التسامح.. سؤالٌ ينتظر الإجابة.

حينما تتقاطع الثقافات، وتتنوع المعتقدات، يصبح التعايش السلمي ضرورة وجودية لبقاء الإنسان ذاته. حيث ينبئُنا التاريخ أن المجتمعات التي تماسك فيها العيش المشترك ازدهرت حضاريًا، بينما سقطت تلك التي تَغَوَّل فيها خطاب الكراهية واحتدم في صياصيها الصراع الداخلي. التعايش السلمي ليس مجرد امتناع عن القتال، بل هو قبولٌ واعٍٍ بالتنوع، واحترامٌ متبادلٌ للكرامة الإنسانية، وإيمانٌ بأن الاختلافَ سُنَّةٌ كونيةٌ لا تهديد وجودي. يأتي “اليوم الدولي للتعايش السلمي” في 28 يناير من كل عام لِيُذَكِّر العالمَ بأن السلام لا يُبنى فقط بين الدول، بل يُغرس في المجتمعات، ويترسّخ بين الأفراد. إنه دعوة لتجديد الوعي بأن الإنسانية رابطة أعمق من كل الانقسامات، وأن الحضارة الحقيقية تبدأ حين يرى الإنسان في المُخْتَلِف شريكًا في الوجود لا خصمًا في الهوية. جاءت الرسالات السماوية لتُؤَكِّد أن الإنسان مخلوق مُكَرَّم، وأن الرحمة والعدل والتسامح ليست قيمًا ثانوية، بل جوهر الإيمان نفسه. ففي القرآن الكريم دعوة واضحة إلى الصفح والعفو، حيث قال تعالى “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ والله غفور رحيم” الآية 22 سورة النور. وهي آية تربط بين التسامح الإنساني والرجاء في المغفرة الإلهية، وكأنها تقول إن من لا يتسع صدره للناس لن يتسع أمله في رحمة الله. ويجسد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله “ صِلْ من قطعك، واعْفُ عمن ظلمك، وأعطِ من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك” حقًا إنَّهُ توجيه أخلاقي يتجاوز رد الفعل الصِدامي إلى افتعال المبادرة الأخلاقية. فالتعايش هنا ليس حيادًا، بل إحسانٌ يُطفئ نار العداوة من جذورها. وفي المسيحية، يقول نبي الله عيسى عليه السلام “أحِبُوا أعداءَكم، أحْسِنوا إلى مبغضيكم” وهو خطابٌ قِيَمِي يرتقي بالإنسان من دائرة العدل إلى أفق الرحمة. كما يُرْوَى عن “الإمام جعفر الصادق 702 -765م “ عليه السلام - قوله “ من لا يعفو عن بشر مثله كيف يرجو عفو ملك جبار؟” وهي حكمةٌ عِرْفانيةٌ بليغة، تُجَسِّر العلاقة بين القِيَم الإيمانية والسلوك الاجتماعي. وهكذا يتضح أن التعايش السلمي ليس فكرة حديثة، بل قيمة دينية مشتركة، تؤكدها الرسالات، وتغرسها التعاليم الروحية في ضمير الإنسان. إذا كانت الأديان قد غرست بذور التعايش في الضمير الإنساني، فإن الدساتير جاءت لتحمي هذه القيمة في الواقع المُعَاش. ففكرة المواطنة المتساوية، وحرية المعتقد، وحقوق الإنسان، ليست إلا ترجمة قانونية لفكرة التعايش. حيث ينظر القانون الحديث إلى التنوع بوصفه واقعًا ينبغي تنظيمه لا شَطَطًا يستوجب قمعه. فالدساتير المعاصرة تنص على المساواة أمام القانون، وتحظر التمييز على أساس الدين أو العِرْق أو الجنس. كما تؤكد المواثيق الدولية – وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “حق كل إنسان في الكرامة والحرية والأم”. وقد أدرك المجتمع الدولي أهمية هذا المسار، فجعل من تعزيز ثقافة التسامح والتعايش هدفًا عالميًا، لأن السلم الاجتماعي هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية والاستقرار. فالقانون هنا ليس مجرد نصوص صَمَّاء، بل ضمانة عملية لعدم تحوّل الاختلاف إلى صراع يُحْرِق الحرثَ والنسل. تناول الفلاسفة التعايش السلمي بوصفه ضرورة عقلية قبل أن يكون فضيلة أخلاقية. فالتعددية في الفكر الإنساني فِطْرَةٌ لا يمكن إنكارها، وأي محاولة لفرض رأي واحد بالقوة تقود حتمًا إلى العنف والاستبداد. رأى الفيلسوف الإنجليزي “جون لوك 1632 – 1704م” في رسالته الشهيرة “رسالة في التسامح” أن الإيمان لا يُفرض بالقوة، وأن الدولة لا يحق لها التدخل في ضمائر الناس، مؤسِسًا بذلك لفكرة حرية المعتقد كأساس للسلم الاجتماعي. أما “بيير بايل 1647 – 1706م” فقد ذهب أبعد من ذلك، فدافع عن التسامح حتى مع الملحدين، معتبرًا أن الأخلاق لا ترتبط بالانتماء الديني فقط، وأن المجتمع يمكن أن يستقر على قاعدة الاحترام المتبادل رغم الاختلافات الجذرية. وفي السياق الحديث، يمثل “روجر ويليامز 1603- 1683م “ نموذجًا مبكرًا للدعوة إلى الفصل بين السلطة الدينية والسياسية، مؤكِدًا أن التعايش لا يتحقق إلا حين تُصان حرية الضمير من التسلط. هكذا قدّمت الفلسفة للتعايش السلمي أساسًا عقلانيًا، حيث رأت أن الحقيقة الكاملة لا يحتكرها أحد، وأن التسامح ليس تنازلًا، بل اعتراف بحدود المعرفة الإنسانية. وقد سَطَّر غِرِّيد التسامح الشاعر العربي “المقنع الكندي 600- 689م” أبلغ الأبيات في التعايش حين قال: وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفُ جِدّا فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم وَإِن هُم هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُم رُشدا فَإِن قَدحوا لي نارَ زندٍ يَشينُني قَدَحتُ لَهُم في نار مكرُمةٍ زَندا الحضارات الكبرى لم تُبنَ على الإقصاء، بل على التفاعل. فـالأندلس الإسلامية كانت نموذجًا لتجاور المسلمين والمسيحيين واليهود في بيئة علمية وثقافية واجتماعية مزدهرة، أثمرت نهضة فكرية أثَّرت في أوروبا لقرون. وفي الهند في عهد “الإمبراطور أكبر” برز نموذج للتسامح الديني، حيث سعى الحاكم إلى تعزيز الحوار بين الأديان، معتبرًا التنوع مصدر قوة لا تهديدًا. هذه النماذج تؤكد أن التعايش ليس ضُعفًا في الهوية، بل ثقة بها، وأن الحضارة تزدهر حين تتلاقح الأفكار، لا حين تتصادم العقول وتتنافر النيات. في المقابل، يروي التاريخ قصصًا موجعة عن حضارات سقطت بسبب صراعاتها الداخلية. فقد شهدت أوروبا حرب الثلاثين عامًا بين الكاثوليك والبروتستانت، وهي حرب دينية مدمرة أنهكت القارة، وأدت إلى إدراك مرير بأنّ التعصّب طريقٌ إلى الخراب لا التقدّم والنماء. كما أدى الصراع الداخلي في الأندلس في عصر الطوائف إلى إضعافها أمام القوى الخارجية، فكانت الانقسامات مقدمة للسقوط. ويُظهر التاريخ الحديث في مناطق متعددة أن الاحتراب الأهلي يمزق النسيج الاجتماعي، ويهدم الاقتصاد، ويزرع أجيالًا من الأحقاد. هكذا علّمنا التاريخ أن الحضارات لا تسقط بفعل عدوٍ خارجي فحسب، بل تنهار حين ينصهر السلام، ويتحوّل التسامح في داخلها إلى رماد. كثيرًا ما تتغنى المجتمعات بقيم التسامح، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه القيم إلى سلوك تلقائي غير متكلف. فالتعايش السلمي لا تصنعه الشعارات الفضفاضة ولا النيات الحسنة وحدها، بل تبنيه الممارسات العملية في الواقع الاجتماعي: في المدرسة حين يُحترم المختلف، وفي الإعلام حين يُرفض خطاب الكراهية، وفي التشريعات حين تُصان الحقوق. الفجوة بين المبادئ والتطبيق تظهر حين تُستخدم الهُوِيَّةُ أداة للفرز، أو يُستغل الدينُ أو العرق لإقصاء الآخر. أمام كل هذا يصبح التعايش مسؤولية مشتركة تقوم على ثلاثة أركانٍ رئيسة هي: دولة تشرّع بعدل، ومؤسسات تُثقّف بوعي، ومجتمع يمارس الاحترام برُقيٍّ. في النهاية، التعايش السلمي ليس مجرد مناسبة نحتفل بها في يوم دولي، بل خيار حضاري أزلي. إنه إيمان بأن الإنسان أخٌ للإنسان، والأرض للجميع. فالمستقبل لا يُبنى بالحواجز، بل تُقام جسوره على المبادئ والقيم. وحين ندرك أن الاختلاف ثراء، وأن الرحمة قوة، وأن العدل أساس العمران، نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو عالم أكثر إنسانية. فهل حقًا تعلّم الإنسان التسامح؟ أم ما زال السؤال مطروحًا؟