاتبا وروائيا، وحائزا على الجوائز، يقابلهم بعد الشتات الأخير، على الأرصفة، وفي المقاهي، وفي المطاعم، وفي جدة التاريخية، يقابلهم بروح ابن الحارة الذي لم يتغير. لقد قابلت عبده كثيرا في المعارض الفنية التي تقيمها العزيزة هناء حجازي، وكان عبده هناك، لأنها “بنت حارتنا”. إنه يسير في الطرقات ويستوقفه الناس من أجل مقال قديم كتبه قبل عقود، موقف حدث معهم بسبب مقال، أو مقطع في رواية، يتوسع معهم في الحديث وتطير معهم الضحكات. لقد تعاملت مع عبده خال خلال أكثر من عقدين كقارئ لم أقدم نفسي أكثر من ذلك، ولم أقدم له رواية إلا قبل سنوات ونحن في مطار أبها، لأني قدمت لأحدهم نسخة من روايتي “عالم منصور” فأعطيته بعد أن طلب نسخة، قرأ الرواية في الطائرة -وهذا امتياز في رواياتي الصغيرة- عندما وصلنا جدة، أخبرني في المطار أنه قرأ الرواية، ولن أذكر رأيه هنا، عبده لديه قناعة في تقديم الآخرين، فهو يرى أن الكاتب لا بد أن يشق طريقه بنفسه دون تدخل من أحد، لا بد أن يفرض كتابته دون تدخل من سبقوه، وأنا مع هذا دون شك لأننا نشاهد جميعا أن المدح والتطبيل في الكتابة المتضرر الأول منه هو الكاتب خاصة إذا كان في بداية الطريق. وإن كنت أختلف معه في جزئية صغيرة، وهو أن الكاتب عليه الإشارة لأي كتابة جميلة خاصة لو كان كاتبها في أول الطريق، لأن هذا يعني له الشيء الكثير، لكن بعد هذا المشوار في الكتابة، أزعم أن طريقة عبده هي الأجدى رغم قسوتها. ربما كلامي هذا لا يعني أحدا سوى عبده، لكني أعبر بالنيابة عن أحبابه في كل مكان، وأرى من الضرورة قوله، لا أريد أن أموت دون أقول لعبده أني أحبه، ولا أريده أن يموت -بعد عمر مديد- دون أن يسمع مني ذلك، ومن الواجب عرفا وشرعا أن نقول لمن نحبه أننا نحبه، وهو هدي نبي عظيم، له أثره ومعناه الذي لا يخفى على أحد. لماذا هذه الكتابة الآن؛ لأن الأسبوع الماضي شاركت مع عبده في فعالية في مهرجان الكتّاب والقراء في الطائف، هي من ضمن فعاليات هيئة الأدب والنشر والترجمة، كانت الفعالية تحت مسمى “شارك خبرتك” شاركت فيها معه كوننا كتّاب قد نساهم في نقل تجربتنا للجيل الجديد بما نملكه من خبرة في الكتابة، كانت تلك الفعالية التي امتدت لأكثر من ساعتين ساحرة ومربكة على المستوى الشخصي، فأنا على طاولة واحدة مع عبده خال نستقبل الناس، هل الارتباك كوني لم أعد أنظر لنفسي في هذا الموطن كقارئ له وإنما أصبحت زميلا ، أم لأني كبرت كثيرا، وأصبح الناس يحسنون الظن بي لا أدري! في نهاية هذا الكلام، وبعيدا عن كون عبده هو حامل لواء الرواية السعودية، سيبقى عبده من أجمل من عرفتهم سواء عندما كنت صغيرا أقرأ “حقوله” و”أشواكه” في عكاظ بعد أن ينتهي من قراءته أبي، أو زميلا في الكتابة بعد مرور هذه السنوات من الكتابة التي قضيتها وأنا تحت ظل قناعة عبده التي تقول: أن على الكاتب أن يشق طريقه في الكتابة بنفسه دون تدخل من أحد، وأن يحرق في سبيل ذلك دمه وعمره، من أجل خطوات واثقة في درب الكتابة. *روائي سعودي.