شعر الهجاء بين المحاكمة الفنية والتقويم الأخلاقي
يُعدّ شعر الهجاء من أكثر الأجناس الشعرية إثارة للجدل في تاريخ الأدب العربي، لما ينطوي عليه من طاقة عدوانية عالية، ولما يمارسه من سلطة رمزية قادرة على التشهير والتشويه والإقصاء ، وقد ظل السؤال النقدي المركزي يدور حول: هل يُحاكم الهجاء بوصفه خطاباً جمالياً تُقاس قيمته بمدى ابتكاره اللغوي والفني، أم بوصفه خطاباً أخلاقياً يخضع لمعايير العدالة والإنصاف والمسؤولية الاجتماعية؟ أم أن الفصل بين البعدين ذاته وهم نقدي؟ في التراث النقدي العربي، نجد وعياً مبكراً بهذه الإشكالية ، فقد ميّز الجاحظ في البيان والتبيين بين الهجاء الفاحش والهجاء البليغ، معتبراً أن جودة الهجاء لا تقوم على شدة الأذى، بل على دقة الإصابة وحسن الصياغة، إذ يقول: “رب كلمة جارحة صيّرها الأدب حسنة، ورب معنى قبيح حسّنه البيان” ، وهذا يشي بأن القيمة الفنية قد تُعيد تشكيل الأثر الأخلاقي نفسه، فتخفف من فجاجته أو تمنحه مشروعية رمزية ، غير أن هذا الموقف لم يمنع عدداً من النقاد والفقهاء من مساءلة الهجاء أخلاقياً ، فقد رأى ابن رشيق في العمدة أن الهجاء إذا جاوز حدّ التقويم الاجتماعي إلى التشهير الشخصي فقد انقلب من فن إلى أذى، وهو ما يضع الشاعر في موضع مساءلة أخلاقية لا فنية فحسب ، وهنا يبرز التوتر العميق بين حرية التعبير الشعري والمسؤولية الأخلاقية. وإذا انتقلنا إلى الفلسفة الغربية، نجد أن هذا الإشكال يتخذ أبعاداً نظرية أعمق ؛ فأرسطو، في فن الشعر، يقرّ بمشروعية السخرية والهجاء ضمن مفهوم المحاكاة، لكنه يشدد على ضرورة التناسب والاتزان، بما يمنع انزلاق الفن إلى الفحش والتشهير ، أما كانط فيؤكد في فلسفته الأخلاقية أن الكرامة الإنسانية قيمة مطلقة، لا يجوز التعامل معها كوسيلة، ما يجعل الهجاء القائم على الإذلال الشخصي ضرباً من الانتهاك الأخلاقي مهما بلغت قيمته الجمالية. في المقابل، يذهب نيتشه إلى مساءلة هذه المثالية الأخلاقية نفسها، معتبراً أن الخطاب الساخر والهجائي قد يكون أداة تفكيك للأقنعة الاجتماعية الزائفة، وكشفاً عن بنى النفاق والاستبداد ، ومن هنا، فإن الهجاء وفق هذا التصور ليس مجرد عدوان لغوي، بل فعل مقاومة رمزية ضد السلطة الأخلاقية السائدة. ويقدم باختين في مفهومه عن “الكرنفالية” تصوراً بالغ الأهمية لفهم الهجاء، حيث يرى أن السخرية والهجاء يؤديان وظيفة قلب الهرميات الاجتماعية، وتحرير اللغة من رصانتها السلطوية، مما يمنح الهجاء بعداً تحررياً، يتجاوز أفق الإساءة الفردية إلى مساءلة البنى الثقافية الكبرى. في ضوء هذه الرؤى، يمكن القول إن محاكمة نص الهجاء فنياً وأخلاقياً ليست خياراً ثنائياً، بل ضرورة نقدية مزدوجة ، فالتقييم الفني يختبر جمالية اللغة، وابتكار الصورة، وبنية المفارقة، بينما يختبر التقويم الأخلاقي حدود العنف الرمزي، ومشروعية الإيذاء، ووظيفة الخطاب الاجتماعية ، ولا يمكن لأي مقاربة نقدية جادة أن تغفل أحد البعدين دون الوقوع في اختزال مخلّ. ولعل تجربة الهجاء في التراث العربي، لدى الحطيئة أو جرير أو ابن الرومي، تكشف أن أعظم نصوص الهجاء لم تكن الأكثر فحشاً، بل الأشد ذكاءً في بناء السخرية، والأدق في توظيف المفارقة، والأعمق في كشف التناقض الإنساني ، وهذا ما يجعل الهجاء، حين يبلغ ذروته الفنية، يتحول من أداة إيذاء إلى أداة تفكير، ومن خطاب عدواني إلى ممارسة نقدية ثقافية. إن السؤال الحقيقي ليس: هل الهجاء أخلاقي أم فني؟ بل: متى يتحول الهجاء من نقد مشروع إلى عنف رمزي؟ ومتى يرتقي من سباب لغوي إلى فعل ثقافي؟ هنا فقط تتجلى مهمة النقد بوصفه فعلاً تقويمياً يعيد ضبط العلاقة بين الجمال والمسؤولية، وبين حرية التعبير وكرامة الإنسان.