سرديات التاريخ شعرا...

رؤية تناصية من شعر عبد العزيز المقالح.

يجيب الشاعر عبد العزيز المقالح صديقه البردوني حين سأله عن الشعر قائلا: “ إن الشعر رؤى لعالم جديد، ومحاولة للنفاذ من خلال الحلم مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، ليس في عالم الواقع المادي فحسب، بل في عالم الحلم نفسه، أي في العالم الشعري ، حيث اللغة الجديدة غير المسكونة” ثم يعود ويقول: إن التعريفات المانعة والجامعة كما يقولون، يمكن أن تصدق على المعطيات العقلية، لا الوجدانية، فالشعر، سياحة في الأعصاب، فمنذ أن بدأنا رحلة الحرف أنا والشعر، لم أعرف ماهو ولا من أين يجيء،وكلما اتسعت خطواتنا زادات رقعة الغموض بيننا اتساعا” حضر لي بعد ما قاله المقالح ، مفهوم العقل الشعري الذي تحدث عنه الدكتور خزعل الماجدي في كتابه “ العقل الشعري”على أنه العقل الرابع للعقل الإنساني، الشعر الذي لا عقل له سوى الشعر، حين كان العقل الإنساني الأول، عقلا شعريا امتزج بالسحر والأسطورة، فالشعر جموح اللغة التي لا تعقل، أو تقنن، ورؤية لا تصل إلى نهايات محدودة. وفي قصائده الحداثية كان المقالح ضمن كوكبة من شعراء الحداثة، ممن انطلقوا باللغة من تقليديتها، فنسج المعنى من عناصر الوجود، ليخلق العالم نفسه بصيغة أخرى ،من لغة لا تخضع لمفهوم العقل . وفي شعر المقالح يمكننا أن ندرك ذلك المفهوم أو التعريف الحداثي للشعر، وهو الشعور الغامض والجميل ، فعل ورؤيا جديدة للحياة، تحدث تفجيرا في اللغة ، وتعانق نصوصا وتستعيدها في فعل نشط يتغذّى من ينابيع متعددة ويملأ مكامن الصمت، ويكتشف المخفي منه. في قصيدة يقول : “حينما ابتاعني الحزن من وطني واشترى وجهي الخوف كانت بلادي تسافر في القحط تنتظر المطر الخبز لست الوحيد الذي باعه أهله بدراهم معدودة وقف المقالح في قصائده أمام الحياة المنثورة والواقع المتشظي، وعاصر الكثير من التحولات والاهتزازت، ففي سياق تناصي، وتفاعلي لسرديات تراثية، يؤسس للخوف والحزن كصفقة ممتدة، حين كان هو طرفها ممثلا بذلك الإنسان اليمني، المباع للحزن والخوف عبر الزمن، و في دلالة مفارقة لسياق حكاية يوسف التاريخية، يؤسس سياقا جديدا يعبربه عن ذاته المسلوبة بدراهم معدودة ، وعن بلاده التي تعاني القحط . وفي بنية أخرى ترتبط بالسابقة، لإنتاج دلالة أعمق من خلال التناص مع قصة الطوفان، يظهر تناصا مزدوجا على مستوى الإيقاع الشعري نجده مع قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة لأمل دنقل، التي تناصت هي الأخرى مع شخصية عنترة، وإسقاطها على الواقع المعاصر، استدعاء لسرديات تراثية، في محتوى شعري تتمازج فيه الدلالات، نلمس ذلك الإيقاع المتماثل، في قصيدة أمل : ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان أجتزُّ صوفَها .. أردُّ نوقها .. أنام في حظائر النسيان بينما يقول المقالح : أنفقت عمري أجمع الأعواد والأخشاب قطعت وجه الليل والنهار أقرأ في الكتاب أشد مسمارا إلى مسمار لكن صوتي ضاع في الرياح سفينتي تاهت بها الامواج نص مفتوح يحمل علاماته الخاصة، لسياق ثقافي عبر التناص، ولكنه بدلالة مقلوبة، للمعنى الوظيفي لسفينة الطوفان، ليصبح معنى للضياع والإخفاق،فالسفينة هنا لم تحقق غايتها في نجاة البشر. والآن،هل بلغ الألم في نفس الشاعرمدى أوسع مما بلغه يوسف، ليستسلم بدلا عنه، ويقبل بالشروط، وينتهي عذابه؟ تتجلى البنى في نصوص المقالح عن ذات ممزوجة بذوات سابقة، سياق لحاضر يغربل سياقات تاريخية سابقة، الزمن يتكثف في البنية الشعرية عبر التناص، ليصبح زمنا واحدا، وتنزاح المعاني الأصلية لتؤسس معان جديدة. حصحص الحق هل تستطيع القيود على شفتي أن تبلغها إني قد قبلت الشروط من الآن سوف أراودها أنا عن نفسها وأشق القميص بأنفاسي الداميات الأظافر. نصوص تثير غبار التاريخ، وتدخل في علاقة من مفارقات المعنى، وإثارة للمسكوت عنه، وملئ فراغات النصوص السابقة بالمعنى الجديد، وكأنها تعيد قرائتها بمنطق الخذلان الذي يحاكم التاريخ. وتمثل في نفس الوقت فسيفساء لوحة شعرية ممكن أن نطلق عليها جدارية . وما نراه في قصائد مثل مأرب يتكلم، و حوار مع أبي الهول،و حكاية مصلوب، هو استخدامه للسرد التاريخي أيضا في بناء قصصي شعري كما في : أحزان الليلة الأخيرة من حياة عمارة اليمني يقول في مطلعها : (الزَّمانُ: تساوى النهارُ مع اللَّيلِ، في ندرةِ الضوءِ، لكنّهُ كانَ ليلاً ثقيلَ الخطى عابساً. والمكانُ: ذراعٌ منَ الأرضِ، زنزانةٌ يتكوَّرُ فيها السَّجينُ الذي سيقدِّمُهُ الشعرُ للموتِ.. تركضُ أشجانُهُ عبرَ لونِ السِّؤالِ) : في هذا الاستهلال من القصيدة نجد أن المقالح استخدم عناصر السرد الرئيسية الزمن والمكان والشخصية ( الليل والنهار/ والزنزانة/ والسجين / . ليرسم سردية شعرية تتعدى مفهوم القصيدة التقليدية، بل ويتداخل فيها صوت الراوي مع صوت السجين فحين يقول السجين عمارة اليمني: لماذا تغرَّبْتُ عنْ وطني وهجرْتُ (زَبيدَ التي يتنازَعُني حبُّها والحنينُ على نُطُعِ الموتِ؟ ألمحُ شُرْفاتِها والطفولةَ وجهَ الشبابِ النَّضيرِ (ينحني الصوتُ، تنكسرُ الكلماتُ على فَمِهِ؛ وَهْوَ يهتزُّ منتحباً)الراوي: ليسَ لي وطنٌ، كنتُ أحسبُ أنَّ النجومَ وكلَّ السَّماواتِ والأرضِ لي وطنٌ، غيرَ أنَّ النجومَ، السَّماواتِ والأرضَ صارتْ تضيقُ بجمجمتي إلى أن يعود صوت الراوي مرة أخرى ليصف حالته من زاوية نفسية داخلية : تتزاحمُ أشجانُهُ، تصغرُ الأرضُ في رأسِهِ.. أينَ يكتبُ آخرَ أصواتِهِ؟ الجبالُ حصىً، والتُّخُومُ زنازنُ مقفلةٌ، والطريقُ انحناءاتُ لا تستبينُ معالِمُها وهكذا تظل السردية الشعرية تتعاقب بين صوت البطل السجين وهو يسرد مأساته وصوت الراوي كتقنية سردية، استخدمت لتصف الفضاء والحالة الشعورية للسجين. إلى أن ينتهي السرد، بصوت الراوي ليعلن نهاية البطل : الشوارعُ مذعورةٌ تتفاررُ، وجهُ المدينةِ ينهضُ منْ نومِهِ المتقطِّعِ، مشنقةٌ تتأرجحُ في غبشِ الفَجْرِ، في حبلِها الكلماتُ الذبيحةُ خابيةٌ تتدلَّى، العصافيرُ منْ خلفِها ترقبُ الشمسَ، حينَ تجيءُ سترحلُ فوقَ مراكبِها، وتشدُّ الرِّحالَ، بلا شِعْرٍ انْكَسَرَ القلبُ.. ها هيَ عائدةٌ لبراري زبيد) من خلال هذا العرض البسيط، يتضح لنا أن شعر المقالح يشكل تكثيفا زمنيا فنيا، داخل بنية من الصراعات والتحولات، فماحدث هو مايحدث إلى الآن، تتوحد الذوات في ذات الشعر، وتجعل من التاريخ مسرحا لا ينتهي ولا تنتهي.