قراءة في كتاب(قلق المعرفة إشكاليات فكرية وثقافية) للدكتور سعد البازعي..
التوازن بين الرؤية الثقافية التاريخية والرؤية الأيديولوجية.
قلق المعرفة كما فسّره الدكتور البازعي يحمل مضموناً يتعلق بالبحث عن اليقين المعرفي عبر استقصاء تحليلي للحقائق التاريخية ، و يضم هذا الكتاب عدة مباحث تتعلق بقلق المعرفة صنفها المؤلف على النحو التالي: قلق الأطر ، قلق المفكر ، قلق الحوار، قلق الانتماء ، قلق المعاصرة، قلق التنوير و تساؤلات غربية والقلق اليهودي. ونظراً لاتساع الموضوعات فقد رأيت أن أقف على المبحث الأخير المتعلق بالقلق اليهودي ، وهو موضوع يتّصل بواقعنا الحالي ويلامس جذور القضية التي تشغلنا؛ فضلاً عن أنها جاءت تالية للكتاب الذي أصدره الدكتور سعد البازعي ( المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية) الذي ربما أثار تساؤلات تتعلّق بالموقف من الكيان الغاصب. وقد لمس في هذا المبحث قضيّة مهمّة تتعلق بالحضارة الغربيّة على خلفيّة التيارات الفكرية التي كانت سائدة في الغرب وعلاقتها بالمشكلة اليهودية وما يمكن أن تسمى (عقدة اللاسامية) فتحدّث عن نزعتين لهما علاقة بالطبيعة البشريّة كما يرى أحدمفكري الغرب ، وهو المفكر الفرنسي (إدغار موران) : النزعة البربريّة التي تتكيء على ثلاثية الحرب و التسلط و العنف ، والنشاط الثقافي الحضاري الخلّاق وهما – كما يرى موران – جزء أساسي في تركيبة النشاط الإنساني ، وقد ظهرت النزعة الإنسانويّة ردّة فعل لسيادة النزعة التفوقيّة الأوروبيّة ، وقد ألمح إلى أن تلك كانت ردّ فعل لما كان يعانيه اليهود في أوروبا من قيود ، موران نفسُه الذي عالج هذا الموضوع جذوره يهوديّة ، فأصحاب النزعة الأولى التدميريّة التي تؤلّه الإنسان وتجعله سيّد الكون واجهتهم الحركة التي توصف ب(الأخوية ) والتي ألمح المؤلف إلى أن غالبية أصحابها من اليهود كالعالم اللاهوتي الهولندي (إيراسموس ومونتين وسباينوزا وسرفانتس) وأشار إلى دور من يعرفون ب(المعتنقين الجدد للمسيحية) أو (المارانيين) وهم الذين كانوا في الأصل يهوداً ، وأشار إلى من عُرفوا بالمرتدين الذين ادعوا مغادرتهم لليهودية إلى الإسلام ، وهم مجموعة سرّية من اليهود أسسها (سيبتاي زيفي) الذي ادّعى أنه المسيح ثم تحوّل إلى الإسلام ادّعاءً محتفظا بعقيدته اليهودية، وهم من عُرفوا ب( يهود الدونمة) من كلمة DONMEK وتشكلت منهم (جمعية الاتحاد و الترقي) التي قادت الانقلاب على السلطان العثماني عبد الحميد، وكان على رأسها كمال أتاتورك الذي ألغى الخلافة الإسلامية ، ومن الواضح إشارة المؤلف إلى أن اليهود شكّلوا غالبية مفكري عصر النهضة الأوروبية بمن فيهم لامارتين وكارل ماركس وكلود شتراوس وموران ، و أرى أن موقف المؤلف فيما يتعلق بدور اليهود في هذه الحقبة موقف متوازن ؛ فهو يشير إلى أن قراءة (موران) لهذا الدور الذي نهض به التنويريّون بمن فيهم اليهود قراءة انتقائيّة تحاول إضفاء الإيجابية على مجمل ما فعله اليهود؛ غير أنها قراءة عميقة و هامة كما يصفها . يشير الدكتور البازعي إلى الدور الذي قام به نابليون فيما يعرف بالخلاص اليهودي الذي سعى فيه إلى فك القيود الاجتماعية و السياسية عن الجاليات اليهودية ، وكذلك غيره من الزعماء الأوربيون، وأن أروبا المتنورة لم تستطع تبرير العزلة المفروضة على اليهود ، وأشار إلى اختلاف وجهة نظره عن الدكتور عبد الوهاب المسيري المتخصّص بالشأن اليهودي وصاحب الموسوعة الضخمة عن اليهود و اليهودية و الصهيونية التي نذر لها شطراً من حياته العلميّة ؛ فاليهود من وجهة نظره دخلوا إلى السباق ُمبكراً في نهاية القرن الثانت عشر لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية؛ فضلاً عن الأسباب الدينية و الثقافية و التاريخية التي تعد من الأسباب التي جعلت حركة الإصلاح التنويري مختلفاً في علاقته باليهود عن العلاقة بين اليهود ومحيطهم العربي و الياباني، فهناك أسباب سياسيّة ثقافية جعلت هذا الإصلاح اليهودي سابقاً على الحركة الصهيونية ، حيث ظهر خطاب الإصلاح اليهودي بسماته الأوروبيّة بظهور مفكرين ومثقفين وأدباء يهود في أواخر القرن الثامن عشر ، وكانت حركة (موسى ماندلسون) من أقدم حركات الإصلاح غير الأوروبية ، وكان منهم جون لوك ولايبتنز وسيبنوزا وكانت و فولتير ، حيث ان الامتزاج العميق بين يهود أوروبا الغربية وغيرهم للأسباب الآنفة الذكر قويّة ، عزّز ذلك الظهور المكثف للأعلام البارزين من اليهود ، مثل كارل ماركس صاحب البيان الشيوعي ، ودارون ونظريته في النشوء الارتقاء وكتابه أصل الأنواع، و ما بين ماركس وفرويد العديد ممن لاشبهة في انتمائهم لليهودية ويرى الدكتور البازعي أن حركة الإصلاح اليهودي اتخذت مسارين مختلفين : أحدهما ظل على انتمائه الوثيق لوَسَطِه الأوروبي و الاندماج فيه، والآخر ركّز على إيقاظ الروح القوميَّة الذبي انبثقت منها الحركة الصهيونية ، فإلى جانب النزعة الإنسانوية الأخوية كانت النزهة التأليهيّة للإنسان و التدميرية للطبيعة ، وضرب مثالا لذلك فلسفة سبينوزا التأليهيّة التي فاقت الفلسفة الديكارتية . يميّز الدكتو البازعي بين الخطاب الإصلاحي اليهودي وبين دور اليهود في الحضارة الغربية فيشير إلى أن النزعة الإصلاحية (الهاسكلاه بالعبرية ) ذات خصوصية تتّسق مع الفكر الصهيوني ؛ بينما الدور الحضاري يتصل بالبعد العلمي و الثقافي و الإبداعي ، وقد عالج المؤلف إشكاليّة تتعلق بالوجود اليهودي في أوروبا واختلافها عما هو الحال في البلاد العربية و اليابان لخصوصيّة هذا الوجود من زاويتين في إطار مفارقة تتمثل في جوهر القلق المعرفي الذي يقارب طبيعته المؤلف بشكل مختلف لماهوسائد لدى الباحثين في المسألة اليهودية، وفي مقدمتهم عبد الوهاب المسيري ؛ إذ يشير إلى أن الأقلية اليهودية في أوروبا لها بُعدان رئيسان : الأول يتمثّل في أن حركة التنويرالتي تتمثّلها في أوروبا حركة الإصلاح اليهودي، حيث تربطها بأوروبا أواصر تاريخيّة ودينيّة واجتماعيّة ، فهي تساكن الأوروبيين وتمتزج بهم اجتماعياً و سياسيّاً واقتصاديّاً ودينيّاً وثقافياً ؛ فالكتاب المقدس يضم التوراة (العهد القديم) كتاب اليهودية المقدس من ناحية ؛ و على النقيض من ذلك فإن العلاقة بينهما يسودها مستوىً عالٍ من التوتر بسبب القيود التي فرضها الأوروبيون على اليهود بعد هجرتهم إلى أوروبا من الشتات الأخير ؛ فقد أجبروهم على العيش في مناطق معزولة خارج المدن (جيتوهات) وحظرواعليهم التعاطي في السياسة و الزراعة وتملّك الأراضي والتعليم الحديث فكان جلُّ نشاطهم ماليّاً اقتصاديّاً ربويّاً محضاً. وجوهر الخلاف بين الدكتور البازعي و المسيري يتمثل فيما ذهب إليه المسيري من أن اليهود لم يكونوا القوة المحرّكة لعصر النهضة، بل أدّوا أدوارًا وظيفيّة محدّدة فرضتها أوضاعهم القانونية والاجتماعية، مثل: الوساطة التجارية، الصيرفة، والإقراض بالربا، وهي أنشطة أُقصيَ عنها المسيحيون في فترات طويلة لأسباب دينيّة ، ويؤكد المسيري أن هذه الأدوار لم تكن تعبيرًا عن نفوذ حضاريٍّ شامل ، وليس هذا موضع خلاف في الظاهر ، ولكن الخلاف ربما يكمن في تأكيد المسيري على أن النهضة نتاج تحوّلات بنيويّة أوروبيّة وعن عوامل داخلية عميقة يتمثّل في تفكّك الإقطاع،وصعود البرجوازيّة و الإصلاح الديني، وإعادة اكتشاف (التراث اليوناني – الروماني) وليس بسبب جماعة إثنيّة أو دينيّة بعينها ، وأن اليهود خارج المركز الثقافي للنهضة،و يلفت المسيري إلى أن الإسهامات الكبرى في الفنون والعلوم والفلسفة (ليوناردو، ميكافيللي، إيراسموس…) جاءت من داخل السياق المسيحي الأوروبي ، بينما ظلّ اليهود – في الغالب– على هامش الفعل الثقافي بسبب العزل الاجتماعي والغيتوهات ، ويرفض المسيري أن يكون لليهود سيطرة خفيّة على التاريخ الأوروبي و ينكر الأسطورة الصهيونية التي تُضخّم إسهامهم في بناء الحداثة الأوروبية ، ويقترح بدلًا من ذلك تحليلًا تفسيرياً بنيوياً يربط الدور بالموقع الاجتماعي، كما جاء في (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، ط2، 1999، ج1، ص 35–50) وكتابه (الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية، دار الشروق، 1993، (انظر الفصل الخاص بالوظيفية والحداثة) و (الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، دار الشروق، 2002، ص 21–30) وليس ثمة شك في أن الخلاف بينهما (منهجي وليس تاريخيّاً) وإن بدا أنه لدى المسيري يأخذ طابعا تاريخيّاً على قاعدة أيديولوجية تجرِّم الفعل اليهودي بشكل عام ، من منطلق عقائدي وترى الإنجازات الثقافيّة والحضاريّة ذات طابع فردي وليس تيّاراً عاماً يمنح الانتماء الديني أو العرقي امتيازاً، وأنه إفراز طبيعي للسياق الحضاري المتزمّن بالمرحلة ، في حين ينطلق البازعي من منطلق آخرله طابعه الثقافي ونقد الخطاب؛ ويرى المسيري أن اليهود لم يكونوا القوّة المؤسسة للنهضة الأوروبية، بل شاركوا في بعض أنشطتها من موقع اقتصادي يتمثّل في التجارة، المال، الوساطة وأن تضخيم الدور اليهودي يخدم السرديّة الصهيونية (اليهود صناع الحداثة)، ويرى البازعي أن طرح المسيري يُقلّل من الإسهامات الثقافية والفكرية لليهود في أوروبا وأن هناك أسماء يهودية بارزة أسهمت في الفلسفة والعلوم والاقتصاد لاحقًا، ولا يجوز تهميشها بدعوى “الوظيفية” وأن المسيري – من وجهة نظره – يقع أحيانًا في تعميمات أيديولوجية دفاعية ضد الخطاب الصهيوني ، لكلٍّ منهما محاذيره الموضوعية والقومية ، فالبازعي يخشى الإقصاء والمسيرى يخشى الترويج للموقف المعادي للصهيونية من زاوية علمية موضوعيّة محضة ، فالموقفان يخشيان من مظنة التسييس والأسطرة. ومن الإنصاف أن نشير إلى التوازن في موقف البازعي الذي لا يبرّئ النخب اليهودية والحركات الإصلاحية التي انبثقت منها من بعدها الأيديولوجي حيث تبنى الفريق القومي الحركة الصهيونية وعمل على إقامة الكيان الغاصب في فلسطين منذ هرتسل ، ومنهم موسى هس وكارل ماركس فبل أن يشتهر بفلسفته الشيوعية ، وذلك في كتابه (حول المسألة اليهودية ) عام 1884م ، وقد أوضح البازعي مظاهر الانحياز الطائفي لدى مشاهيرهم من روّاد الحداثة والتنوير (ياكبسون) وتحدّث عن عقدة التفوّق ؛ إذ تطوّر خطابهم الإصلاحي من خطاب اعتذاري تبريري إلى خطاب هجومي يزعم التفوّق على من يسمونهم الأغيار، ومنهم من رفض مقولة (شعب الله المختار) مثل الحاخام الألماني (أبراهام غايغر) وطالب اليهود أن ينسجموا مع واقعهم ولكنه رفض المساس بالتقاليد اليهودية، وزعم أن أن المسيحية فرع من اليهودية وأنها (أي اليهودية) أصل لما في المسيحية من التنوير ، وعرض لمأزق الفيلسوف اليهودي الألماني حين سأله عالم اللاهوت السويسري (يوهان لافتير ) مادمت تعتقد برقي الدين المسيحي وتفوقه على اليهوية لماذا لم تتحول إلى المسيحية ، وأنه رغم مزاعم الزعماء اليهود عن الأثر الحضاري الذي سينقله الكيان إلى شعوب المنطقة فإن الزعماء الفلسطينيين وعلى رأسهم موسى العلمي رفضوا تلك الفكرة وأن المؤلف لم يخرج عن السياق القومي في تقييمه لوجود هذا الكيان موردا الكثير من هذه التفاصيل بهذا الشأن .