تأملات هادئة في «شرفات». -الجزء الثاني-

من عادةِ بعضِ الملاحق الثقافية في الثمانينات وما قبلها إتاحة المجال لكاتبٍ ما أو ناقدٍ ما كي يتناول مواد الملحق السابق بالنقد والتحليل والمتابعة وتسليط الإضاءات الكاشفة على المعتدل والمائل والرصين والذابل من آراءٍ أو حواراتٍ أو نصوص ، أذكرُ هنا تحديدًا متابعات الدكتور الناقد محمد صالح الشنطي لِمَا كان يُنْشَرُ في ملحق « دنيا الأدب » بصحيفة « المدينة » الذي كان يشرف عليه الأستاذ القاص سباعي عثمان ، كما أذكر متابعات الشاعر يوسف أبو لوز لِمَا كان يُنْشَرُ في ملحق « المربد » بصحيفة « اليوم » الذي كان يشرف عليه الأستاذ الشاعر علي الدميني. هنا أردتُ تمثّلَ تلك التجربةِ الجميلة ، محاولًا إلقاء الضوء على بعضِ ما نُشِرَ في « شرفات » والاشتباك مع بعض الآراء والأفكار والنصوص التي وجدتُني معنيًّا بها وقد مسَّتْ في أعماقي وترًا ما فاستجَبْتُ لما اقترحَتْهُ عليَّ من دندنات. على أملِ مواصلةِ التنزه الهادئ في بساتين « شرفاتنا » الوارفة في أعدادٍ قادمةٍ أخرى بإذن الله. 1 سأكونُ صادقًا حَدَّ الصلَف ، وصريحًا حَدَّ الوقاحة وأنا أكتبُ تأملاتي السريعةَ العابرةَ هذه عن نص “ مع أبي العلاء “ لمحمد خضر المنشور في العدد الثامن من “ شرفات “ ؛ لأقول : كنتُ فيما مضى لا أجد نفسي منسجمًا مع عددٍ من النصوص التي كان يكتبها محمد ، بل كنتُ أستعيدُ مقولةَ حبيبنا الكبير قاسم حداد : “ لستُ منسجمًا ، ولستُ مهيَّأً للانسجام “..خصوصًا عندما كتب محمد ذات مرّةٍ قصائدَ عن “ البيكومونات “ وعن أشياء أخرى وجدتُها لا تلمسُ القلبَ والشعرُ عندي هو كائنٌ شفيفٌ يلمسُ القلب..في تلك المرحلة تحديدًا كنتُ أجدُ النصَّ يخرجُ من كُمِّ محمد خضر باردًا من دون ضوعٍ أو عبقٍ أو وهج وكنتُ أعيدُ ذلك إلى غزارةِ ما يكتبُهُ ، وربما كنتُ أبالغُ في تساؤلي المطليِّ بالاستهجانِ والغضب هكذا : كم قصيدةً في اليوم يكتبُ محمد خضر ؟ ربما كنتُ على عجلٍ من أمري في حكمي الصارم هذا على تجربةِ الصديق محمد - الذي احتفيتُ ببداياته الأولى في “ عكاظ الأسبوعية “ برحابةِ قلب - وربما كنتُ نزقًا في قراءاتي وجُملةِ أحكامي على تلك التجربة خصوصًا فيما بعد ، وتحديدًا في وقفاتي مع نصوصه التي كان ينشرها قديمًا في بعض المواقع والمنتديات ..وربما كنتُ ضحيةَ انطباعي الأول عن نصٍّ أو عددٍ من نصوصٍ له لم ترقْ لي الأمر الذي انسحب على سائر النصوص ، وهذا خطأٌ كبيرٌ منّي بل هو واحدٌ من سائرِ أخطائي الكثيرةِ في هذه الحياة. وهنا أصدقكم القول : توقفتُ عن متابعةِ نصوص محمد عددَ سنين ؛ ربما لأنني كنتُ كسولًا ، وربما لأنني كنتُ في شغلٍ عريضٍ بهوامشِ هذه الدنيا وربما لأن دواوينه ونصوصه لم تكن في متناول يدي وربما وربما ... هذا الانقطاعُ الذي كان طويلًا جرَتْ تحت جسورهِ مياهٌ كثيرةٌ ، وربما جرَتْ في الوقتِ ذاته تحولاتٌ في تجربةِ محمد ، بدليل إنني حين قرأتُ نصه “ مع أبي العلاء “ في “ شرفات “ همستُ بفرحٍ كما يفعلُ القنديلُ في العتمةِ ، هكذا : “ ما أجمل هذا النص ! “. قرأتُهُ مراتٍ عديدةً حين صدور العدد ، وعدتُ إليه بعد فترةٍ من الزمن لأتأكد من صدق استقبالي للنصِّ ومن حرارةِ النصِّ نفسِهِ ، وإذْ بي أجده نصًّا مليئًا بالوهجِ الشعريِّ الصافي والمختلف ، ومليئًا أيضًا بقدرةٍ جليّةٍ على تحريكِ الأشجارِ في باحةِ القلب ..وإذّاكَ تساءلتُ بإنصافٍ هكذا : بعد كل هذه السنوات هل أنا الذي تغيَّرَ أم تجربةُ محمد ؟ هل ظلمتُهُ بحكمي عليه ؟ هل كنتُ جائرًا ؟ وهل أضافتْ قراءاتُ محمد وردًا جديدًا وطازجًا لحقلِ نعناعِهِ الأول ؟ هل في هذه السنواتِ التي عبرَتْ كسربٍ من طيورِ السنونو وهي ليست قليلةً فتحَ محمد نوافذَ كانت موصدةً على الضفافِ الأخرى ؟ هل أثرى تجربتَهُ بمتابعةِ تجارب من كانوا أكثر منه اقتدارًا وقراءةً وعمقًا ؟ هل تريَّثَ قليلًا وتفحص تجربته ونصوصه المنجزة ؟ هل حدَّقَ مليًّا في قعرِ بئرِ الشعرِ ليبصرَ ما لم يكنْ يبصره من ماءٍ وخُضْرَةٍ وغصون ؟ هل تخلّى عما كنتُ أراه محض كتابةٍ ميكانيكيةٍ سريعةٍ بحجةِ الكتابةِ عن “ اليوميِّ “ و “ العابرِ “ و “ المعتاد “ في حياتنا ودروبها الأليفة ؟ يقولُ محمد خضر في قصيدته “ مع أبي العلاء “ : “ لوقتٍ طويلٍ لم يكنْ يعرفُ ما العمى ثم عن طريقِ المصادفةِ - كما في الأفلام - عندما صرخَ أحدُهم بدهشةٍ : شاعرٌ وأعمى ! أدركَ أنه لا يشبهُ أحدًا ، وشرعَ يؤلِّفُ قصيدتَهُ الثانية “. هنا لمستُ صوتًا جديدًا في كتابةِ محمد ، لمستُ لغةً أكثر رهافةً وتدفقًا وعذوبة ، لمستُ سيرةً جديدةً ناصعةً عن واحدٍ من الأسلاف مكتوبةً بحبرٍ جديدٍ وطازجٍ يتنفسُ شعرًا ، لمستُ “ عطرًا جديدًا عن أزمنةٍ قديمة “ مع الاعتذار للدكتور الجميل الراحل عبدالعزيز المقالح لتحويرِ وصفِهِ الأنيقِ لشعرِ الراحل الكبير عبدالله البردوني ، لمستُ مقاربةً أنيقةً لذلك العمى الرائي الذي وصلَ إليه محمد خضر بتؤدةٍ وقد شُفِيَ تمامًا من صياغاتٍ “ بلاستيكيةٍ “ ربما وقع تحت سطوتِها هو وغيره من الشعراءِ - ذات مرحلةٍ - لأسبابٍ موضوعيةٍ أهمها ما تركته بعضُ الترجماتِ الرديئة من أثر على حبرهم ولغتهم وقصائدهم ، خصوصًا القصائد التي تنتمي إلى سلالةِ “ قصيدة النثر “. محمد خضر - وهو يكتبُ سيرةً شعريةً شفيفةً ورائقةً عن “ أبي العلاء “ الضرير - أعادَ إلى الشعر نضارتَهُ الجليلةَ الأولى ، وأعاد إلى أبي العلاء إدراكَهُ لبلاغةِ اللون التي “ سمعَ عنها من بقايا طفولته “ ، وأعادَ إليه شغفه بالعصافير وهي تسكبُ أغانيها لجميلةَ فوق الغصون ، وأعادَ إليه إدراكه للسماء من ملمسِ عتبةِ النافذة ، وأعادَ إلى مخيلته الشاسعة فرادتَها وهو “ يتخيَّلُ الفتياتِ وهن يضحكن في قصائدِ بني أمية “. يقولُ محمد خضر بتدفقٍ ناعمٍ كالنسائم ، وهو يحكي عن “ أبي العلاء “ ، من دون الوقوع في فخّ “ التفلسف “ الذي يفسدُ جمال الشعر : [“قادته الأصواتُ إلى الحدس. والحروبُ إلى التنبؤ والحجارةُ إلى “ لزوم ما يلزم “ والزجاجةُ التي تتهشمُ في تعثره إلى الشك والمستقبلُ إلى السجنِ مع طه حسين “. هنا استطاع محمد أن يقيمَ جسورًا بين “ أبي العلاء “ الذي في ماضينا البعيد وطه حسين الذي لامسَ حاضرنا الذي لم ينجُ من البؤس نفسه ؛ ليؤكد نصُّ محمد خضر على فداحةِ تعاطي هذه الأمة مع كل ما هو مغايرٌ لفكرها الرتيب ولحراكها الراكد ولتصورها اليابس عن الإبداع والفنون والشعر والجمال والفكر والثقافة والتحليقات العالية ، إنها أمة أصرت على التحليق في الحضيض كما يفعلُ الذباب حسب إشارات جلال الدين الرومي في كتابه “ المثنوي “. محمد خضر أنهى نصَّهُ الجميلَ بهذه الخاتمةِ السلسةِ المتدفقةِ كدمعِ القلب ، الخاتمة التي أسرتني ؛ لأنها جاءت في موقعها الصحيح تمامًا ، ولأنها تنتصر هنا للشعر والجمال والضوء والحياة : “ أغلقَ على نفسِهِ البابَ طويلًا ثم خرجَ في يومٍ ما وقد غفرَ للضوءِ والحياة “. 2 في العدد الثامن من “ شرفات “ وتحت لافتةٍ بعنوان “ نقاشات “ فَجَّر الصديق القاص الهادئٍُ الرصين عبدالله ساعد قضيَّةً في غاية الأهمية وهي تلك المتعلقة بطباعة الكتب في زمن ما يُسمَّى “ الأندية الأدبية “. كان النادي يطبعُ الكتابَ ، وكانت تنبتُ لصاحب الكتاب أجنحةٌ كثيرةٌ بل كان يطيرُ من فرط السعادة - خصوصًا إذا كان من المخلصين للإبداع مثل عبدالله ساعد الذي لم يكن يَدَع أمسيةً أو ندوةً أو محاضرةً تفوته ، لقد كان عبدالله مخلصًا للأدب والثقافة والإبداع والجمال ، وكان حريصًا على أن يضيفَ إلى حوضِ نعناعِهِ أزهارًا فاتنة. نعم ، كان النادي الأدبيُّ يطبعُ كتبًا لأشخاصٍ ويتجاهلُ أشخاصًا ، وأنا هنا لا أستهدفُ ناديًا بعينه ، لقد وقع في هذه الخطيئةِ أنديةٌ كثيرةٌ في بلادنا ، المقربون لهم حظوة والذين يمكثون في الظلالِ البعيدةِ لا تلتفت إليهم تلك الأنديةُ وإن كانوا أكثر جمالًا وعمقًا مما تطبع ولمن تطبع. المهم - وهذه هي النقطة التي أثارها الصديق عبدالله ساعد بصدقه المعتاد - إن الأنديةَ التي كانت تطبعُ كتبًا لم تكنْ حريصةً على توزيعها وإخراجها للهواءِ والنور بل كانت تكتفي فقط بإهدائها لنفرٍ من المقربين وذوي الحظوة فيما تتركُ “ الكراتين “ المليئة بالإصدارات في مستودعات الأندية تأكلها العثّةُ أو دودةُ الأرض ولنا في ديوان “ الجوزاء “ للصديق المبدع محمد عبيد الحربي الذي طبعه نادي جازان الأدبي في الثمانينات خير مثالٍ على الطباعةِ المقرونةِ بالإهمالِ الجليِّ والخيبةِ الواضحة ، وهناك أمثلةّ أخرى كثيرةٌ لا يتسعُ هنا المجال لذكرها أو الخوض فيها وكأنَّ الطباعةَ تحدثُ من أجل الطباعةِ فقط. 3 في العدد السابع من “ شرفات “ و عبر تسع قصائد متفاوتة الطول ، بعضها ينتمي إلى سلالة قصيدة التفعيلة وبعضها يقترب من ملامح قصيدة النثر ، يحاول عبدالله علي الحمدّي جاهدًا أن يكتب نصًّا شعريِّا حديثًا. وقبل أن ألقي الضوء على قصائد عبدالله ، أقول بمنتهى الصراحة : لو أن عبدالله آمنَ عميقًا بموهبته وقرأ كثيرًا وأحسنَ القراءةَ وأحسنَ اصطفاءَ تجارب الآخرين ، تحديدًا تجارب الكبار من الشعراء في بلادنا وفي العالم العربي والعالم لاستطاع إن يصل إلى مبتغاه ، وفي حال قراءته شعرًا من الضفاف الأخرى أقترح عليه أنْ يقرأ لمترجمين هم في الأصل مبدعون مثل حسب الشيخ جعفر ، وسعدي يوسف وعبدالكريم كاصد وأدونيس وتوفيق صايغ وصلاح عبدالصبور وفوزي كريم وبسام حجّار والمهدي أخريف والقائمة تطول. لماذا بدأتُ بهذه التوطئة ؟ أجيبُ صادقًا : لأني وجدتُ في عبدالله موهبةً أو بذورَ موهبةٍ بيد أنها تحتاجُ إلى العنايةِ الجادّة تمامًا كما يحتاجُ النباتُ الطريُّ إلى تلك العناية .. بداياتُ عبدالله هذه تحتاج إلى صقلٍ دؤوب وهذا لا يحدث إلا بالقراءة الحثيثة المخلصة التي تصطفي أعمالًا شعريةً فارهةً تضيفُ وتثري وليس إلى القراءة السريعة العابرة ، وفي نظري أنَّ “ الموهوب “ - مهما كان مستوى موهبته - إذا اكترث بالقراءة الجادة ونظر إليها بوصفها هاجسًا يوميًّا نبيلًا وعرسًا جميلًا من أعراس القلب استطاع أن يكون ذا شأنٍ على مستوى الكتابة الإبداعية المغايرة ، وهو هنا لن يكون بحاجةٍ للذهاب إلى تلك “ الدكاكين “ التي يصفُ أصحابُها أنفسَهم بأنهم “ مدرِّبُون “ أو صاقلو مواهب فيما هم في الحقيقةِ ليسوا سوى حفنةٍ من المتكسبين الذين يفتقرون لموهبةِ الكتابةِ الإبداعيةِ الصافية ، إنهم - والحقُّ يُقال - يبحثون عن “ سَبُّوبَة “ أو عن مصدرِ رزقٍ أو دخلٍ إضافيٍّ يدخلُ إلى جيوبهم بوصفهم أصحابَ خبرةٍ عميقةٍ في حقل الكتابة بينما هم كَمَنْ يتعلّمُ الحلاقةَ في رؤوسِ اليتامى أو في رؤوسِ بعضِ الواهمين المصابين بمرضِ البحثِ عن الذيوعِ والشهرةِ والتنعُّمِ ببريقِ الجلوسِ في الواجهة الاجتماعية اللامعة. على أيِّ حال ، في إضاءتي المتواضعة عن عبدالله سأبدأ بنصٍّ بعنوان “ سلالم الليل “ - وهو عنوانٌ جميل ، وعبدالله هنا يبدأ بدايةً حسنةً إذْ يقولُ واصفًا الغيومَ التي يتأملها بروحِ فنّانٍ : “ تغدو بعيدًا عن البحر عن لون أسمائها في الصباح وردةً في إناء “. منذ الإطلالة الأولى هذه وجدتُني أطربُ لمحاولته الجادة في بناءِ صورةٍ شعريةٍ طازجة ، إذْ تستحيلُ تلك الغيومُ وهي تنأى عن البحر وعن لون أسمائها وردةً في إناء. لكنه للأسف لم يمضِ بعيدًا كما مضَتْ تلك الغيومُ الجميلةُ في مطلع نصه ، واستسلمَ سريعًا لغوايةِ القافية التي تتكئ على حرف “ القاف “ ، الأمر الذي جعل النصَّ يخسرُ الكثيرَ من الوهج بسبب النكوصِ عن جرأةِ التجريب والمغامرة و البحث عن أكوانٍ شعريةٍ جديدةٍ أو قاراتٍ إبداعيةٍ لم يصل إليها أحدٌ من قبل. لو أنَّ عبدالله ترك النصَّ يمضي بعفويةٍ وهدوءٍ إلى مستقره من دون الاستجابةِ لإلحاحِ هذه القافية التي بدت لي كما لو أنها فاتنة مغتصبة لكنا لمسنا تألقًا رائعًا ونحن نتسلق معه “ سلالم الليل “ ، لكنَّ الإصرار على “ الغسق “ و “ الأرق “ و “ القلق “ و “ الغرق “ نالَ كثيرًا من الجوهرِ الشعريِّ المدهشِ في هذا النصِّ الذي بدا لي واعدًا جدًّا في بدايته المغرية : “ سلوةٌ في الغسقْ ليس في الخلواتِ البعيدةِ ما يشبهُ الليل ليس إلا الأرقْ ليس ما يهتكُ العمرَ دربًا ليس إلا القلقْ ليس في المماليك المنيعةِ فضة الليل ليس إلا الغرقْ “ هكذا افسدتِ القافيةُ المُغتَصَبَةُ - التي أمسكَ بها الشاعرُ من عنقها - ما كنتُ أرى أنه جمالٌ غضٌّ وأنه كان سينمو ويتألقُ ويدهشُ لو أنَّ عبدالله تركه يتدفقُ بطريقةٍ عفوية. في خاتمةِ هذا النص قفزَ في وجهي خطآن مزعجان ربما كانا بسبب أن الطباعةَ تمَّتْ على عجل ، هكذا : [ الرياضُ القريبةُ ( تناءى ) وقلبي جمرةُ القومِ ( الذي ) رحلوا ] والصحيح هو “ تنأى “ وليس “ تناءى “ ، و “ الذين “ بصيغة الجمع وليس “ الذي “ بصيغةِ المفرد. ليس هذا فحسب ، بل إن قوله “ وقلبي جمرةُ القومِ الذين رحلوا “ - على ما فيه من حرقةٍ واضحة ومشاعر كاوية - لم يستجبْ للشرط الإيقاعي الجميل الذي تدفق في النص ، وبَدَتْ لي هذه الخاتمةُ الذابلةُ إيقاعيًّا سقطَتْ في نثريةٍ غير مبررة وبدا لي بوضوح ولكلِّ قارئٍ متمرّسٍ أنها لا تنتمي إلى النسيج الفني لقصيدةِ التفعيلةِ هذه. في نصٍّ له بعنوان “ رجاء “ - وهو ينتمي إلى شجرةِ قصيدةِ النثر - راقَ لي قولُ عبدالله : “ أرجوكَ لا تذهبْ بعيدًا. ففي الصحراء ما يكفي من الخذلان “ وقوله في سياق القصيدة نفسها : “ أرجوكَ كُنْ فكرةَ الأشجارِ عند البيت “. هنا في هاتين الشذرتين تحديدًا أسرتني بساطةُ عبدالله وكذلك تجدد لغة البوح فيهما إذْ لم ينسجْ على منوالٍ قديمٍ مستهلكٍ بل راحَ ينسجُ بضوءٍ شفيفٍ يلمسُ القلب شعرًا خفيفًا بديعًا مغايرًا. وليته اشتغل النصَّ كلَّهُ بهذه الروح ، أقولُ هذا بأسًى صادق ؛ لأنه بعد ذلك استسلمَ لتفاصيل كَرَّسَتْ الترهلَ في بَدَنِ النصِّ ولم تضفْ إليه جديدًا ، وكان يتعين على عبدالله أن يكون مثل البستانيِّ الحصيفِ الذي يعتني بأشجاره ويشذبها بدأبٍ كي ينقذها من سطوةِ بعضِ الأعشابِ الصغيرةِ الضارَّة وهو الأمر الذي بدا لي متحققًا في نصه المقتصد الجميل “ حالة “ ، هنا استطاع عبدالله أن يحرره من “ التفلسف “ الذي حين يحلُّ بنصٍّ شعريٍّ يفسده. إن هذا النص القصير - من وجهة نظري - وثيقُ الصلة بقصيدة النثر وشروطها ، ومن أهمِّ تلك الشروط : الاقتصاد والاختزال والصورة الخاطفة المباغتة التي لا تحاكي صورًا مستهلكةً واللغة الطازجة التي تشبهُ خبزَ الأمِّ الطالعِ من جذوةِ “ التنُّور “ والحركة التي جعلت اللغةَ هنا تتحولُ إلى مشهدٍ سينمائيٍّ بديعٍ يديرُ إليه الأعناق وكذلك السؤالُ المفاجئُ الواردُ في خاتمةِ النصِّ الذي يشبهُ طرْقَةً سريعةً مخاتلةً على بابِ الليل. يقولُ عبدالله : “ كان النسيمُ عاليًا هذه الليلة. خِلْتُكِ غائمةً في علبِ الموسيقى ، حَيَّةً في الثواني. قبل أنْ يغمركِ شرودُكِ الطويلُ : - ما الحياة ؟ “ يتأكدُ لي هذا كُلُّهُ في نصه القصير الآخر الجميل الذي يشبه قصيدة الومضة ، وهو بعنوان “ اختيار “ : “ سُورُ المعاجمِ عالٍ وأبوابُ المشهدِ أكثر. ما أفعل - يا ربي - بخمسةِ أطيافٍ ، وعُمْرٍ بحجمِ كف “. أخيرًا أقولُ : هنا قبضتُ على قصيدةِ نثرٍ نَجَتْ من التقليدِ والثرثرة.