بيكاسو وفنون الدجاج .

قال أحدُهم للرَّسام الأسباني (بابلو بيكاسو): - يبدو أنَّك لا تُحسن من الرَّسم سوى هذه الخطوط والألوان المتداخلة!! فأخذ (بيكاسو) ريشته، وقام برسم حبة قمحٍ على الأرضيَّة، وكانت مفرطةً في الواقعيَّة لدرجة أنَّ أحد الديكة أقبل محاولًا التقاطها، وعندها انبهر الرَّجل وقال لـ(بيكاسو): -لماذا إذًا تصرُّ على هذه الرُّسوم الغريبة، وأنت تُحسن الرَّسم بهذه الطَّريقة الرائعة؟ فأجابه (بيكاسو) بهدوءٍ: - في الحقيقة أنا لا أرسم للدَّجاج!! ****** قصةٌ بليغةٌ لإشكاليَّة تلقي الآداب والفنون، فهناك من يتلقَّاها على أنها انعكاسٌ للواقع، وأنَّها بقدر قربها منه يزداد تأثيرها، لكن (بيكاسو)لم يتردَّد لحظةً واحدةً في أن يكشف زيف التَّلقي، وذلك عندما جسَّد الواقع كما هو؛ ليُسقِط على المتلقي زيف تلقيه، فالآداب والفنون نصوصٌ متعاليةٌ على الواقع، نصوصٌ موازيةٌ، لا تُكرر الواقع ولا تُطابقه، وغايتها إثارة حواس المتلقي عند استقباله، وليس مهادنتها، فهي تأخذه إلى منطقة التَّساؤلات والتَّأملات والتَّأويلات، وهي التَّجربة الَّتي تعيش مع الإنسان كجزءٍ أصيلٍ من نظامه المعرفي والوجداني. وبلغ الحال ببعض منظري الأدب إلى جره إلى الواقع، وجعله خادمًا له، فلم نعُد نستغرب أن نجد أطلسًا للشعر الجاهلي يحدّد الأماكن، ويستخدم الشعر بوصفه وثائقًا تاريخيةً، دون النَّظر إلى احتماليَّة حملها على المجاز، فليس كلُّ مكانٍ ورد في قصيدةٍ هو ذاته في الواقع، بل هو جزءٌ من رؤية الشَّاعر الذاتيَّة، وحالةٌ قابلة للتَّأويل لا التَّوثيق، وعليه، لم يعُد مستغرًبا بهذه العقليَّات أن نجد دراساتٍ جامعيةً تؤكد تبعيَّة الشعر والسَّرد للواقع، والسُّؤال: مادام أنَّ الواقع مشهودٌ وحاضرٌ فما الحاجة إلى أدبٍ يكرر تجارب الواقع؟! هذا سؤالٌ يتحمَّل عبء إجابته أدباء الواقع، ومعهم جيشٌ من المتلقين الَّذين ينكرون كلَّ أدبٍ أو فنٍ يتجاوز الواقع، ويبني خطوطًا موازيةً غايتها تقديم تجارب أدبيةً وفنيةً ذاتيَّة المنحى، تسائلُ وتشتبكُ، وتسمو بفضاءاتها خارج ماديَّة الحياة!!