في كثير من القصائد المغناة وغير المغناة، تكمن عذوبة لا تلمسنا ونشعر بها بسبب بلاغتها وصورها الشعرية فقط، بل من الإحساس العميق بأن ما نقرأه أو نسمعه قد وقع فعلاً في الواقع: امرأة جاءت، وأخرى غابت، وعد لم يُستكمل، لقاء تأجل، عين خذلت عيناً أخرى، السرد يكون واضح، والمشاعر متصلة بسلاسة، كأن القصيدة، أو سلسلة القصائد، تحكي حكاية بعينها، بكل تحولاتها وتغيراتها. بعض الشعراء يطغى على قصائدهم نهج واحد في الطرح، نبرة متكررة، جرح واحد يتجلى بصور مختلفة، وكأن كل القصائد تعود إلى قصة واحدة، أو إلى سلسلة قصص متشابهة شكلت التجربة العاطفية التي تتجلى في أبيات القصائد، وهذا، في حد ذاته، اعتراف إنساني عميق بأن الحب ليس ترفاً عابراً، بل تجربة شخصية جذرية تشكل الذات. لكن المفارقة (أو المزعج بدقة أكبر) تكمن عند محاولة الاقتراب خطوة واحدة من فهم ما خلف هذه القصائد ومحفزاتها ، وذلك عندما تلتقي أحد هؤلاء الشعراء ، إن كان حياً ، أو صديقاً مقرباً له ، إن كان ميتاً ، وتطلب لقاءً صحفياً، يكون أحد محاوره القصص لهذه القصائد، وقتها يتبرأ الشاعر من دوافعه العاطفية، ويجير المحفز إلى (خيال) ، أو (مجرد شعر وكلام يُقال)، بينما أنت تعرف، من حديثه الخاص الذي أفضى به إليك سراً، أن الحب والعشق والقصة العاطفية التي جمعته بتلك الفتاة حينها كانت الدافع والمحرك والوقود الذي أشعل قلبه، وأخرج هذا الجزل المشحون بالود والرقة والعذوبة والذوبان في بحور الهوى والمحبوب. كل هذا يُقال في السر، أما في العلن فيتم التبرؤ من فعل الحب ذاته، فاللقاءات الصحفية المحلية وما جرى عليه العرف الاجتماعي، لا تسمح بسرد قصص خاصة إلا في أضيق الحدود، حيث لا يُطلب من هؤلاء الشعراء سرد تفاصيل شخصية، بل مجرد التحدث عن حالة الحب الإنسانية الواقعية التي قلما نجا منها إنسان. لكن ما يحدث هو التبرؤ من هذه الحالة، وقد يتطور الأمر إلى حماس يهاجم الحب والمحبين والعشاق، ويصفهم بصفات الانفلات وخرم المروءة وغيرها من الصفات الذميمة! وغالباً ما يأتي هذا الحماس ليبعد عنه (تهمة الحب)، وفي العادة تكون هذه المخاوف نابعة (حسب كلامهم السري) من وجود أبناء وبنات وأقارب، حيث لا يليق أن يرونهم بهذا المنظر: منظر العاشق والمحب وشاعر العاطفة والغزل! هذا يعني أن الحب يُعتبر فعلاً منكراً ومذموماً كفكرة وحالة، حتى دون أن يتبعه أي فعل آخر، رغم ترديد هذه الفكرة إلا أن الفعل في الواقع مخالف له، والمؤسف أن تتربى أجيال على الانسجام والتعايش مع سلوك تلوين الحقائق، بل ومهاجمتها، لكسب الرضى الجماعي الذي يقوم بنفس الفعل. بمعنى أن الكذب مقبول حتى لو كان معروفاً أنه كذب طالما أنه يتماشى ويرضى العدد الأكبر من الناس، وكل هذا التمادي في تشويه فكرة الحب يحتاج إلى وقفة ودراسة: كيف تم تحويل فعل سامٍ ونبيل إلى شيء قبيح وعار؟ حتى قيل في الأمثال الشعبية: “من خذا حب ترك عياف”، وهذا ينشر و يدعو إلى إن من تزوج عن طريق الحب، فسوف يكره ويعاف زوجته، أو العكس من جانب الزوجة! وكأن البيوت التي تمت زيجاتها بالطرق التقليدية عامرة بالحب والود أو حتى الرحمة! و أذكر كثيراً من القصص المشوهة التي ينشرها الناس عن النهايات التعيسة للأزواج الذين تزوجوا عن حب، متجاهلين قصص الأكثرية والأغلبية الفاشلة، بل المؤلمة والمحزنة وبعضها اللاإنسانية ، التي تحدث في نهايات الزيجات التقليدية ، ولقد لاحظت أن أغلب من يهاجم وينشر القصص الملفقة عن أزواج تزوجوا بالحب هم الفاشلون في زيجاتهم، الذين يعيشون الأيام والسنوات مع زوجات/أزواج مجرد تمرير أيام وإنجاب أبناء . كما أن التبرؤ من الحب خوفاً على الصورة أمام الأبناء، يعني أن هذا المتبرئ سيعيد إنتاج القصة نفسها التي مورست عليه التي مورست عليه وآذت مشاعره؛ سيكررها مع أبنائه. أي أن الحياة الفكرية والعاطفية لم تتطور أو تتغير: تغيرت الأعمار، وجاء الأبناء، وربما تطورت المنازل والأعمال، لكن بقيت الحالة الفكرية والعاطفية كما هي، إن لم تتراجع! وأقول تتراجع لأن هذه الظاهرة تزداد مع مرور الوقت، فقد لاحظت هذا التبرؤ في الشعراء الذين أعمارهم بين الستين والسبعين أقل قليلاً، أو أكثر قليلاً، بينما في السابق لم يكن هناك عار أو خجل من الحب، وكانت تتداول قصائد عاطفية شجية معروفة قصتها بالكامل وفيمن قيلت، وربما أبلغ ما قيل في هذا الجانب ماجاء على لسان الشاعر نمر بن صنت: ما علينا من مناقيد المغفّل دارسين الودّ من كثر التجارب مستعدٍ للمناقيد أتكفّل الهوى ماعاب عكفان الشوارب وهنا الشاعر نمر يؤكد على أن الهوى والعشق ليس نقيصة وعيب وعار، وهناك أسماء لامعة في شعر الغزل والعاطفة مثل الشاعر عبدالله بن سبيل الذي توفي عام ١٣٥٧ هـ، والشاعر عبدالرحيم التميمي، وكان ملتزم دينياً لذلك لقبوه (مطوع وشيقر)، ويرجح أنه عاش في القرن العاشر الهجري، ويقال أنه عشق الكثير من النساء ، وأحد الأمثلة ، عندما رأى بدوية اسمها سلمى في سوق أشيقر وأعجب بها وبجمالها الفاتن في عينه، وتعلق بها وأصبح يطاردها، فأعطته كلاما معسولا وواعدته بعد ثلاثة أيام، ولم تمض هذه الأيام الثلاثة حتى فوجئ برحيل قومها، فقال هذه القصيدة: “حورية العين حورا الجبين من البدو من شافها يهبلي وان عنت يم بدو فيدنى لها ظلة حس جرسانها تعولي وان عنت يم حضر فيبنى لها روشن فوق جمع الملا معتلي وسلمى كما الريم لولا بها خط نون على واضح الذبلي وطق المطوع ولنه صويب صوابه خطير على مقتلي وطق المطوع ولنه طريح طريح ولا خبروا به هلي وقلب الهوى عادته ما يتوب لو تعذله عن الحب ما يعذلي” وفي قصة أخرى له مع العشق والتي كانت سبب وفاته ، عندما أحبَّ فتاة صغيرة السن من عائلة خارج قبيلته، ولمعرفته بأنَّ أسرته ستعارض هذا الزواج، اتفق مع أهلها على كتمان الأمر حتى تأتي الفرصة المواتية، واستمر الزواج عدة أشهر، وفي ذات يوم دخلت هذه الفتاة إلى بستان الشاعر لتأخذ بعض الثمار، فلاحظتها أخت الشاعر؛ فنهرتها ونعتتهعا بالسارقة ، فقالت الفتاة إنها في أملاك زوجها، فافتضح أمر الزواج، فما كان من إخوة الشاعر إلا أن أخذوه معهم في قافلة تجارية تمر بنفود الدهناء، وهناك هدَّدوه بتطليقها أو قتله، وكأنه رأى موته في الحالتين، أن رفض تطليقها قتلوه أخوته وأبناء عمه ، وأن طلقها مات من فراقها ؛ فانسل منهم إلى مرتفع رملي قريب، وكتب هذه القصيدة بدم إبهامه: “عضيت روس أناملي بنواجدي وقلت: آه من حر المصيبة آه لو أن في قول آه تبري علتي كثر أن في ضامري قول آه الأيام ماخلن على أحدٍ ماكونّه ومن لا كونّه عابيات عباه” وعند عودة القافلة مروا بالمكان الذي فقدوه فيه وعند البحث عنه وجدوه ميِّتاً وبجانبه القصيدة في ذلك المرتفع الرملي الذي التصق به اسمه إلى هذا العصر (نقا المطوع). عندما تسمع الهجوم على الحب، فأنت لا ترى تصرف فردي، بل منظومة فكرية كاملة ترى الحب خطراً على السمعة، وعلى الوقار، وعلى الصورة العامة للرجل والمرأة أكثر منه، منظومة تسمح بتمجيد الحب في الشعر، ما دام منفصلاً عن الواقع، وتجرّمه لحظة الاعتراف بأنه كان حياة حقيقية، وجسداً، وانتظاراً، وخيبة. هذا الانفصال بين النص وصاحبه ليس بريئاً. إنه انعكاس لمجتمع لا يتحمل مسؤولية مشاعره ، وهذا ما جعل قصص كثيرة نراها ونسمعها عن خذلان المحبين لبعضهم ، تحت ذرائع مختلفة ، فخلق ذريعة ليس شيء صعب في جو هكذا ، بل هو سلوك متصالح معه تماماً ، والتخلي عن المحبوب سواء من الرجال او النساء وان كانت اكثر بين الرجال هي من اول النصائح التي تسدى لهم في حال طلب نصيحة في مواقف العشق والغرام ، ويتم التعامل مع الحالة العاطفية باستهانة واستخفاف وان الأيام قادرة على علاج جروح القلب والفراق أو الهجر المفاجئ، ويتضاعف فاعلية العلاج بالذات للرجال بالتعجيل بتزويجهم ممن تراها الأسرة والعائلة مناسبه (لهم)، ولتشويه حالة الحب تم تلويث سمعة كل من تلبّسه من الرجال والنساء ، وان كانت للمرأة النصيب الاكبر من التلويث والتلفيق ، بمثل قول (من عرفتك عرفت غيرك)، (ومن عرف وحدة عرف عشر)، ولكن الرجل مدفون عيبه بعكس المرأة! الحب يتم استهلاكه كأغنية، كحكاية، كتراث آمن منزوع السياق، لكنه يرفض الاعتراف به كتجربة إنسانية طبيعية، ناضجة، ومكوِّنة للذات. نحن نريد شعر حب بلا عاشق. قصيدة بلا امرأة. ألماً بلا سبب. وهذا، في جوهره، نزع جذوره الإنسانية ؛ نحتفي بأثره، ونلعن مصدره. ربما لهذا تبدو قصائد الحب القديمة أكثر صدقاً من حاضرنا؛ لأنها كُتبت قبل أن يُطلب من الشاعر أن يتبرأ مما كتب، وقبل أن يُجبر على الاختباء خلف الأخلاق العامة، لا حمايةً للأخلاق، بل خوفاً من المجتمع. إن المجتمع الذي يخجل من الحب، لا يخلو منه، بل يدفعه إلى السرّ، إلى التورية.. إلى الشعر للتنفيس، ولهذا ظل الشعر طويلاً الملجأ الأخير للحب، ليس لأنه جميل فقط، بل لأنه المكان الوحيد الذي سُمح له أن يكون فيه صادقاً، واتيح للشاعر الرجل ومنع عن المرأة الشاعرة عدا أن يكون في زوجها! لذا ترى حالة من التوجد عند الاستشهاد بقصص العشاق القدماء مثل ليلى والمجنون، وقيس بن الملوح، وبن زيدون وولادة بنت المستكفي وغيرهم حيث الاعتراف الكامل بحق الحب ووجوده وقوته واحقيته بالحياة، ودوره في حياة البشر، ولكنهم ينكرونه على أنفسهم وأنهم قد عاشوه. حتى في الأداء الدرامي، في المشاهد التي تقدّم الحب والعاطفة بين شخصين، كثيرًا ما يبدو الأداء باهتًا وضعيفًا، مهما كان النص جميلًا وعذبًا، والسبب، في اعتقادي، لا يعود إلى ضعف الممثل / الممثلة أو رداءة الكتابة، بل إلى فكرة سائدة تغلغلت في الوعي الجمعي، تقوم على التبرؤ من الحب الشخصي، ووضعه في خانة الفكاهة والسذاجة العاطفية، واعتباره فراغ في الوقت لم يجد صاحبه ما يشغله في أمور حياته، أو بساطة ذهنية تجعل صاحبها عرضة للخداع، وحتى مع هذا الأداء الضعيف يتم مهاجمة حالة الحب من الجمهور! هذه النظرة لا تكتفي بإنكار الحب، بل تشوّش على من يعيشه، وتزرع حوله خطابًا دائمًا يشكّكه في ذاته، وتشوه الطرف الآخر بالتلاعب والخداع، ومن هنا علاوة على المخاوف من الوقوع في فخ الخديعة، يتولّد عدم احترام الحب بوصفه قيمة بشرية سامية، فليس في داخل عدد من الممثلين، وهم إنعكاس للمجتمع، تقدير حقيقي لهذه العاطفة الخاصة، الموجّهة لشخص دون غيره. لذلك لا غرابة أن نجد ممثلين يجيدون أدوار الضرب، والشتم، والصراخ، أكثر بكثير من إجادتهم لأدوار المحبين والعشاق، فالعنف مفهوم ومُبرَّر ثقافيًا، أما الحب، فمرفوض ومدان مجتمعياً، لذا تجد تفاعل حار من الجمهور للأعمال الدرامية الصاخبة المليئة بالحدة والعنف، وهجوم على الأعمال العاطفية وقصص الحب تبرؤ المجتمع إن يكون أبنائه قد عاشوا هذه التجارب العاطفية.