وعيٌ يبحث عن نفسه.
أحيانًا يعجز القلم عن كتابة حرفٍ واحد، لا لأنّ اللغة خانته، بل لأنّ الداخل مزدحم أكثر مما يبغي. تتراكم القراءات وتتكاثر الكتب، تمتدّ الرفوف صحاري من الورق ويقف العقل حائرًا، يتلاشى اسمه بين آلاف الأسماء، عندها لا يعود السؤال: ماذا أكتب؟ بل، من أكون وسط هذا الضجيج المعرفي؟، تظنّ أنك كلما قرأت اقتربت من ذاتك، لكنك تكتشف أنك تبتعد أكثر، واقفًا أمام مرايا متقابلة لا تنتهي، تنتصر تارة حين تظفر بفكرة، وتحبو تارة حين تخونك العبارة، ثم تستقيم فجأة، كأنّ شيئًا خفيًا أعاد ترتيبك من الداخل. إنها لعبة الأضداد، واقعٌ يجرّك إلى الأرض، وخيالٌ يشدّك إلى السماء، وأنت بينهما خيطٍ مشدود، بين عالمين في غرفةٍ صغيرة يبدأ كلّ شيء، سريرٌ جانبي على الشطر الأيمن، جدارٌ باهت، نافذة مغلقة، وظلامٌ خافت يجثم ضيفٍ ثقيل على صدرك، تحاول أن تغمض عينيك في سلامٍ مؤقت حتى الصباح، النوم هدنة قصيرة مع الحياة، تتمنى أن تبحر بعيدًا، أن تخلع جسدك كما يُخلع معطفٌ ضيق، وتصعد نحو الفضاء المتسع، نحو السماء العالية التي لا تحدّها سقوف، وفجأة تشعر بتوسّع حدقة العين في دائرة مركبة، ترى بعدها ما لا يُرى، لا مسافة ولا زمن، فقط انكشاف. ألوانٌ لا تشبه الأحمر ولا الأزرق، أطيافٌ بلا أسماء، تدور في حلزونٍ كوني وتفتح أبوابًا داخل أبواب، تعبر من عالمٍ إلى آخر بلا خطوات، وعيٌ محض يتنقّل بين طبقات الوجود، ثم تنقضّ الغرفة عليك، لا تتحرك، لكنها تضيق. الهواء يثقل، الجدران تقترب، الأشياء تغيّر ولاؤها، ما كان صديقًا يصبح خصمًا. وفي بعض لياليها يهبط الجاثوم؛ تلك اللحظة الفاصلة حين يستيقظ وعيك ويبقى جسدك نائمًا. ترى كلّ شيء بوضوحٍ، لكنك عاجز عن الحركة، روحك مسمّرة في لحمها. ثقلٌ على الصدر، خوفٌ بلا وجه، ووقتٌ لا ينقضي، تقاوم تهزّ رأسك تصارع الغرق وترفض الاستسلام. تقاتل من أجل العودة إلى الحياة، إلى صوتك، إلى نبضك. تتوالى القصص بين الظلام والرعب، بين قلقٍ وسكينة، بين موتٍ وجنازات، وذكرى أمٍّ رحلت، لكنّ حضورها يملأ المكان دفئًا، كأنها تجلس قربك قائلة: لا تخف!. تضع نفسك في تحدٍّ صغير وبسيط، ألّا تغادر هذه الغرفة مهزومًا، ينساب صوت سورة البقرة في ضوءٍ خفيف، فيهدأ القلب وتستسلم للنوم أخيرًا، ليس هروبًا، بل مصالحة مؤقتة مع نفسك ومع غرفةٍ تعلمك كلّ ليلة أنّ الإنسان بين حلمٍ يرفعه وواقع يختبره، يتكون ببطء ويكتب حياته حرفًا حرفًا حتى لو عجز القلم أحيانًا عن البداية.