القراءة نوع من انبعاث جديد للنص. فالنص باعتباره فضاء ينفتح على شروط التلقي الخاضع لخلفيات نفسية وشعورية ومعرفية. تتم إعادة صياغته من خلال فعل القراءة باستنفار المخزون اللغوي واللعب على ممكناته المجازية والتأويلية ليس بهدف توليد نص موازٍ للنص اﻷصلي، بل لتفجير دﻻﻻت ومضامين ﻻ تتحرر إﻻ بممارسة القراءة. هنا يكمن دور اﻷدب كمنصة تحاكم التجربة البشرية باقتراح النص معادل تخييلي لواقع متحقق يجعل منه حقلا خصبا لاستزراع واستنبات المفاهيم والعناوين التي تؤطر الوجود البشري بعد فك مغاليقه وسبر خباياه بالتفسير والشرح والفهم. رواية «بيدرو بارامو» الصادرة «١٩٥٥» للمكسيكي خوان رولفو «١٩١٧-١٩٨٦» نموذج واضح للاشتغال لمعالجة ظاهرة السلطة وذلك بالحكي عنها وافتتاح حالة من النقاش يتم تداولها بالسرد والتخييل. تتحدث الرواية عن رحلة خوان بريثيادو إلى منطقة كومالا للبحث عن أثار ابيه الإقطاعي بيدرو بارامو. بنية الرواية صعبة ومرهقة للقارئ في تتبع سير اﻷحداث نتيجة تداخل وتلاحم وقائع ﻻيربطها ببعضها سوى تماسها مع حياة الشخصية المركزية في الرواية بيدرو بارامو. كوماﻻ المتكئة على الحلم والذكرى بصورة مؤلمة وفق تعبير صالح علماني مترجم هذا العمل اﻷدبي الذي يعتبر مركزيا في تيار ما يسمى ب»الواقعية السحرية». يذهب مترجم الرواية أبعد من ذلك ليدعي بأن سحر الرواية يتجلى في عدم وجود مغزى لها. عبارة علماني ما بعد حداثية بامتياز بتأكيدها على افتقاد النص ﻷي مدلول، لن أحيد شبرا عن ذلك المزاج الما بعد حداثي باستدعاء الاستراتيجية التفكيكية في تحليل وقراءة النصوص مرتكزا على مفهوم جوهري داخل التفكيكية يعرف «بالقراءة السيئة» والتي تعد بمثابة قراءة قلقة ومتوترة تسمح بالهدم والتقويض والبناء على أنقاضها. كل القراءات السيئة صحيحة عند جاك دريدا ما يُمكن من استباحة النص بقراءات متعددة ومتنوعة. قبل الشروع فيما أود تبيانه يستوجب علي توضيح ما أقصده بالسلطة فالمفهوم الذي سأسترسل ضمن حدوده لا علاقة له بالشائع والمبثوث في مراجع علم السياسة، ولا ما يعبر عن نفسه في مؤسسات وأجهزة الدولة الحديثة كما فعلت روايات «خريف البطريرك» لغابرييل غارسيا ماركيز، و»حفلة التيس» لماريو فارغاس يوسا. فلا شرطة في كومالا أو سجون ومعتقلات، لا توجد أجهزة مخابرات تلاحق السياسيين. لا إذاعة رسمية تؤبد صوت الزعيم، ولا مظاهرات تطالب بتحسين أحوال المعيشة، ولا أحزاب تضغط من أجل الانتخابات وتداول السلطة، أو نقابات تدخل في عصيان مدني مطالبة برفع الأجور. بل السلطة في عريها وفضيحتها كسلوكيات وممارسات تنفلش في اليومي والعادي، وذاكرة الأدب العربي الحديث لا تخلو من هكذا معالجات أبرزها «ثلاثية» نجيب محفوظ متمثلة في شخصية أحمد عبدالجواد، و»عرس بغل» للطاهر وطار من خلال ما جسدته العنابية في تلافيف الرواية. تبدأ الرواية بوصية اﻷم دولوريس لابنها خوان بريثيادو وهي على فراش الموت «ﻻتستعطه شيئا. طالبه بحقنا، بما كان مجبرا على تقديمه إلي ولم يعطني أياه قط. خذ منه غاليا ثمن النسيان الذي خلفنا فيه يا بني» تشتبك هذه الوصية مع بقية أحداث رحلة الابن للتنقيب في ذاكرة كوماﻻ، تلك الذاكرة التي يستعيد فيها اﻷموات أصواتهم وحضورهم الباهت ليدلو كل واحد بتجربته في مدينة اﻷشباح تلك. ميغيل بارامو قاتل شقيق اﻷب رينتيريا ومغتصب ابنته الذي دل على موته صهيل حصانه في خصوصية تعبر عن الفضاء اﻷسطوري والعجائبي الذي تدور فيه أحداث الرواية. الخوف وحده من مكانة وسلطة دون بيدرو هو الذي دفع اﻷب رينتيريا لمنح ميغيل بارامو المغفرة على خطيئته ورفضه منح الخلاص للفقيرة أدوفيخيس بعد انتحارها، لم يمنحها الخلاص لهامشيتها وعوزها. خطيئة أدوفيخيس هي الفقر وعدم امتلاكها للسلطة لذلك استحقت الجحيم وغضب الرب. اﻷب رينتريا نموذج لرجل الدين الذي يخون كل انتظارات الأرض بخضوعه لهيمنة المال متمثلا في سلطة يمنحها المال بريقًا يعمي العيون ويخفي العيوب، ليأسى بعد سنوات على مصيره ومآل حياته ويقبض على جوهر مأساته بقوله:»بدأت المسألة عندما صعد بيدرو بارامو ليصبح كبيراً بعد أن كان شيئاً وضيعاً. كان ينمو مثل عشبة خبيثة. والأسوأ في هذا أنه حصل على كل شيء مني». يخبر فولغور في جزء من الرواية دون بيدرو بأن امرأة تشتكي ابنه ميغيل الذي قتل زوجها وبأنها رفضت التعويض الذي منحها إياه وهو عبارة عن خمسين هكتولترا من الذرة لتسوية القضية، حينها سأله دون بيدرو من هي؟ رد فولغور من إناس ﻻ أعرفهم ليرد دون بيدرو ويؤكد مأزق السلطة والانحطاط البشري بفجاجة سافرة «ﻻ تقلق كثيرا يا فولغور فهوﻻء الذين ﻻنعرفهم ﻻ وجود لهم». رد يعبر عن طبيعة علاقة السلطة ومضاعفاتها على حياة الإنسان فالسلطة ﻻ تؤسس لنفسها إﻻ من خلال نسيان الإنسان وإقصاءه ونفيه، السلطة ﻻ تزدهر إﻻ بضمور الإنسان، الإنسان كحضور ووعي يتم استلابه، وهدر وجوده من خلال الاستعلاء على حقوقه وشروطه في العدالة والحرية والمساواة. تحتاج السلطة لبوق يضخم أثارها ويكرس لمفعولها، ﻻ تستمر أي سلطة لوﻻ وجود المتملقين والمنتفعين وأصحاب المصالح الدراويش الذين تهزهم طبلة عطايا السلطان يتعالق ذلك مع أمر دون بيدرو لعامله فولغور بأن يسكت النساء النائحات قائلا له: «أطلب من هؤﻻء النساء أن ﻻ يثرن كل هذه الفضيحة، فهذا الضجيج كثيرٌ من أجل ميتي فلو كان الميت لهن ما بكينه بكل هذه الرغبة» نعم تلك هي رغبة الإذعان وانكسار الذات وموت الضمير وضياع الكرامة. تستمد السلطة مشروعيتها من تواطؤ البعض ومسايرة شرطها القمعي بتدجين وترويض نزوعات الرفض والتمرد والصراخ. الصمت في رواية «بيدرو بارامو» يطبق على المكان ويؤسس لحضوره بتفريغ المسرح من الشهود وتغييب الحقيقة في لجة الظنون «هذه القرية مليئة بالأصداء. حتى أن الأصداء تبدو وكأنها حبيسة في فراغ الجدران أو تحت الأحجار. عندما تسير تشعر وكأن الخطى تدوسك. تسمع صريراً. قهقهات. قهقهات هرمة جداً، كما المتعبة من الضحك. وأصوات أبلاها الاستعمال. تسمع كل هذا. وأعتقد بأنه سيأتي يوم تنطفئ فيه هذه الأصوات»، ثم يطفر صوت خوان بريثيادو من حصار الموت «لقد قتلتني الأصوات الهامسة»، الصمت هنا ليس رديفًا للتأمل أو استبصار في كنه الأشياء بل عطباً يثير الكآبة والوحشة ويزوي بالفضائل والمشاعر النبيلة أمام فحش السلطة. تخترع الرواية من السرد بلاغة للمقموعين بسماحها للمكبوت والمخنوق من مشاعرهم وآرائهم وأفكارهم وأحلامهم وهواجسهم بالتنفيس. الرواية تسرد التاريخ المضاد للتاريخ الرسمي أو المسموح بالحكي عنه. كوماﻻ أركيولوجيا السلطة في صيغة فنية، نتوءات الذاكرة المهجوسة برغبة الخلاص. فالرواية هي ما تحفظ الوجع طازجا بسردها لتفاصيل اﻵلم والمرارة لتؤبد في الذاكرة أحاسيس القهر ووقع الجرح ثم تبلسم ذلك بحكايتها وتخليده في زمن القارئ. * شاعر وكاتب سوداني