عبدالله بن بخيت.. الكتابةُ من منطقة غير آمنة (!)

ليس من السهل وضع عبدالله بن بخيت في خانة واحدة، فهو كاتب يتقدّم دائماً خارج التصنيفات المريحة، ويكتب من منطقة قلقة، حيث الفكرة قبل الذوق، والسؤال قبل القبول. يقف بوصفه حالة إشكالية وضرورية في الكتابة السعودية الحديثة، رجلٌ عجيبٌ في كلّ ما كتب، مقالة كانت أو رواية، بل إنه حتى في صداماته التي لم تكن طارئة على مشروعه كان جزءاً أصيلاً من نبرته ورؤيته، كأنّ الكتابة عنده ليست فعلاً جمالياً محايداً، بل موقفاً معرفياً وأخلاقياً من العالم، ومن اللغة، ومن المجتمع، ومن الذات أيضاً. فهو لا يكتب ليُرضي، ولا ليُجمِّل، ولا ليُهادن، بل ليقول ما يراه حقّاً، حتى لو بدا فظّاً، أو صادماً، أو خارجاً عن الذوق العامّ، لأن جوهر مشروعه قائمٌ على تفكيك المسلّمات، وكسر الطمأنينة الزائفة التي تحيط بالآراء الجاهزة. مقالته ليست تعليقاً عابراً على حدث يوميّ، بل تمرينٌ ذهنيّ على الشكّ، ومحاولة لإعادة ترتيب الأسئلة قبل الإجابات، ولهذا كثيراً ما تبدو كتابته وكأنها تستفزّ القارئ عمداً، تدفعه إلى الدفاع، أو الرفض، أو الغضب، لكنها نادراً ما تتركه محايداً، وفي هذا بالذات تكمن خطورتها وقيمتها معاً. عبدالله بن بخيت لا يتعامل مع اللغة بوصفها زينة، بل أداة حادّة، جملة قصيرة أحياناً، مباشرة، خالية من المجاز المتكلَّف، لكنه في الوقت ذاته قادر على التسلّل إلى أعماق الفكرة دون أن يرفع صوته البلاغيّ، وكأن ثقته بالفكرة تغنيه عن الاستعراض. وحين ينتقل إلى الرواية لا يتخلّى عن هذه السمة، بل يحملها معه إلى السرد، فتبدو رواياته امتداداً لأسئلته المقالية، لا هروباً منها، لأنّ شخصياته ليست بطولية ولا مُحبَّبة بالضرورة، بل مأزومة، قلقة، متناقضة، تشبه الواقع أكثر مما تشبه الأحلام. أما صداماته، فهي الوجه الآخر الصريح لهذه الكتابة، إذ لم يعرف بن بخيت طريق المجاملة الفكرية، ولا لغة المناطق الرمادية حين يتعلّق الأمر بما يؤمن به، يدخل النقاش وهو مدرك أن الخسارة واردة، وأن سوء الفهم شبه حتميّ، لكنه يفضّل ذلك على الصمت. وربما لهذا السبب تحديداً أثار حوله كلّ هذا الجدل، وذلك لأن مجتمعاتنا تميل إلى قبول الاختلاف ما دام هادئاً، مؤدّباً، قابلاً للتأجيل، أما الاختلاف الصريح الذي يسمّي الأشياء بأسمائها فيربكها، وعبدالله بن بخيت ينتمي بوضوح إلى هذا النوع الثاني. اللافت في تجربته أنه لا يتقمّص دور المثقف المتعالي، ولا يختبئ خلف خطاب نخبوّيّ معقّد، بل يكتب من داخل المجتمع، بلغته، وهمومه، وتناقضاته، ولذلك تأتي ردود الأفعال عليه عنيفة أحياناً، لأنه يضع المرآة قريبة جداً من الوجه. وهو في هذا المعنى كاتب اختبار، يختبر قدرة القارئ على تقبّل الرأي المخالف، ويختبر قدرة المجتمع على التعايش مع الصوت المختلف، ويختبر أيضاً حدود الحرية نفسها. قد نختلف معه كثيراً، وقد نرفض أطروحاته جزئياً أو كليّاً، لكن من الصعب إنكار حضوره وتأثيره، لأن الكاتب الحقيقيّ ليس من يُجمع عليه الجميع، بل من يحرّك المياه الراكدة، ويجبر الساحة على إعادة التفكير. وفي زمن تميل فيه الكتابة إلى التلطيف، وإلى البحث عن القبول السريع، تبدو تجربة عبدالله بن بخيت تذكيراً ضرورياً بأن للكتابة وظيفة أعمق من الإعجاب، وأن الصدام ليس دائماً علامة عدوان، بل قد يكون علامة حياة فكرية حقيقية. إنّ الكاتب الذي لا يزعج أحداً ربما لم يقل شيئاً يستحقّ القلق، ومن هنا تأتي أهمية هذه التجربة، لا بوصفها نموذجاً يُحتذى حرفياً، بل بوصفها علامة على أن الثقافة لا تتقدّم إلا بالأسئلة الشجاعة، وبالأصوات التي لا تخاف أن تكون مختلفة، حتى لو دفعت ثمن ذلك جدلاً دائماً، وسوء فهم متكرراً، ووحدة فكرية قاسية، لكنها في النهاية وحدة منتجة، تصنع أثراً، وتترك علامة، وتجعل البوصلة متجهة نحو السؤال، لا نحو الطمأنينة! (*) كاتب وصحافي سعودي